رشـأ الخطيب: قيمة “طوق الحمامة” عابرة للعصور / تيسير النجار

كتابٌ فريد، في نسخةٍ مخطوطةٍ فريدة، وصل إلينا بعد رحلةٍ نجهل معظم محطاتها، لكننا نعرف منها إسطنبول التي احتضنت النسخة المخطوطة في محطتها قبل الأخيرة، وقبل أن يستقرّ بها المقام، بخاتمة الرحلة، في مكتبة جامعة لايدَن في هولندا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، إنه كتاب الإمام والفقيه ابن حزم “طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف”.
أكمل كتاب “طوق الحمامة” ما يقرب من ألف سنة منذ خرج للوجود، ورغم ذلك لا يزال الأثر الذي كتبه ابن حزم الأندلسي سنة 1022 نبعًا لا ينضب في فنون العاطفة، وما تزال ثقافة ابن حزم الموسوعية الواضحة في مؤلفاته، تُلقي بظلالها على أخباره وحكاياته وتأملاته ونظَراته التي قام عليها “طوق الحمامة”، وفق منهج علمي منضبط ألزمَ المؤلف نفسه به ولم يَحِد فيه عن الصدق والصراحة.
أستاذة الأدب الأندلسي رشأ الخطيب، المحاضرة غير المتفرغة في عدة جامعات أبرزها الجامعة الألمانية الأردنية، والجامعة العربية المفتوحة في عمان، تصف هذا الكتابُ بأنه علامة حضارية مضيئة في التراث العربي الإسلامي وفي التراث الإنساني العالمي، على حدٍّ سواء.
للدكتورة الخطيب المتخصصة في الأدب الأندلسي عدة كتب منها: “هذا أبي: عبد الله الخطيب- سيرة وذكريات”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2020، “أحمد بن قاسم الحجري، أفوقاي الأندلسي: المترجم والرحالة والسفير”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، “الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية”، 2013، “تجربة السجن في الشعر الأندلسي”، 1999.
عبر هذا الحوار تؤكد لنا الخطيب أن قيمة كتاب “طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف” لابن حزم الأندلسي لا تقف عند العصر الذي كُتب فيه ولا عند المجتمع الذي يصوّره؛ ذلك أن أخبار الحب وحكايات المحبين التي تحفل بها صفحاته ما زالت إلى يوم الناس هذا تمتِّع القارئ العام، والباحث المدقق، وما زالت مصدرًا لا يمكن استبعاده لعصرٍ كثير الاضطراب من عصور تاريخ الوجود الإسلامي في الأندلس.
حول كتاب “طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف” الذي يعتبر مرآة عصره كان لنا هذا الحوار الخاص معها:

النكبة والاعتقال والتشرد والرحيل
(*) ماذا كان تأثير ثقافة ابن حزم وحياته في تشكيل كتاب “طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف”؟
– ينتسب ابن حزم إلى أسرة أندلسية تعود إلى أصول غير عربية لا تنتمي في عقيدتها إلى الإسلام، وذلك اعتمادا على عبارة للمؤرخ المعروف ابن حيان القرطبي (ت469هـ/1076م)، قال فيها عنه: “فقد عهِدَهُ الناس خامل الأبوة، مولَّد الأرومة، من عجم لبلة، جدُّه الأدنى حديث عهد بالإسلام”.
بينما يرى الحميدي (ت488هـ/1095م) وهو تلميذ لابن حزم، أن أستاذه من أصول فارسية تعود إلى جدِّه البعيد الذي كان مولى ليزيد بن أبي سفيان (ت18هـ/639م).
ومهما يكن من أمر أصوله العائلية فقد حققت عائلته مجدًا رفيعًا وجاهًا وثراءً واسعًا في أواخر عهد الخلافة الأموية بقرطبة؛ وكان والده (ت402هـ/ 1012م) واسع العلم قوي البلاغة متمكنًا من ثقافة عصره وتاريخ بلده، وما إلى ذلك. إذ كان أبوه وزيرًا للحاجب المنصور بن أبي عامر (ت392هـ/ 1002م) منذ سنة381هـ، وكان صاحبَ مجلسٍ يختلف إليه عِلية القوم من السياسيين والوجهاء والأدباء. فقضى ابن حزم سنواته الأولى من الطفولة والصبا في ظل نعيم وافر ظن أنه لا ينقطع، كان من أبرز علاماتها أنه أمضى شطر طفولته وصباه بين الجواري: اللاتي قمن على تربيته وتأديبه. وقد أورثَتْهُ هذه النشأةُ رقةً وحياءً وحبًا للجمال ومعرفةً دقيقة بالنساء، كما أتاحت له تجارب عاطفية مبكرة، حدَّثنا بجرأة وصدق ببعض أخبارها في طوقه، وكانت متكَّأ له في كثير من تأملاته وآرائه.
وتنطبع آثار نشأته في سمات بارزة على شخصيته التي اتصفت تارةً بالثقة بالنفس والاعتداد بالرأي والحدّة والعنف، وتارة أخرى، بالنزاهة والموضوعية وإنصاف الخصوم، وحرية الفكر التي عرفناها عند ابن حزم، مما أوقعه في الخصومة والعداوة مع كثيرين. وعلى الرغم من ذلك فقد أنصفوه ولا نجد بينهم ممن قرأوا أخباره وبعض سيرته واعترافاته الشخصية الجريئة في الطوق، يتهمه بالكذب أو يجرح في دينه ومعتقده، على الرغم من خوضهم في سيرته!.
وإذا ما أخذنا بالحسبان أن ابن حزم بدأ مستهل حياته وقبل انشغاله بالفقه والخصومات في تأليف “طوق الحمامة” بين الأعوام 417هـ-419هـ، فذلك يعني أنه كتبها وهو يعاني النكبة والاعتقال والتشرد والرحيل؛ بعد خروجه من قرطبة وانقضاء الفتنة التي أطاحت بخلافة بني أمية في قرطبة وانفراط عقدها في بقية المدن الأندلسية. إذ احتُلَّت منازل أهله فخرج منها وتنقل بين المدن، ومنها شاطبة شرق الأندلس، التي نزلها ساكنًا شابًا على أبواب الثلاثينات من عمره، وقد أصاب حظًا وافرًا من المعارف والعلوم السائدة امتدّت بسببها ثقافته إلى ضروب متنوعة ومتشعبة.
وتنتظم ثقافةُ ابن حزم في الكتاب، مصادر عديدة أخرى مكتوبة وغير مكتوبة، يتوِّجها القرآن الكريم والسُّنّة النبوية، والمؤلفات المعروفة التي اطلع عليها، كغيره من المؤرخين والعلماء، لكنه اكتفى بالإشارة إليها في الطوق أو في غيره من مؤلفاته الأخرى. إلى جانب إحاطته بضروب العلم القديمة من المنطق والفلسفة والكتابات الدينية لدى اليهود والنصارى.
ويمكننا أن نقول إن ثقافة ابن حزم الموسوعية الواضحة في مؤلفاته، تُلقي بظلالها على أخباره وحكاياته وتأملاته ونظَراته التي قام عليها “طوق الحمامة”، وفق منهج علمي منضبط ألزمَ ابن حزم نفسه به لم يَحِد فيه عن الصدق والصراحة قيد أنملة.

تجلية صورة المجتمع الأندلسي
(*) يعدّ كتاب “طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف” وثيقة تاريخية على أحوال الأندلس وما مرّت به من أحداث سياسية واضطرابات وفتن في عصره فكيف تشكلت كل هذه العاطفة فيه؟
– يعدّ “طوق الحمامة” وثيقة تاريخية على عصر مليء بالاضطرابات: من الحجابة، والفتنة، وانتهاء عصر الخلافة إلى ابتداء عصر ملوك الطوائف. إذ يضم الكتاب أخبارًا لجوانب من الحياة العاطفية لبعض أعلام العصر، كما يكشف كثيرًا من جوانب الحياة الاجتماعية في الأندلس في القرن الخامس الهجري، أغفَلَتْها كتب التاريخ السياسي الأخرى، وهو بذلك يعد مصدرًا لا غنى عنه في تجلية صورة المجتمع الأندلسي، من الرفاهية التي بلغتها الطبقات الاجتماعية الأندلسية، واختلاط الأجناس والأقوام الذي كان سمة أولى من سمات المجتمع الأندلسي وعاملًا من عوامل غنى الحضارة الأندلسية ورفعة نتاجها وإرثها الحضاري والثقافي، تأثيره العميق في الحضارات والشعوب الأخرى.
كما تتجلى في الكتاب صورة للحياة اليومية في المجتمع الأندلسي تجمع بين ما قد نظنه كل الظن أنْ لا جامع بينها، مثل حرية المرأة التي فاقت بمراحل الحرية التي أصابت بعضًا منها المرأةُ في المشرق الإسلامي، والمحافَظة والتديُّن التي ميزت كثيرا من العائلات والأفراد من أهل الأندلس.
ومن جهة أخرى، فإن النظرة الأولى إلى “طوق الحمامة” تجعلنا نطمئن إلى تصنيف جانبٍ من الكتاب في جنس السيرة الذاتية، لأن دوافع تأليف الكتاب لا تقف – كما أفصح عنها ابن حزم في مقدمته- على مجرد الامتثال لطلب صديقه الذي سأله تصنيف “رسالة في الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة”، بل تتعداه إلى أن هذا السؤال وقَعَ في نفس ابن حزم ووافق هواها، فأراد أن يعرض في كتابه “صورة واقعية من حياته ومن حياة الناس في موضوع الحب” كما عرفَه المجتمع الأندلسي، إذ قام منهج ابن حزم في تأليف “طوق الحمامة” على ما مرَّ عليه في حياته من تجارب ذاتية وخبرات شخصية، ووقائع سمعها أو عاينَها أو نقلها إليه مَن يأنس إلى صدقه وعدالته.
وهكذا انقلب ابن حزم في تأليفه الطوق من “تسلية الصديق إلى تعزية النفس” على ما يرى أستاذنا د. إحسان عباس رحمه الله.
ولا تفوتنا الإشارة إلى أن الكتاب في جانب منه وثيقة نفسية تحلل عاطفة الحب وما يتصل بها تحليلًا نفسيًا لطيفًا، يتوافق مع كثير من الآراء النفسية المعاصرة والتحليلات التي تسبر أغوار النفس البشرية في انفعالاتها المتنوعة. حتى أن الناشر العربي الأول لكتاب “طوق الحمامة” في دمشق 1930 رأى أنه “خير كتاب في وصف الحب.. وأحسن أثر في تراثنا الأدبي يثبت للناس أن في أدبائنا من أوتي ملَكَةَ التحليل النفسي، ومن استطاع أن يفهم الحب قبل عشرة قرون كما يفهمه الأدباء اليوم”، ثم تعجب من اعتناء المستشرقين به وجَهْـلِنا له، والظن به أنه كتاب مجون ودعارة، وأن صاحبه يستحق الثلب والتعريض، فقد قامت ضجة بعد نشره بدمشق في 1930م تزعم أن الكتاب مدسوس على ابن حزم الفقيه! وأن نسبة الكتاب إليه ليست أكثر من تشويه لاسمه.

(*) أكمل كتاب “طوق الحمامة في الألفة والأُلَّاف” ما يقرب من ألف سنة منذ خرج للوجود، رغم ذلك لا يزال الأثر الذي كتبه ابن حزم الأندلسي سنة 1022 نبعًا لا ينضب في فنون العاطفة. كيف ينظر له المستشرقون في إسبانيا؟
– كان للمستشرقين فضل اكتشاف المخطوطة الفريدة الباقية من “طوق الحمامة”، وتعريف القرّاء بهذا الكتاب وتحقيقه ونشره لأول مرة، إلا أن المستشرقين الذين قاموا على ذلك كله لم يكونوا من إسبانيا كما قد نظن للوهلة الأولى!
وليس في العالم حتى اللحظة سوى هذه النسخة الفريدة التي وصلت إلينا من كتاب “طوق الحمامة”، وقد جرى نسخُها بخطٍّ مشرقي واضح – بعد نحو ثلاثة قرون من تأليفها- العام 738هـ/1338م، في مدينة صفد بفلسطين، على يد ناسخ مشرقي مغمور لا نعرف عنه إلا اسمه، الذي طمست الرطوبةُ جزءًا منه بأقصى الزاوية العليا اليمنى من صفحة العنوان، وهو محمد بن …؟ ابن عثمان النهاوندي الصوفي، والذي قد يكون مالكًا لتلك النسخة.
ويظهر أن الناسخ قام بعمله لا يبتغي من وراء ذلك إلا تحسين رسالة “طوق الحمامة” وإظهار محاسنها وتصغير حجمها تسهيلًا على القرّاء ليفهموا معانيها – حسب رأيه-، فكان عمله هذا قد فوَّتَ علينا مقاطع كثيرة اختصرها الناسخ من أصل “طوق الحمامة” الذي نقل عنه، ولم يضع بين أيدينا أي تفصيلات عن النسخة التي كان ينقل منها! وهكذا وصلتنا رسالةُ الكتاب ناقصةً عن أصلها، مقدارا لا نعلمه.
يعدّ “طوق الحمامة” وثيقة تاريخية على عصر مليء بالاضطرابات: من الحجابة، والفتنة، وانتهاء عصر الخلافة إلى ابتداء عصر ملوك الطوائف. إذ يضم الكتاب أخبارًا لجوانب من الحياة العاطفية لبعض أعلام العصر، كما يكشف كثيرًا من جوانب
الحياة الاجتماعية في الأندلس في القرن الخامس الهجري
وقد بقي هذا الكتاب لابن حزم في نسخته المخطوطة مجهولًا ولا يُلتَفَت إليه، بل إنه لم يأتِ على ذكره إلا قلة من المؤرخين الذين نقلوا عنه مثل المقري ولسان الدين بن الخطيب. ومثلما كان الكتاب مهمَلًا من جانب المؤرخين العرب كانت المخطوطة الفريدة قد لاقت المصير نفسه.
ولا بدَّ أن هذه النسخة الفريدة كانت قد رحلت بطريقةٍ لا نعرفها من الأندلس حتى وصلت إلى ناسخها في المشرق، لكننا نعرف مصيرها بعد ذلك؛ فقد وصلت إلى المكتبة الخاصة للمثقف والمؤرخ العثماني الشهير حاجي خليفة (كاتب جلبي) (1609-1657م)، صاحب “كشف الظنون” الذي عُرِف بجمع الكتب، وكانت إسطنبول في القرن السابع عشر مدينة يقصدها الدبلوماسيون والتجار الأوروبيون، كان منهم السفير الهولندي ليفينوس وارنر، الذي عمل دبلوماسيا في إسطنبول منذ عام 1645 حتى وفاته في 1665، وكان قد درس من قبل اللغات الشرقية في جامعة لايدن، وأُشرِب حب جمع المخطوطات الشرقية من أستاذه المستشرق الهولندي ياكوب خوليوس (ت1667).
وكان وارنر هذا هو الذي اشترى النسخة الفريدة من “طوق الحمامة” من مكتبة حاجي خليفة، ضمن مجموعة كبيرة اشتراها تزيد عن 900 كتاب مخطوط، ثم وهَبَـها وارنر بعد وفاته إلى مكتبة جامعة لايدن.
وهكذا وصلت هذه النسخة الباقية إلى هولندا منتصف القرن السابع عشر، لكنها استقرت هناك لنحو قرن ونصف قرن لم يلتفت إليها أحد، حتى عرَّف بها رائدُ الدراسات الأندلسية المستشرق الهولندي رينهارت دوزي (ت1883م) في أول فهرس مطبوع للمخطوطات العربية في جامعة لايدن، ثم نشر دوزي مقاطع جميلة من الطوق مترجمةً إلى الفرنسية عام 1841 في كتابه “تاريخ مسلمي إسبانيا”، وعنه ترجمها عدد من المستشرقين إلى لغات أوروبية عديدة، فعرف الناسُ الكتابَ لأول مرة، لكن ذلك لم يشفع لابن حزم الأندلسي، فبقي الكتاب فوق الرفوف حتى مطلع القرن العشرين، عندما قام المستشرق الروسي الشاب ديميتري بتروف (ت1925) بتشجيع أحد أساتذته في بطرسبرغ، بتحقيق “طوق الحمامة” ونشر النص العربي مطبوعا لأول مرة عام 1914 في مطبعة بريل في مدينة لايدن.
أثارت تلك الطبعةُ منذ ظهورها الاهتمامَ بكتاب “طوق الحمامة”، وظهرت له طبعات عربية أخرى، وتُرجم الكتاب إلى لغات أوروبية عديدة، ونُشِرت عنه دراسات متنوعة لم تنته إلى اليوم- سواء على يد المستشرقين الأوروبيين، أو على يد الباحثين والمهتمين في العالم العربي.
بل إن ذيوع أمر الكتاب كان دافعًا لبلدية قرطبة كي تحتفي به على طريقتها؛ فقامت عام 1963 بنصب تمثال تذكاري لابن حزم الأندلسي على مقربة من باب إشبيلية/ باب العطارين -أحد الأبواب السبعة لقرطبة القديمة- بمناسبة الذكرى المئوية التاسعة على وفاته التي كانت في عام 1064م.

أما المستشرقون الإسبان فلم تكن لهم عناية كبيرة بـ”طوق الحمامة” أو بمؤلفه أو بالدراسات الأندلسية عامة؛ لأنها كانت مهملة في إسبانيا لقرون عدة ويقفون من الإرث الإسلامي في إسبانيا موقفًا عدائيًا، في حين كان المستشرقون في البلدان الأوروبية الأخرى منغمسين فيما بينهم منذ القرن السابع عشر في الاهتمام باللغة العربية وآدابها وتراث شعوبها الناطقة بها والأراضي التي تمتد على رقعتها، وكان من جوانب ذلك الاهتمام جمع المخطوطات الإسلامية ونشرها وطباعتها.
ولم يمض وقت طويل حتى واكبت إسبانيا غيرها في العناية بالدراسات الأندلسية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المستشرق الإسباني الشاب فرانسيسكو بونس بويج (ت1899) كان من أوائل الذين أشاروا إلى “طوق الحمامة” بعد الهولندي دوزي.
ثم اهتم آسين بلاثيوس (ت1944) بالمفكرين والفلاسفة المسلمين ومنهم ابن حزم، فكان أول من درس كتاب الطوق في مخطوطته الوحيدة – قبل أن ينشره بتروف- وكان ذلك في أثناء زيارته لمكتبة جامعة لايدن عام 1907، مع أن بلاثيوس لم يكن يحب السفر وكان يتجنبه قدر ما أمكنه ذلك ليتفرغ لأبحاثه ودراساته وعمله في الجامعة.
لا يخرج ابن حزم صاحب الثقافة الواسعة والمعرفة الممتدة عن هذا، لكنه أراد في كتابه الإتيان بجديد والابتعاد عمّا عرضت له بعض المصادر التي اتخذت الحبَّ موضوعًا، من أمثلة وأخبار وشواهد وأشعار ووقائع تحكي ماهية الحب وأحوال المحبين.
وقد اتكأ في كتابه على ما اختبر من تجارب، وما سمع من أخبار
واهتم بلاثيوس بأعمال أخرى لابن حزم، فألقى محاضرته الافتتاحية مستهل عضويته بالأكاديمية الملكية للتاريخ عام 1924 عن ابن حزم، وأتبعها بترجمة إسبانية لكتابه الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل مع دراسة عن حياة ابن حزم نشرها بين 1927-1932. كما ترجم كتابه في الأخلاق، وقدَّم دراسات أخرى عن ابن حزم الفيلسوف والمفكر والمتكلم.
ثم قام المستشرق الإسباني إميليو غارثيا غوميث (ت1995) بترجمة إسبانية لـ”طوق الحمامة”، كانت هي السادسة بعد خمس ترجمات إلى اللغات الأوروبية بدأت منذ 1931. وقد قدَّم لهذه الترجمة الفيلسوف الإسباني أورتيجا إي جاسيت (ت1955) نظر فيها في فكر ابن حزم وآرائه في الحب.
وللمستشرقين آراء عديدة في “طوق الحمامة” قامت عليها دراساتهم وبحوثهم المستمرة إلى اليوم، فقد رفض بلاثيوس مثلا أن يعد الطوق وثيقة نفسية ورأى أن قيمته الحقة هي في الجانب التاريخي الذي يقدمه. بينما رأى غويث أن الكتاب دراسة نفسية معتمدة على الوقائع التاريخية، وبين هذا الرأي أو ذاك يتفق كثير من المستشرقين – الإسبان وغيرهم- في أن الأصول غير العربية لابن حزم هي التي تفسر آراءه ورقَّته وأفكاره وجرأته تجاه قضايا الحب التي عرضها في الكتاب.
فقد استكثر الهولندي دوزي على ابن حزم حديثه عن معاناة الحب وآلامه التي اختبرها ابن حزم بنفسه وكشف عن تجربته إياها في كتابه، وردَّ دوزي ذلك إلى أصول ابن حزم الإسبانية المسيحية التي أورثَتْهُ طباعًا بعيدة عن طباع الشرقيين. وهذا الرأي قد لا يعجب مستشرقًا آخر؛ إذ نقض بلاثيوس رأي دوزي هذا؛ معللا له بأن ظاهرة الحب العفيف ومعاناته تعود إلى ما في الإسلام من نوازع زهدية.
وما زال كتاب “طوق الحمامة” بعد نحو ألف سنة على تأليفه، وبعد نحو مئة سنة على طباعته، يثير شهية الباحثين لدراسة جوانب خفية أو جليّة متعددة منه. وهو على ما يبدو أول كتاب أُخرج للناس في الحب، “وعلى كثرة ما أُلِّف بعده في موضوعه، لا يزال ينفرد بمحاسن ويعتصم بخصائص تقضي له بالمكانة العليا بين هذه الكتب”. (من تقديم الشاعر محمد البزم لطبعة الطوق في دمشق 1930).

ماهية الحب وأحوال المحبين
(*) تأثّر ابن حزم بكتابات السابقين عن الحب: أفلاطون، الجاحظ، ابن داود الأصبهاني، أبو بكر الرازي، إخوان الصفا (رسالة في ماهية العشق) وغيرهم، فما هي قيمة كتابه في عصرنا الحديث؟
ثقافة ابن حزم الموسوعية الواضحة في مؤلفاته، تُلقي بظلالها على أخباره وحكاياته وتأملاته ونظَراته التي قام عليها “طوق الحمامة”، وفق منهج علمي منضبط
ألزمَ ابن حزم نفسه به لم يَحِد فيه عن الصدق والصراحة قيد أنملة.
– ربما يصح أن المؤلف لا بد أن يأتي فيما يؤلّف على مثال سابق، فهو لا يبتدع من فراغ ولا يعدم أن يجد لدى سابقيه فكرة أو كلمة بها تكون الشرارة التي تضيء الخيط الأول من النور الذي يهبه لقرّائه. وهذا لا يعني أن ابن حزم نهج على كتب سابقيه ولم يخالف طريقتهم.
وقد عرف المشرق الإسلامي آراء ونظراتٍ في الحب دوَّنها أصحابُها في كتب سابقة اطلع عليها ابن حزم، ربما كان كتاب الزهرة لابن داود الأصبهاني (ت296هـ) أهمها، وهو كتاب عرفه ابن حزم معرفة تمكُّن واستلهام، ويرى د. إحسان عباس أنه لو لم يطّلع ابن حزم على المصادر الشرقية الأخرى، لكان كتاب الزهرة كافيا له في هذا المجال، ولكنْ من دون شك فإن ابن حزم اطلع على المصادر الأخرى التي تحدثت عن الحب.
ولا يخرج ابن حزم صاحب الثقافة الواسعة والمعرفة الممتدة عن هذا، لكنه أراد في كتابه الإتيان بجديد والابتعاد عمّا عرضت له بعض المصادر التي اتخذت الحبَّ موضوعًا، من أمثلة وأخبار وشواهد وأشعار ووقائع تحكي ماهية الحب وأحوال المحبين. وقد اتكأ في كتابه على ما اختبر من تجارب، وما سمع من أخبار، وما عايَنَ بنفسه من أحوال أصدقائه وبعض أعلام عصره، لاستبطان أصول الحب وأعراضه وصفاته وما يدخله من آفات.
ولابن حزم تفسير لطيف في ابتعاده عن أخبار الحب عند أهلِ زمانٍ من غير زمانه وبلادٍ من غير بلاده؛ تظهر فيه معالم منهجه في تأليف الكتاب، وطريقته في ابتداع التآليف بمجافاة تقليد طرائق الآخرين، والابتعاد عن تكرار أخبار العشاق والمحبين مما حفلت به المصادر الشرقية السابقة عليه، فهو يشعر أن الأندلسيين لا تستقيم طرقهم في الهوى وطرق الأعراب في جزيرة العرب، وهو يدرك اختلاف المجتمعات والأذواق باختلاف المكان والزمان. وفي ذلك يفسر طريقته في إجابة طلب صديقه بتأليف رسالةٍ في الحب، قائلًا في خاتمة صدر رسالة “طوق الحمامة”:
“… والذي كلَّفْتَــنــي فلا بدَّ فيه من ذِكر ما شاهدَتْهُ حضرتي، وأدركَتْهُ عنايتي، وحدَّثَني به الثقاتُ من أهلِ زماني… والتزمتُ في كتابي هذا الوقوف عند حدّك، والاقتصار على ما رأيتُ أو صحَّ عندي بنقل الثقات، ودعني من أخبار الأعراب المتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي (أركب) مطيَّة سواي، ولا أتحلى بحليٍ مستعار، والله المستغفَر والمستعان، لا ربَّ غيره”.
وعلى الرغم من هذا الرأي الحادّ الذي يُقصي فيه ابنُ حزمٍ تجربةً إنسانية كالحب ويفصلها من المجتمع الأندلسي عن الحب في المجتمع الشرقي، فإن قيمة كتابه لا تقف عند العصر الذي كُتب فيه ولا عند المجتمع الذي يصوّره؛ ذلك أن أخبار الحب وحكايات المحبين التي تحتفل بها صفحات “طوق الحمامة”، ما زالت إلى يوم الناس هذا تمتِّع القارئ العام، والباحث المدقق، وما زالت – كما أشرنا آنفًا- مصدرًا لا يمكن استبعاده لعصرٍ كثير الاضطراب من عصور تاريخ الوجود الإسلامي في الأندلس.

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This