بلاغةُ القَلِق: حوار مع المؤلّف الموسيقي مارسيل خليفة

مقدمة

عندما نتحدّث عن “الأغنية” العربية، أو الموسيقى العربية عمومًا، فلا يكون الحديث بعد مارسيل خليفة كما كان قبله؛ هي مسيرة أربعين عامًا من الإنتاج المُثابر، الغنيّ والمتنوع، الذي قد نحبه وقد نختلف فيه أو عليه، لكن، ما من أحدٍ يُمكن أن يتغافل عن هذا الحضور الذي يضجّ بصمته، ويصرخ بأناقته، ويُقاوم بحنانه.

من “الالتزام” بالحالة الجماعيّة إلى الرّهان على الذات، هي مسيرة مارسيل. وربما هي مسيرة جيلٍ بأكمله، أرهقته السياسة، وأثقلته الحروب، وخذلته المقولات الكُبرى والشعارات الرنّانة. فمن “الأغنية” المعفّرة بغبار الحرب، إلى تأليف الموسيقى الآليّة الصّامتة الأنيقة، ومن الصوت الواحد ونقرة العودِ يُخاطبُ الجموع والقضايا “الكبرى”، إلى جموع الكورال والأوركسترا يهمسُ بها في أذن الإنسان وفردانيّته؛ ومن “صوتٍ” يُخاطب جماعةً تعيش بصيغة المُفرد، إلى صوتٍ مُغترب يُخاطب الإنسان الفَرْدَ الذي يحيا بصيغة المُتعدّد.

في زمن “الما بعد”؛ مابعد الحداثة، وما بعد الكولونياليّة، “يتورّط” مشروع مارسيل الموسيقي، كغيره من المشاريع الفنية الأخرى، كلٌّ على طريقته، بالأسئلة الهامة التي يطرحها علينا هذا العصر: أسئلة التفاوض والهجانة والأصالة والبَيْنيّة وهجرة المفاهيم واستنبات الموروث وإعادة تموضُع الهُويّات في “حيّزها الثالث”، ربما، بحثًا عن “أصالةٍ” ما في بريّة الوجدان الإنسانيّ قبل كلِّ أصالةٍ هي بالضّرورة هجينة.

يقول دَسْتَيِفْسْكي: “من السّهل أن تُحبّ البشريّة، لكن من الصّعب أن تحبّ إنسانًا بعينه”. ويقول مارسيل: “عمرُ “الالتزام الفني” قصيرٌ، لأنه يتوخّى من السياسة أكثر ممّا يتوخّى من الإنسان، ويستهدف المجموعَ المُبهمَ أكثر ممّا يستهدف الفردَ المتعيّن”.

سوف أكتب عن نصوص مارسيل الموسيقية وعن مشروعه المتنوّع لاحقًا. ولكي أترك المَتْنَ هنا له، فلا أزاحمه، سأكتفي بإفشاء سرٍّ واحد من كواليس هذا الحوار: مارسيل قلقَ من الحوار، وأنا أكثر منه. فمن جهته، يسألني: “هل تخشى، مثلي، أن يشي هذا الحوار ببَوْحٍ…؟”، ومن جهتي، أتساءل: كيف يحاور الشخصُ قطعةً من وجدانه؟ كيف يحاور الموسيقيُّ الموسيقيَّ بلغةٍ غير الموسيقى؟ كيف يكون عفويًا صادقًا دون أن يسقط؟

أردته حوارًا موسيقيًّا علميًّا موضوعيًّا، يرتدي نظارة سميكة، يُعنى بالنصّ لا بالشخص. فهزمني النصُّ، وهزمني الشّخص.

“أكثر ما كان يعنينا هو إنسانية الحوار، لا استحضار المهارة”، هكذا أراده مارسيل المُتعب من الأسئلة والأجوبة الجاهزة؛ أراده “عودةً إلى الدّيار”، لا غربة جديدة.

أرسلت إلى مارسيل مجموعة من الأسئلة الأوّلية، وهو العالق في “جزيرته النائية” منذ بدء الجائحة. وعادت إليّ الإجابات، عادت “مُستشهدة” – مُستشهدةً بذاتها المعتّقة، خالعةً ثياب الأسئلةِ كلّها، متحرّرة من كلّ قيد؛ عارية مزمّلة، مشتّتة متماسكة، ثابتة متحوّلة، تارةً تحسبها شيخًا لم يُغادر بيته يومًا، وتارةً تجدها تائهة مُغتربةً ناقصةً كمن لا وطن له غير المنافي؛ إجاباتٌ، لا تتناسج الأفكار فيها إلا بخيوط الوجدان والذاكرة، ولا تتشابك إلا بأشعة العفويّة والطفولة والوفاء، ولا تتحابك إلا بكثيرٍ من الخيباتِ، وأكثر منها الآمالُ، وعدم الاستسلام…

في هذا الحوار، لم أجد فرقًا بين مارسيل المتكلّم ومارسيل الموسيقيّ، فتأكّدت أن الصّدقَ سيّدُ الحضور.

*

  1. أكثر ما يثير فضولي في قراءتي لسير للمؤلفين الموسيقيين هو، أين تتلمذ هذا المؤلف أو ذاك؟ ففي محطة التّتلمذ هذه، تتبلور الكثير من ملامحنا الأولى التي تبقى معنا. فريد غصن هو أستاذك الأول في الموسيقى. ماذا بقي منه فيك؟
  • ووددت لو سألته قبل أن يعود إلى سمائه الأولى عن أشياء كثيرة لكنّه رَحل مسرعًا مع تلك الطيور العاصية إلى ذلك الأفق البعيد ليلامس نور الأقاصي. بعد غيابه لم أذهب إلى الدرس وحدي، كانت الأحلام في انتظاري. والحب – الحب ليس أقل من هذا درسًا للعالم. والحريّة – الحريّة وطن الطائر.

فريد غصن – أستاذي. حثني على المتابعة والاجتهاد وقدم لي المخطوطات الأولى التي أفادتني، ووجه لي الكثير من الإرشادات والملاحظات لإكمال المشوار.

هو أول من كشف لي قدرتي في العزف ومن ثم في التأليف. نبهني إليهما بعد أن كنت أسمّع له الدرس تلو الدرس. وشجعني على الاستمرار، وأرشدني إلى الأعمال المهمة التي عليّ أن أستنير بها. أتذكر دروسه، كيف أثارت ذهني وحفّزت الرغبةَ فيَّ لأبني شخصيتي الفنيّة على أسس متينة، ولم تستطع كل السنوات الطويلة أن تزيله من نفسي.

عندما تخرجت من المعهد الموسيقي، في حفلة الدبلوم، لم يكن حاضرًا، كان المرض قد أقعده. وفي صمت كبير قال الوتر ما وراء الريشة والأصابع. قال بوحًا شجيًّا. لا براعة. لا تعقيد. لا تصويرات صعبة. لا شيء من كل هذا. ضربات سهلة وصمت. نقرات أكثر من عادية. كان العزف انعدام الواسطة بين الإحساس والنغم. لا ريشة لا أصابع لا وتر لا عود. كان عزف على النغم مباشرة.

كانت تحية من القلب لمن جعل لي من العود رمزًا لما هو حميم وأصيل وهادف.

  1. ما هو التأليف الموسيقي بالنسبة لك؟ متى تكتب الموسيقى؟
  • التأليف الموسيقي، أو الكتابة الموسيقيّة، كالمياه تصنع مجراها وتتدفق ولا شيء يمنعها.

أدَع النصَّ الموسيقيّ يخرج مني عفويًّا ولا أرهقه بالقواعد والأصول فأخسره.

أكتب بلا تردّد كي ينبلج الشروق المسيّج بالضوء.

أكتب ولا أقسّم بين الزُهّاد والعاشقين، وأرفع قيْدي عن ريشةٍ ليس لي عليها سلطان.

لست ناقدًا أو باحثًا أو عالم موسيقى، أنا أؤلّف الموسيقى ولا أكون على الكتابة رقيبًا. وأُعِدُّ لها من الأفق المزيّن ما استطعت، وأنظر لتجيبَ لهفةٌ فيَّ، تعلو وتيْنعُ حين أسقيها، وحين أهجُرها تخيب.

أكتب حين أترك خطًّا من كينونة تسمو فوق المتشابه والمألوف. وكلما عزفت على عُودي، سكن الحنين إلى المزوِّد فيَّ.

أكتب عن فكرة تخبو أو طفلة تحبو.

أكتب بلا سأمٍ ولا أهتم إن خسرت الكثير، وربحت ذلك التمرين الصّامت على ورق النوتة بحبر سريّ.

أكتب لأن في الكتابة عقارُ روحٍ أصابها السّقم، وبلسم جرحٍ يهتاج من الألم.

أكتب ما أسمعه وما لا أسمعه، ليرتفع الغموض عن الأشياء.

أكتب ما يحلو لي في ومضة زمان عَجُولٍ لا ينتظر.

للشّغف موعدٌ لا أخطئه فيما اتّفق من موسيقى: إلى أمهات أوقدت لي شموع الطريق.

إلى حب أكثر يرث من التسامح ما يفيض. إلى عُصفور يُمعن في الهديل ويهدهدني. إلى سؤالٍ مجهولٍ في صوت ديك الفجر. إلى أصدقاء وزملاء أحببتهم، أعدهم بطول الرّفقة، وفي “مُوسيقْتي” قوّتي الشّحيحة، أدّخرها للياليهم البهيجة. ثم نَهيمُ في فلاة الدنيا بلا بوصلة.

أكتب الموسيقى حين أعجز عن الكلام والشعر والقصيدة.

  1. كنت شاهدًا على كثير من المنعطفات الصعبة في حياتك، آخرها الجائحة التي نعيشها. بعد كل ما مرّ به لبنان، ثم “العالم العربي”، وربما الكون بأكمله، ماذا تبقّى من مارسيل الذي بدأ مشواره “يُغني للفرح”؟
  • لم يتغيّر شيء، لا قبل الجائحة ولا بعدها؛ كنت دائمًا في عزلة تامةٍ مع الكتابة والنّوتة.

أكتب لأبرأ من وحشة الصمت ومن الفراغ الأسوأ. ورغم الموت الساطع، أكتب ما أستطيع من آيات الجمال في المرأة والوردة والقصيدة، وما في الخيال من مخزون وذاكرة لا تنفذ.

  1. وما الذي يُحرّكك في هذه “العُزلة”؟
  • إن المعجزة الوحيدة التي نستطيع تحقيقها هي أن نستمر في العيش. نحافظ على هشاشة الحياة من يوم لآخر، يقول جوزيه ساراماغو.

لقد منحتني الحياة أكثر ما كنت أحلم به. وأنا أحب الأشياء التي وهبتني إياها الحياة، تأتي دائمًا من تلقاء ذاتها، وبمنتهى الجمال، ممّا يجعلني أومن بالمعجزات، كما لو أن الأعاجيب والمعجزات ممكنة التحقّق في هذا العالم.

وهذا هو اللقاء المكتمل الذي يحرّك مشاعري.

  1. تنعزل كي تؤلف الموسيقى، وتؤلّف كي لا تنعزل؛ كي تكون، وكي تستمر – كي تعِدَ العالمَ بالفرح… (؟)
  • إن روحي وحياتي قد تكوّنتا من سلسلة الإضاءات والخسوفات التي تؤدي أدوارها دون توقّف في داخلي. ولهذا تجدني أترجم ذلك بالموسيقى على قدر الإمكان والكفاءة.

الجمال الذي خيّل لنا أننا فقدناه من عالمنا، يقيم هنا في بيوتنا في انتظاراتنا في أولادنا في أحفادنا. قلق ساحرٌ جادٌّ وماكرٌ.

أكتب اليوم أكثر، لأحرّض الناس على التوهّج وبلوغ النّشوة مع هذا الكائن المنعزل الذي يمضي وحيدًا.

في بداية مشواري قلت سأغني للفرح، من قصيدة درويش، بصوت غارق في البراءة. أما الوعدُ بهذا الفرح، فيتملّكني الشّعورُ بأنه قادم لا محالة، وإن عاصفة الحبّ ستُبقي ما وعَدَتْ به.

  1. قبل أن تتعلم الموسيقى، كيف كانت علاقتك بالمدرسة؟
  • وجدت دروسي رتيبة في المدرسة، وأصغر من شغف الصغير. لكن الملعب رحبٌ للخروج من قيد الفصل. وبين البيت والمدرسة متسّع للخروج على مألوفٍ يوميٍّ، ومسالك قدمين تعبثان بما في الطريق من آثار أقدام.

وعندما كنت أعود في المساء وأبدأ بحماقاتي الصغيرة، وكانت جدتي تحميني من صرامة التربية، وتبحث لي على قرينة البراءة من جرمي الصغير، وحين تختلي بي في الغرفة المحايدة، تستحلفني على الكتاب المقدَّس ألا أعيدها ثانيةً، فأحلف صادقًا، ثمّ أنسى القسم، وبعد حين يركبني جنون الشغب من جديد.

  1. بصمةٌ تركتها الطفولةُ. بقعة ذكرى تتلذّذ بنسيانها على دفتر النوتة الأول!
  • عندما كنت طالبًا في المعهد الموسيقي، تلذّذتُ بشغفي الطفولي للتنافس في صف الإملاء الموسيقي. مَن يسابقني مِن أقراني لأسبقه! من يباريني في كتابة التّوافق اللحني لأغلبه! من يجاريني في إطلاق النّوتات لأسمعه!

وكبرت في الصف ولا بُرءَ لي من المُزاحمة. فحين كان يبارزني شقيٌّ في الصف، أو يراهنني على أنه أشطر مني، يداخلني النصّ الموسيقي، فأغنّيه.

كم كان ذلك الزمن جميلًا.

الطفولة تنأى عنّا بعيدًا وترحل، عبثًا نعيدها فلن تعود. عبثًا نريدها. عبثًا نظن بأنها مِطواعة، لكنها ترحل وتترك على باب ذكراك جملة قصيرة: من هنا، من الدرس الأول مرّت يومًا.

  1. الطّفولةُ في اللّغة هي أنثى. فكيف هي في لغة مارسيل؟
  • لم أعرف طريقي إلى غدي من دون امرأة ترشدني، فقد تعلمت، منذ صغري، أن أصدق جدتي وأمي وكثيراتٍ غيرهنّ ممّن أحببتهنّ حتى التّعب، كما تقول القصيدة.
  1. والآن؟
  • ما مضى قد مضىى؛ براءة سَفَر الحنين إلى أول الدهشة.

وما مضى قد مضى، وأنا اليوم في حضرة الآن، أرنو إلى أفق. وحدها الموسيقى تحرّرني وتأخذني، وأنا أهذي في الطريق.

  1. خارج المعاجم الجافّة. في قاموسك الشخصيّ: ما هي الموسيقى؟
  • الموسيقى عملية مواجهة. والموسيقيُّ الشجاع ينتصر على حالِهِ، ولا بدّ أن يجدَ لغتَه الجديدةَ في كلّ زمن. الموسيقى محاولة لتغيير الإنسان، وتغيير الكون.
  1. أحبّ الناس أغانيك، وتأسّست جماهيريّتك على “الأغنية”. في مرحلةٍ لاحقة، بُعيْد الحرب الأهليّة اللبنانية، زاد ميلُك إلى تأليف الموسيقى “الصّامتة” (موسيقى صرف، دون الكلمة). هل بهذا فقدت بعضًا من “جمهور الأغنية”؟ هل كسبتَ جمهورًا جديدًا؟
  • يجب أن تصل الموسيقى إلى كُثُرْ وليس إلى قلّة. وحين يتخلّف أحد عن سماعي أذهب إليه وأعتذر. ربما كان الخطأ خطئي. ربما كانت لغتي عصيّةً على التواصل معه. لذلك أحاول أن أجدَ معادلة تستطيع أن تجد طريقًا إليه.

  1. هل تحشرُنا الموسيقى الصّرف في زاوية النّخبويّة بطبيعتها؟
  • أنا لا أفهم موسيقى تعيش في حجرة تخاف من الناس. الناس هم بداية الموسيقى والنهاية. هم البوصلة التي تحدّد لي الاتجاه.

الموسيقيّ الذي لا جمهور لموسيقاه يكون قد أضاع عنوان الجمهور.

الموسيقيّ الذي لا يستطيع أن يكتب مقطوعة يُمكنها أن تتواصل مع الجمهور لديه مشكلة.

  1. أولا تكون “المشكلة”، أحيانًا، في الذوق العام؟
  • أومن إيمانًا مطلقًا بالذوق العام، وهو الذي يستطيع أن يقيّم العمل الفني؛ يقبل عليه أو يهمله.
  1. “الذوق العام”… لكن، من يصنعه؟ من يصنع من، في نهاية المطاف؟
  • لا أحب تصنيف الفنان؛ فنان ثوريٌّ. فنانُ الغزل. فنان الفخر. فنانُ الحماسة…

وأرفض أن يحدّد لي الآخرون صفتي وهُويتي سلفًا؛ أن ينتظروا مني نتائج معينّة وأن يتفحصوني بنظراتهم.

إني لا أومن بشيء كإيماني بالحريّة، ولا أكره شيئًا ككراهيتي لكل ما من شأنه الحدّ من حريتي، ولو كان متأتّيًا عن طريق المحبة، بل حتى لو كان يجيء عن طريق الحب.

فما قيمة الفنان عندما يريده الناس كما هم يريدون، لا كما يريد هو أن يكون! وإلى أي مدى يستطيع أن يلبي الفنانُ رغبات الناس دون أن ينتقص ذلك من تجرّده الفكري وأصالة لغته وحريته. إلى أيّ حدٍّ هو مُلزمٌ بالتجاوب مع رغباتهم!

هل أنا ثائرٌ حقًا؟ نعم! ولكن هل يُمكن اختزالي في كوني ثائر؟ لا. فأنا لست هذا فقط. فكما أثور كذلك أهدأ. وكما أكره كذلك أحب. وكما أصرخ كالمجنون في أعمالي، كذلك أهمس كالطّيف أو أختنق كالغريق.

إنها معركة بيني وبين أصالتي وامتحان لشجاعتي الروحيّة.

أنا هائم بحريتي هيام المأخوذ، لا أتملّق الجمهور، ولا أستجدي التّصفيق؛ لست ضعيفًا أمام محبتهم لي.

أفضّل حريتي على إعجاب الناس، وأنا حريتي التي لا بديل منها ولا مفر.

أعيش أرقًا دائمًا، ولا ألين للمساومة.

  1. أنت، إذن، لا ترى إلى الفن خارج وجوده الاجتماعي.
  • الفنُّ جسرٌ من الجَمال يصلنا بالآخرين، والفنان مطلوبٌ منه أن يفتح قلبَه للناس ويقيمَ جسورًا من الضّوء والحرير بينه وبينهم.
  1. أحيانًا، لا يكون إحساس الناس مدرّبًا بما فيه الكفاية، أو معتادًا، على تلقّى أنواعٍ من الموسيقى، ربما هي أكثر تعقيدًا من غيرها…!
  • إحساس الجمهور هو إحساس فطريّ يشبه إحساس العصافير بقدوم الشتاء، دون أن يكون لهذه العصافير أي معلومات عن قانون الأحوال الجويّة.
  1. تكتب الموسيقى “من بطنك”، إذن، كما يُقال؟
  • إنني لا أعرف تمامًا كيف أكتب الموسيقى، مثلما لا تعرف السّمكة كيف تسبح. ولا العصفور كيف يطير، ولا الطفل كيف يبدأ بالحبو.

الموسيقى برق يجمع في دواخلنا مشاعلَ مضيئةً، تكوينا من الداخل. زلزال يضربنا حين لا نكون في انتظاره. عمليّة تلقائيّة. نوع من الانبثاق الداخلي ينبع من داخلنا كما تنبجس الينابيع من جوف الصحراء.

الزيف والغش الفني أرفضه نهائيًّا. وإذا كنت أملك هذا الرصيد الشعبي، فسببه أنني لم أغش في ورق اللّعب.

أمشي عاريًا تحت الشمس.

باقٍ في وجدان الناس ولا يعنيني أن أبقى في ذاكرة ناقد. أتوجه إلى المنبع إلى الناس.

لا أريد جائزة. إذا استطعت أن أصلّ إلى سماع وجدان الناس أكون قد نجحت.

تعبت لأخترع لغتي خلال ٤٠ سنة، وتعبت لتكوين حالة تُعرِّف بي وأُعرَّف بها.

الخصوصية أن تصنع لغتك. الموسيقى بصمات. والعالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة.

  1. متى يكون النقد الموسيقي فعلًا إبداعيًّا “موازيًا” للتأليف الموسيقي؟
  • أومن بالناقد الموسيقي الذي يحاول أن يعيش الموسيقى، أن يتعاطف مع وجدانيتها. لا الذي ينظر إليها بينما يضعها على مائدة التشريح ويقطّع أوصالها.

الناقد الحقيقي هو الذي يستطيع أن يتقمّص الموسيقي، أو أن يكون موسيقيًا آخر.

النقد أن يوجّه أن يعلّم.

لا أظلم النقد، ولكن حركة الإبداع سابقة كثيرًا النقد.

  1. ماذا تكتب الآن؟ ماذا تقرأ؟
  • أعمل الآن على جدارية درويش لأكتب لها موسيقى مرادفة.

وفي نفس الوقت أعود وأقرأ معلّقات امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد والأعشى والحارث بن حلّزة اليَشكُريّ ولبيد بن ربيعة العامري وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني وعبيد الأبرص وطرفة بن العبد…

  1. كيف ترى إلى سؤال الغياب، سؤال الموت في الموسيقى؟
  • سؤالان مؤجلان في أذهاننا: سؤال الحياة وسؤال الموت. لا يحضر الموت في الأعمال الموسيقيّة عندنا إلاّ لمامًا. حضر دينيًّا.

ماذا تقول الموسيقى القصيدة؟ هناك جدارية محمود درويش ومجمل قصائد وديع سعادة.

أتحرّر الآن من نص الجداريّة وأكتب موسيقى موازية للنص تعبّر عن سؤال الموت. وربما الموسيقى ستحرّر تعبير الكلمة؛ الكلمة تُحنِّط المعنى ضمن دائرة دلاليّة. المعنى يتحرّك داخل قفص العبارة. الموسيقى تحرّر العبارة وتحرّر المعنى من قيد الكلام. الموسيقى، أحاول أن تكون علاقتها بالشعر علاقة استيحاء: بمعنى أن أستوحي النصَّ الموسيقيّ من العالم الرؤيوي لجدارية درويش. هناك مقاطع شعرية بصوت الشاعر ستدخل مع الموسيقى في الحركات الأربع لسمفونية الغياب.

صرخة الولادة تأخذنا إلى شهقة الموت.

وربما الموسيقى تهزم الموت. وكما جاء في الكتاب: أيها الموت لقد هزمتك الفنونُ جميعها.

سؤال الموت هو سؤال الحياة. الموت يشغل الأحياء، ونتمنى أن يمهلنا لنقول ما سنقول.

الحياة مرّة واحدة. نعيشها بكاملها ولا نتساهل بها ونرجئها. يجب أن نعيشها كما ينبغي.

  1. جداريّة درويش. الفلسطيني. الكونيّ. المعاصر… لماذا المعلّقات تحديدًا؟ لماذا “الجاهليّة”؟
  • في المرّة الأولى، قرأت المعلقات عندما كانت فرضًا مدرسيًا. اليوم أقرأها بتمعّن. وفي الحقيقة، أجد أن من لا يقرأ شعر الجاهلية، يقبع في الجاهلية.

ولو لمرّةٍ واحدة في العمر، أن تقرأ الذين استوطنوا الماضي وأنطقوا الصمتَ في بيداء الكلام. حرب أن تنعم بالسلام يومًا تورد فيه الإبل، وترقب فيه خوف الظباء من جفاف الينابيع، وحرب أن تمرّ بالتفاصيل كما تحصي يوميات أمسِكَ. جرّب أن ترخي للمعلقات جدائل شهوتك كي يتسلقها الصعاليك إليك، فتصحبهم قليلًا، أو تجادلهم في المعنى. خُذْ البعيد إلى الأدنى كي تكون جديرًا بنفسك، وتقول للذين خذلوك: ما كان لكم ما قلتم، وما علمتم.

الليل كلّه إن أحسنته، والصبح فائض وقتٍ ضائع بين رقدتيْن خاملتين، مثل شجرتين هائمتين في قصيدة الأبديّة. وأنت بين فطاحل الجاهلية أصغر ممّا تسمعه الأذن، وأكبر ممّا تألفه القابليّة.

  1. تقر أ المعلّقات، أم إنك تُمَوْسِقها؟
  • أحاول جاهدًا أن أمَوْسِقَ هذه الموسوعة، ربما تكون نقطة تحول جريئة في عالم الموسيقى العربية.

عشقت الشعر كالمجنون وبين أصابعي تنكسر الألحان وأنا أنتصر على المجهول فيه حين أخلو إلى بيتين. وأختصر ما أطال الزمان من الواقعات في جملة لحنية.

سرٌّ ما منعني من أن أكون شاعرًا وأنا أموسق القصائد، منذ كنت طالبًا على مقاعد الدراسة. كنت آخذ من ديوان المعرّي أو البحتري. آخذ من الماضي قديمه، كي أُشهده على وهج الصَبا. آخذ زاد يومي وأبحث لنفسي عن وسيلة أخرى لأفضّ بريد الماضي بهدوء وأعيد تأويل البدايات. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أتعلَّم من الشعر وأحسّ بيد من البعيد تلوّح، وأسرار يبددها الأبد.

  1. لو عدنا بالزمن إلى الوراء، كيف تُكتب طفولتُك؟ أين هي في نصوصك ومدوناتك؟
  • الطفولة لا تكتب مرة واحدة، إنها تخترق نصوصي الموسيقيّة. تستعيد عالمًا مفقودًا. حتى لو كانت الطفولة بعيدة دائمًا، والتذكّر يقربها ويجمّلها، أو نلبسها الجماليات التي ربما لم تكن موجودةً فيها. كأن نتذكر البيت الصغير، ومسافة البعد تجمّل الماضي على نحوٍ تجعله وكأنه هو هدف الأحلام التي نخترعها لنتغلب على وطأة الراهن الثقيل.

في بيتنا الصغير، البيت الإنساني الضيّق – الواسع في آنٍ معًا، كتبت أولى أعمالي وأسمعتها لأمي وأبي وجدي وجدتي.

الورقة البيضاء المسطرة بالمدرج الموسيقي وقلم الرصاص والممحاة كتبت عليها النوتات المليئة بأصوات من سكن وزار هذا البيت وما سمعته وما شاهدته، كان حيزًا صغيرًا لأمرر من خلاله ذاكرتي ومجازي والاستعارات والرمزيات كلها، متقاطعة وقادمة من نتاج مكتوب سلفًا هناك.

لا أبدأ من بداية، بل أواصل بدايات كتبتها هناك.

  1. واليوم؟
  • أبحث اليوم عن موطئ قدم في زحام العالم والتاريخ. أصعبُ شيءٍ اليومَ، هو كيف تحقق نفسك على نحوٍ خاص وسط هذا الزحام.

عندما كنت صغيرًا، كنت أجرؤ أن أكتب ولم يكن عندي معرفة بكل ما أقوله بالصوت والإيقاع. طفولتي الموسيقيّة لم يكن لها قصدية معرفية تسبقها، وكطفل صغير، كنت أحب الموسيقى، وكان جدي وأبي يحبّان الموسيقى. كنت أسمعهما وأحلم أن أشاركهما، وبدأت أقلّد ما أسمعه وأكتب على منواله. شجعتني أمي بدورها كذلك، ولم أكن أعرف بعد أنني سأصل إلى حد الحرفة. كنت أعتقد أن الموسيقى ستبقى هواية. لا يمكن لأحد أن يقرّر سلفًا بأنه سيكون موسيقيًا، وحتى الآن ورغم هذه الطريق الطويلة، ما زلت أنوس بين الهواية والحرفة؛ بقيت هاويًا ومحترفًا في أنٍ معًا.

  1. محترفًا وهاويًا، يعني… (؟)
  • أن تكون محترفًا، يعني أن تأخذ العملية بجديتها ومسؤوليتها الكاملتين. وأن تكون هاويًا يعني ألا تصبح موظفًا موسيقيًّا. وبهذا التأرجح، بين المهنة والهواية، تحقق شيئًا ما.
  1. ألا يأتي الاحتراف على حساب الهواية؛ على حساب مجمل هواياتنا؟
  • كوني متورّط في الموسيقى جعلني أضحّي بالنثر. النثر، أو الكتابة الأدبية، تأخذ مني الموسيقى، وما لا تقوله الموسيقى أقوله في النثر.
  1. الاحتراف… كيف يُقيم علاقته مع الوقت؟
  • أنتبه اليوم إلى الوقت أكثر من أيّ زمنٍ مضى؛ كلّ يومٍ يمرّ ولا أعمل فيه، أشعر بإحباط شديد.

وفي بُعدٍ آخر لهذه العلاقة، علمني العمرُ أن احتسب الوقت بدقة بحثًا عن الموسيقى الصافية. الموسيقى المتحررة من عبء تاريخها. من عبء الواقع. فبتّ أسعى للبحث عن الجوهر والعمق. علينا أن نحاول التصديق بأنهما موجودان، بحثًا عن الموسيقى المستحيلة.

  1. هل تستطيع أن تقول إذًا، إنك حقّقت مبتغاك، موسيقيًّا، أم إنه مسار بحثٍ لا ينتهي؟
  • لم أكتب بعد الموسيقى التي أحلم بكتابتها. أسمعها في الحلم. وعندما أصحو، تضج بها أذنيّ بصمت صارخ إلى ما لا نهاية… أليس في الموسيقى عبثٌ لا ينتهي! فهل أصدق نغمي المصنوع من عصا المايسترو؟

أعود إلى رندحات جدّي الذي علمني ركوب البحر في عزّ الشتاء، وأكتب.

  1. عالمك الصّوتيّ الأول، مما تشكّل؟
  • من مصادر السّماع الأولى كان صوت (النَوَرْ) الغجر ينصبون خيامهم على الجسر العتيق في ” خراج ” الضيعة “. وفي أيّام الأعياد الكبيرة، كانوا يؤلفون فرقة فنّية صغيرة، قَوامها البزق والطبلة، إلى جانب الرقص الغجريّ الساحر. يدورون من بيت إلى بيت، ومن ضيعة إلى ضيعة. يغنون. يرقصون للناس داخل البيوت دقائق معقولة، مقابل قروش قليلة يحصلون عليها. وكلما مَرُّوا من أمام بيتنا، كان والدي يدعوهم لمشاركته “كاس العرق”، وكان مذاق العرق يخاطب بالروح والعينين المازات المنتشرة على الطاولة. كانت الأطباق الآتية، من كل حدب وصوب في حيّنا، تثير فينا الشهيّة، بينما يُصدر والدي الأحكام ببلاغة: “ملح زائد”. “زيت قليل”. “ناقص حامض”… وتدور الحفلةُ… وآه ما أحلا ذاك النغم البدويّ الساحر، وتلك الرقصات الأنثوية العارمة.

كنّا ننتظرهم من عيد إلى عيد لنحفظ أغانيهم عن ظهر قلب. ثم نعود لنتابع الحفلة مع والدي المنتشي؛ “أطربق على سكنبلة خسعة” حينًا، وعلى طنجرة كبيرة أحيانًا. نغنّي أغانيهم، وتطييبات والدي تعلو على أصواتنا.

أحيانًا، كنت أذهب مع رفاقي إلى خيامهم، تحت الجسر، حيث يبدأ سعيد النّوري بالعزف على البزق بمرافقة أزيز الجيز وذبذبة الذُّبَاب وعواء الكلاب. وتلك الراقصة النورية الساحرة تخطف أبصارنا، عازف البزق يدندن لها فتبدو كأنها ستقع بين يديه.

أغاني بدوية ذات حنين جارف بمرافقة طبلة صغيرة، نردّدها مع بزق سعيد النوري.

ما زلت إلى اليوم، أسمع صدى تلك الأغاني والإيقاعات، وذلك الصدى الجميل الذي عجز الزمنُ الطويل عن إسكاته.

  1. أيّ ذكرياتٍ صوتيّة تحتلّ ذاكرتك، من تلك الفترة، إلى جانب ذكرى الغجر؟
  • لن أنسى أولاد الحيّ؛ ننزل في عزّ الشمس، نمشي ونقضي ساعاتٍ طويلةً في اختراع القصص والأوهام و”قناية الميّ”، وقد كانت المدى الذي نرسم حوله الكثير من أحلامنا. نمارس عشقنا وفرحنا ولعبنا. نجلس على ضفافها كل يوم في مكان وننتقل مثل العصافير نغنّي على إيقاع التَنَكْ وعلب الحليب الفارغة إيقاعات ملونّة. كل علبة لها طنين وكل تنكة لها رنين.

كنت أقوم بدور المايسترو. لم يتقيّد أحدٌ باشاراتي؛ كل واحد كان يغني على ليلاه.

الحنين إلى قريتي عَمْشيت لازمني كل فترات خروجي منها. وكنت في أعمالي وكتاباتي أسترجع ذكرى أسعد أيّام حياتي، وهي الأعوام الأولى. فمؤلفاتي كانت عبارة عن أغاني وموسيقى انتصار وهزيمة، فخر ويأس، تتردّدت فيها أنغام ما حملته معي من أصوات البحَّارة والفلاحين وجوقات كنائس البلدة.

  1. الكنائس المجاورة… مدرستك في عَمْشيت، مدرسة الفرير. أيّ ذكرياتٍ صوتيّة بقيت منها؟
  • يُعيدني السؤال إلى الجوقة وآلة الأرمونيوم في مدرسة الفرير…

للمرة الأولى في هذه المدرسة التابعة للإخوة المريميين (إرسالية فرنسية)، بدأت أنشد مع الجوقة التراتيل الكنسيّة، يرافقنا على الأرمونيوم فرير فرناند، السويسراني الأصل، واضعًا أمامه المخطوطات الموسيقيّة.

ومع الأيام، تقدمت كثيرًا في تلك الجوقة، وأصبحت المنشد الأول فيها. وكنت أَجِد في الترانيم المكونة من أربعة أصوات متعةً حقيقية. كانت جميلة تلك اللحظات المؤثرة، والتي تركت فيّ أثرًا لم يُمحَ.

أما في كنيسة الضيعة، فكنت أتمتّع بأصوات البحَّارة والصيادين، بتراتيل شعبية على مقامات شرقية ملؤها البحر والشمس.

ومنذ البداية كنت أتنقل بين قداس بأربع أصوات، وبين تراتيل مونودية على مقامات الراست والبيات والسيكاه وراحة الأرواح.

  1. اكتسبت لغتين موسيقيّتين في آنٍ معًا. أهذا لأن عَمشيت، الضيعة الواحدة، قد تعدّدت كنائسها؟
  • بالضيعة كنائس كثيرة، وهي كنائس مارونية. والتراتيل في هذه الكنائس تعتمد المقامات مثل البيات والراست والسيكاه وما شابه، والكنائس المارونية في الأصل طقوسها شرقية. لكن، وفي أعقاب صراع تاريخي، انضمت إلى سلطة البابا في روما، هم كاثوليك إذن، ولكن طابع القداس والتراتيل ظلّ شرقيًّا. أما كنيسة الفرير، وهي كنيسة تابعة لارسالية فرنسية، فالتراتيل فيها تعتمد على أربع أصوات، وعادة ما تكون التراتيل باللغة اللاتينية والفرنسية.
  1. وحين كنت تتقصّد سماع الموسيقى. ماذا كنت تسمع؟ أيّها أمتعك؟
  • استمتعت بأعمال الأخوين رحباني وفيروز، وقد غنوا للجميع؛ التزموا بالإنسان، وعبرّوا ببساطة وكِبر عن مشاعره. غنوا للطفولة وتكلموا عن الحب، وغنت فيروز وارتعشنا ونحن نستمع. يرنو الرحابنة إلى عقارب الساعة، وتصرخ لها فيروز بأن تتوقف. نستيقظ غدوية مع الصيادين وأغاني البحَّارة والشغيلة، ويستفيق الماضي في الأغاني حنينًا على جناح الأوف والعتابا وأبو الزلف. الحنين إلى الضيعة والساحات. الحنين إلى بيروت. وتلمع العيون بالأمل بالإيمان الساطع. أما الوطن فتعلّق رهيب بكل حبّة تراب. أغنيات العودة وفلسطين، وقد ملأت قلوبنا حماسة.

استمعت، بالاضافة إلى أعمال الأخوين رحباني وفيروز، إلى موسيقى توفيق الباشا وزكي ناصيف ووليد غلميّة وبوغوص جلاليان وتوفيق سكّر وعبد الغني شعبان. وبألحان نقولا المنّي وسامي الصيداوي وفيلمون وهبة وعفيف رضوان وغيرهم.

وكان للفونوغراف الجديد، الذي أهداني إياه خالي في تلك الحقبة، أثرًا مهمًّا على تطوّر متابعاتي الموسيقيّة من خلال اسطوانات عديدة حصلت عليها، ومنها ألبوم كامل السمفونيات التسع لبيتهوفن، بأداء الأوركسترا الفيلهارمونية البرلينية، وبقيادة هربرت فون كارايان.

كنت بوعي الصبي الذي كنته، وعي يحس بالموسيقى وينخطف بكل جملة.

ثم توسعت مكتبتي لتطال كثير من موسيقات العالم. وبحثت عن سيّد درويش وأعماله المسرحية الغنائية: فيروز شاه. شهرزاد. البرّوكة والعشرة الطيبة. وأدواره وأناشيده وطقاطيقه. وكذلك محمد القصبجي وأعماله الرائدة. وعمر الزعني، الصوت البيروتي الهامس المجلجل. ومثلما كان سيّد درويش يبحث عن إيقاعات تلائم روح الشعب المصري في اليقظة والثورة. كان عمر الزعني يفعل، كما فعل بيرم التونسي، فيُعرّي الكلمات إلاّ من إيقاعات المعنى المباشر، بهدف الوصول إلى أوسع اتصال ممكن مع الناس.

  1. أشخاصٌ كثر تركوا بصماتهم الراسخة في ذاكرتك، شخصيّتك، نشأتك. هل نبدأ برسم بعض البورتريهات لهم؟
  • لنبدأ من فريد غصن…
  1. من أستاذك الأول...
  • أغور عميقًا بذاكرة الطفولة، وأطل بلمح البصر على مقاعد دراستي على يد أستاذي فريد غصن. أسمعه يدندن على عوده ويهمس بمقام الزنجران، يتحسّس أجنحته الكثيرة، يبرأ بها من أقاليم أقلّ من أبجديّته. يجعل ثقته في الريح. يخرج من الماء العابث مثل شجرة تطلع من زخّة المطر مغسولة ومشبوقة. لا يتسع قلبي لنقرة عوده، لمطره الأخضر، لمقاماته تعانق الروح. كانت نبرته الصافية ترنّ في ذاكرتي عندما أحاول أن أحبو على سلالم عوده.
  • ما زلت أسمعه يقول لي: “لا تصدِّق الكلام. ضع ثقتك بأحلامك”. هكذا كان يبادرني عندما آتي إلى صفّه.

علاقة الانتماء التي تربطني بأستاذي فريد غصن، ليست إلا واحدة من العلاقات التي أعتز بها. ربما الحياة سوف تخلو من المعنى إذا خَلَتْ من هذا الانتماء، أو من هذه العاطفة، وافتقرت إلى الحب. لأنني أرى في الانتماء سلوكًا إنسانيًا بالدرجة الأولى.

أحب، في هذا الحوار، أن أعطي نبذة صغيرة عن فريد غصن، نزين فيها هذا اللقاء ولو أتى خارج نمط الأحاديث. فاسمح لي ولو على السريع أن أعرّف عن أستاذي.

“الياس نعمة الله غصن شلالا” هو الاسم الأصلي لفريد غصن. هاجر والده الى مصر وسنة ١٩١٢ ولد فريد في الإسكندرية، وقد تولّى تعليمه المبادئ الموسيقيّة أستاذ يونانيٌّ، وبدأت موهبته تبرز في أعمال صغيرة تلفت أنظار الكبار.

بدأ حياته الفنية عام ١٩٣٢ عازفًا على العود في فرقة الكمنجاتي سامي الشوّا وفي فرقة الشيخ أمين حسنين، ثم انتقل إلى فرقة منيرة المهديّة والتي صحبته معها في رحلات خارجية كان أبرزها في فرنسا، وتابع تحصيله الموسيقي هناك، فكان أول عربي ينضم إلى جمعية المؤلفين والملحنين.

يعود فريد غصن إلى مصر حيث شارك في وضع الأغاني لأفلام عديدة، إلى جانب أقطاب التلحين أمثال: محمد القصبجي. رياض السنباطي. الشيخ زكريا أحمد. وقد تميّز فريد غصن بكتابة الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام، وليس الأغاني فقط، وكان يعرف عنه بالملحن المجدِّد.

عمل بفرقة بديعة مصابني وكان ملحنًا لاستعراضاتها.

أسس سنة ١٩٤٦ أول جمعية منظمة لرعاية مصالح المؤلفين والملحنين وكان معه يومها محمد عبد الوهاب وبديع خيري ومحمد القصبجي.

رعى الكثير من الفنانين الوافدين إلى القاهرة مثل ألكسندرا بدران، والتي اختار لها يوسف وهبة اسم نور الهدى بعد فيلم جوهرة، ولحن فريد غصن لنور الهدى: يانا يا وعدي. ولحن للور دكاش: آمنت بالله. ولحن لصباح: إيه معنى الحب، ولبنان زانو من الربيع وشاح، وصباح الخير على لبنان.

ذات يوم سمع القصبجي آمال الأطرش (اسمهان)، وأعجب بصوتها، فتبرع داوود حسني بتعليمها العزف على العود، وزكريا أحمد تلقينها أصول الأداء الغنائي، ومحمد القصبجي المقامات وطريقة الانتقال فيما بينها. وتُرك أمر تحفيظ التراث وتثقيفها موسيقيًا لفريد غصن. وقد غنّت أسمهان من الحان فريد غصن أسمع البلبل، محتار قلبي ونار فؤادي ونور عينيّ.

فريد الأطرش تتلمذ على يد فريد غصن، وقد غنى فريد الأطرش من ألحان فريد غصن: يا بدعدع وَيَا قمري نوحك علامي. مونولوج وقعت أودع حبيبي كلمات أحمد رامي ألحان فريد غصن وغناء أم كلثوم. هذا المونولوج اُذيع على الهواء سنة ١٩٤١ ولم يُسجل.

تعهد فريد غصن محمد فوزي الشاب الآتي من طنطا وكذلك لشادية ولهدى سلطان.

سنة ١٩٤٧ اكتشف طفلة عمرها ٧ سنوات تغني، وكان اسمها نجاة حسني وأصبحت فيما بعد نجاة الصغيرة، وقد حمل فريد غصن الصغيرة في أول رحلة فنية إلى لبنان صيف ١٩٤٧.

عاد فريد غصن إلى لبنان سنة ١٩٦٠ واستقر فيه نهائيًا، وأصبح أستاذ العود في المعهد الموسيقي، ومخرجًا فنيًا في الدائرة الموسيقيّة في الإذاعة اللبنانية.

وعندما عزفت أمام فريد غصن ضمني مباشرة إلى صفه، حيث درست على يده أربع سنوات إلى أن أقعده المرض سنة ١٩٧٠.

  1. لمن سترسم البورتريه التالي؟
  • جدي يوسف، عذب الحنان في جلسات الطرب الحميمة.

جدّي “كانْ مُغْرَمْ فَنْ”. صوته حلوٌ وعزفه أحلى. يعزف على شبّابة شجيّة. كان يمتلك فونوغراف مع اسطواناتٍ قديمة ذات 78 لفّة. “بيضافون كومباني” [شركة بيضافون]: الأستاذ محمد عبد الوهاب، “يا جارة الوادي”… وتبدأ الخشّة ترافق مطربَ الملوك والأمراء بمجرد وضع الإبرة الخشنة، والتي كانت تخلّف وراءها خيوطًا دقيقة لامعة على الأسطوانة السوداء الكبيرة، وجدّي يسبّق على عبد الوهاب، وصوته يطفو في الأعلى: “لم أدر ما طيب العناق على الهوى، حتّى ترفّق ساعدي فطواكِ”.

تنتهي الأغنية وجدي يُسَلْطِنْ على مقطع (لم أدرِ) …

أما نحن، فنطيب له الآه تلو الآه، حتى يُبَحّ صوته. فنعود ونضع الأسطوانة من جديد لينسجم بنقرات العود المحبّبة لديه. ونقرات العود تلك تدغدغ آذان السكارى الرائعين، المبهورين، رغم ما كان في الأسطوانة القديمة من خشخشة تقزّز الآذان المولعة بالموسيقى.

  1. البورتريه الثالث؟
  • والدي…

عندما بدأت بتعلّم الموسيقى وخاصة العزف على آلة العود. كنت أقوم بـ” بروفة ” لامتحان المعهد امام أبي مع هزّة رأس والد فخور بابنه الذي كان بالكاد يعرف يدوزن العود.

وبعد مدّة تحولت “بروفات” الامتحان إلى احتفالات عامرة مع أصحاب والدي والذي كان يصّر دائمًا على دعوتهم ليشهدوا على إبداعه وإبداع ابنه.

كنت في السنة الأولى من بداية دراستي الموسيقيّة، وكنت في نظره أستاذًا كبيرًا. وكان يسألني دائمًا عن المواد التي أدرسها في الكونسرفاتوار. وكان يزعل وينرفز عندما أحصل على علامة ١٨ على ٢٠ في الآلة وكان يقول لي بحزم: “يجب أن تحصل ٢٠ على ٢٠ في الفصل القادم”!

ومرّة، حصلت بالفعل على علامة ٢٠ على ٢٠ في مادة العزف، عندما كتبت “سماعي بياتي”، وكانت (العلامة)، على ما أعتقد، تقديرًا استثنائيًا من اللجنة التحكيمية. فحقّقوا عندها لوالدي الغرض المنشود وأجبروني على الحفاظ على هذه العلامة كي لا أغضب الوالد.

  1. البورتريه الرابع؟
  • أمي.

لقد أصبحت موسيقيًا بفضل أمي.

فقد لاحظت، منذ طفولتي، اهتمامي الكبير، ورغبتي اللامحدودة في تعلّم الموسيقى.

أتذكر كيف كانت تجبرني دومًا على الغناء كلما زارنا أحد، وكنت أقف طائعًا، وبخجل طفولي رحت أردّد ما حفظته من أغانٍ رائجة في ذلك الزمن.

أمي رحلت باكرًا. والموت لا يقدر على مصادرة حق الحب. مثلما يفترق العشّاق ليبقى الحب.

أتذكر أيّام زمان عندما كنت صغيرًا، وأخاف من العتمة، كانت أخبار أمي وأصابعها الجميلة وهي تمتد إلى جبيني المغطّى بخصل الشعر الهاربة، تخربط العالم وتفركش العتمة.

أذكر كيف كانت ترجّع دون انقطاع، ترنيمة مملوءة بالحب لأنام. لقد ترعرعت على تراتيل أمي في سرير خشبي قديم تهزه بيمينها على إيقاع: يلّا ينام يلّا ينام.

وكم كان وقع الأغنية مؤثرًا بصوت أمي الدافئ، وكانت تقيدني قبل الأغنية وبعدها وخلالها. كان لصوتها جمال غامض، حيث كان يختلط مع صوت الريح الآتي من صوب البحر.

ولقد كانت تراود أمي أحلامًا بأنني سأصبح موسيقيًا مشهورًا وتردّد موسيقاي.

ولكن أمي ماتت قبل الأغنية، وقبل الموسيقى، وقبل أن تصبح تلك الأعمال في ذاكرة الناس.

ولم أكن أعرف بأنني سأبعثر أيامي في الحقائب والمطارات والمدن البعيدة. وأقطع الأرض كما يقطعها الطائر بيومين.

  1. … …
  • … تمتّعت أمي بموهبةٍ مكّنتها من تصوير كل ما رأته ولاحظته في الحياة من حولها، كأن بها ترسم لوحة. ما أن تخرج إلى السوق لقضاء حاجة من حوائجنا اليوميّة، حتى يسترعي انتباهها كل تفصيلٍ من تفاصيل الأحداث الكبيرة، والمشاهد المثيرة. وما أن تعود إلى البيت، تشرع في رواية كل ما رأته وكأنها تصوّر مشهدًا، بكل ما فيه من وجوه كامنة، لا يمكن تمييزها إلا بعين فنانة.

كانت تحكي عن الحقائق والأحداث البسيطة بقدر كبيرٍ من الوضوح والحيويّة. حتى خُيّل لنا أننا نشاهد هذه الأحداث بأم أعيننا. وكانت تضيف دعابتها الرقيقة والدافئة رونقًا خاصًا على حضورها، ولا يمكن لأحد إلاّ أن يفترّ عن ابتسامة وهو يستمع إليها، بينما تروي كيف أوقفت والدي في ليلة “الحاجة بربارة”، وكانت متنكرّة في ثياب رجل، برفقة جارتنا الخياطة الست ماري، والتي كانت متنكرّة، كذلك، في ثياب رجل. وكان والدي يعمل على سيارة أجرة عموميّة. قالت له بصوت أجّش: أتستطيع أن تأخذنا إلى أحياء الضيعة البعيدة لَنْدَوِّرْ على البيوت، كما كانت العادة في تلك الليلة التنكريّة. وعندما أدرك والدي بأنها امرأة متنكرة في ثياب رجل، وكذلك رفيقتها، قال فورًا: أهلًا وسهلًا، على الرحب والسعة.

– قدّيْ بتريد؟

– ما راح نختلف، تفضلّوا، تفضلّوا.

واستغرق ذلك المشوار المسائيّ أكثر من ٣ ساعات، لأن أحياء الضيعة متباعدة عن بعضها البعض. وعندما شارفت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قالوا لأبي – السائق المطواع: من فضلك خذنا إلى حيّ “العَرْبِة”، وحينما وصلوا إلى “الكوع” أمام المنزل، أوقفته أمي بصوتها الواثق وخلعت القناع، وقالت بضحكتها الساحرة: شكرًا يا خواجا ميشال على المشوار! …

ضحكنا ليلتها طويلًا، وبقينا نروي القصة ونضحك ووالدي يسكتنا ويبرّر بأن ظلمة تلك الليلة كانت حالكة، ولم يعرفهن وهن يرتدين ثيابهن التنكريّة.

ورحلت أمي…

رحلت في عزّ فتوّتها، وبلغ الحزن بنا منتهاه. لم أصدق في البداية بأنها لن تعود ثانية، ولم أستطع أن أسلّم بفكرة أنني لن أراها، ولن أستمع إلى ضحكتها مرة أخرى.

كانت أمي خلال مرضها مثارًا للدهشة بما امتلكته من خصال روحية فريدة، وبطاقاتها التي لا تنفذ، وبقلبها الراجح المستنير. وفوق كل ذلك، اهتمامها الدؤوب بكل ما حولها كما هي عادتها. كانت تُضفي علينا الحماس والفرح والحب، بما لا يتناسب وآلامها. امرأة ظلت تبتسم لنا حتى الرمق الأخير.

لا أذكر من أمي غير جمالها الناطق بالحب، ونصائحها الصامتة لولدٍ منذور لما يقلق أجمل الأمهات.

  1. كما لو كانت “وعدًا”، جاء عاصفًا، وذهب…
  1. ومع “وعودٍ” أتت “من العاصفة”، بدأت رحلتك إلى العلن، وبدأت القاعات تغصّ بجمهورك…
  • في عَمْشيت، في عزلتي، لم أجد ما أستأنس به سوى ديوان شعرٍ لمحمود درويش. أخذت “أتسلّى” بمَوْسَقة القصائد… وفي صباحٍ باكرٍ من شهر آب لسنة ٧٦، دخلت أحد استديوهات باريس الصغيرة، ولم يكن معي سوى بعض الألحان المدونّة والعود.

مسّ الجمهور حنين عميق؛ اتخذت الأغاني طريقها، ودخلت الأعماق. ثم بدأت القاعات تغص بالناس في كل مكان.

  1. وتوالت الأعمال…
  • توالت الأعمال، من وعود من العاصفة، وصولًا إلى نص موسيقي إنشادي مستوحى من العالم الرؤيوي لجدارية محمود درويش. تبع ذلك تأليف موسيقى تصويرية لأفلام المخرج مارون بغدادي. وموسيقى لمسرح فرقة الحكواتي. وكان سبق ذلك أوبريت “مَرَقِ الصّيف” في مهرجانات جبيل سنة ١٩٧١. وموسيقى لعروض البالية الشرقي لفرقة كركلّا.
  1. هل “التزامك” بقضايا الإنسان في فنّك هو أسير بدايةٍ صنعتها الظروف، أم هو “التزامٌ” واعٍ منذ اللحظة الأولى؟
  • في محاولة لتبسيط الأفكار الفنية التي انتعشت أثناء الحرب اللبنانيّة، نشأت تسمية “الالتزام”، وكانت التسمية “موفقّة”، لأنها سهلة الحفظ، سهلة التكرار، قويّة الوقع. وجعلت الكثيرين يعتقدون أنها تسهّل لهم الأمور. وانهالت القصائد “الملتزمة” والأغاني “الملتزمة” على الناس، وجعل “النقّاد” من الالتزام قسطاسًا في الحكم، وراحوا يرددون اللفظة في كل سطر ويقرنونها بالتفوّق. وذلك بقدر ما تشير الأغنية أو القصيدة أو المعزوفة إلى مواضيع الساعة، والقضايا الخطيرة. وصار إنتاج الجميع “ملتزمًا”، وبالتالي “ممتازاً”، وفي هذه الغمرة، اختلط الأمر على السامع وعلى المبدع. فكلاهما ناقم، وكلاهما يريد بلورة نقمته، وكلاهما يتشوّق للتأمل في صورة عصره وجماعته، منعكسة في فمه. فخيّل إليهما أن “الالتزام” يحقّق ذلك، لأنه يعني التزام قضايا المجتمع. واختصرت الأعمال إلى ضرب من الوعظ السياسي. فبدا أن القضيّة جماعية لا فرديّة، وأن الفنان هو من استطاع أن ينطلق عبر ذاته، وينصهر في المجموع.

الفرد مغلق على نفسه، منكمش، متهرّب، ما دام هو لا ينطلق ولا ينصهر. والالتزام معناه، أن يضم الفنان صوته إلى صوت الكورس. أن يشارك في المأساة على صعيد الشعب. أما من يقف إلى جانبه، ليقول غير ما يقوله الكورس، يعتبر نشاز وفردي ومقلق…

وهكذا انتقلنا، وفي كثير من الحماسة، إلى الصراخ والتذكير اليومي بما نعانيه، دون أن نضيء على القضية بنورٍ جديد، ودون أن نتغلغل إلى الخفايا والبواعث المعقدّة، أو إلى الأكاذيب المُحكمّة وراء ستار السياسة والنظريات الدعيّة؛ فعلنا كلّ ذلك، بدلًا من النّفاذ إلى الدقائق النفسية اللا محدودة، والقوى المغيرّة المطورّة الخافتة.

ولقد حاولت جاهدًا، على قدر الإمكان والكفاءة، أن ألتزم بما أفهم الالتزام، منذ العمل الأول وأن أدمج في إنتاجي كلّ ما هو ذهنيّ وشعوريّ في آنٍ معًا، وبالمعنى المعاصر والعميق.

غير أن الوجود العميق في الزمن، لا يعني بالضرورة، الوجود في وسط الضوء الكاشف، وادّعاء الفطنة السياسية، والتلاشي في التيارات العامة.

  1. الرهان على الذات؛ الذات المُبدعة، الحب، أليس هو فعل مقاومة؟
  • قال لي أحدهم عندما أصدرت “أندلس الحب”: “معقول، وأنت المناضل الذي دافعت عن فلسطين والجنوب والمقاومة. ألم يعد هناك غير الحب تكتب وتغني له (يا عيب الشوم) أوليس هذا دعوة إلى الانحلال؟! فقلت له بالفم الملآن: لا أفهم أيَّ قضيةٍ ما لم أفهم نفسي. كيف تريدني أن أتحرَر وأنت تستعبدني؟

يريدوننا أن نموت قبل أن نولد. كل ما غنيته قائم على الحب.

أقف أمام الكون كلّه، أتفاعل معه، أتحدث إليه. أزعل منه ثم أعود لأتصالح معه. وهكذا أقضي أيامي بفلسفة بسيطة للحياة: أن أبقى في سلام مع الكون، وأن أتغلّب على الضعف والكبوات والمآسي والموت، متمسّكٌ ببريق الأمل وقوة الانبعاث. جروحنا عميقة، ترفض أن تندمل؛ تصرخ قهرنا وتمرّدَنا إلى حد العصيان على البشر والله معًا.

  1. كيف ترى إلى الفن، من حيث علاقته بالفرد والجماعة؟
  • الانزواء والصمت قد يكشفان منابع تعكس الفترة التي يعيشها الإنسان على مستوى أعمق من الإنتاج الذي، بإصراره على الالتزام أو التجنيد للقضية، لا يبعد خطوة واحدة عن خطاب رجل سياسي أو كلام الجريدة اليومية.

الانزواء الصامت، دون التجنّد بطريقة سطحيّة لأي قضيّة، فيه التزام يتعدّى ما يطالب به الدُّعاة. لأنه يحافظ على وضوح الرؤية لدى الفنان، والرؤية في هذه الحالة موجهّة نحو حالة الانسان.

  1. أهو الفارق بين أن يكون الفنّ نِتاجًا لإرادةٍ حرة، وبوصفه فعلًا وجوديًّا فردانيًّا، أو أن يكون منصهرًا في الجماعة، منزوعَ الإرادة؟
  • الشق الأهم في الفعل الوجودي هو “القلق”. إن القلق الفردي الناجم عن ضرورة حريّة الإرادة عند الإنسان؛ عن ضرورة الاختيار لديه، وسواء انتهى هذا القلق الوجودي إلى عَدَميّةٍ أو إلى تمجيد “الخالق”، فإنه الدافع الأهم في عملية الخلق.

في القلق فعل بطولةٍ، القلق الشخصي الفرديّ الذي أعيشه داخلي، قد ينتهي إلى فعل يؤثر في الآخرين، أو قد لا يؤثر فيهم. وقد يكون هذا العذاب نتيجة “الالتزام” أو لا يكون، غير أنه منفعلٌ، في معظم الحالات، بعشرات المؤثرات الأخرى، من أحاسيس دينية، وغربة، وفقر، ومرض، وتهتّك، وإدمان، وتمرّد…

  1. ومتى يكون القلقُ فاعلًا؟
  • باعتقادي أن الاتزان يرفض الخضوع للبرامج النظريّة.

في القلق شيءٌ من الرفض، وهذا في صُلب الإبداع. فمن المهم بمكان عدم التهرّب، وكشف حقيقة الوضع الإنساني، ومنعرجات الضمير الإنساني، ثم التمرّد على الظلم والعنف، من أجل تحقيق الغاية الإنسانيّة التي تؤكد كرامة الفرد.

التمرّد لا يعمل بدافع الواجب المُقَرِر الذي يشطب الفردانية، بل هو يعمل بدافع يأتي من داخل الفرد، كي يحافظ على قيم الكرامة الفرديّة. هكذا يصر المتمرّد على العدل وعلى رفض الإرغام الخارجي السُّلطوي.

لعلّ من المحتّم علينا اللجوء إلى الداخل، إلى القلق الجوّانيّ، حيث يواجه الإنسانُ منا ضميرَه وكيانَه؛ حيث يرى ذاتَه عارية.

  1. قضيّة الفن هي قضيّة الإنسان إذًا؟
  • عمرُ “الالتزام الفني” قصيرٌ، لأنه يتوخّى من السياسة أكثر ممّا يتوخّى من الإنسان. ويستهدف المجموع المبهم أكثر ممّا يستهدف الفرد المحدّد.

قضية الفن هي قضية الإنسان بكل ما فيه من تعقيد في السلوك والتفكير والشعور والبواعث والأهداف والعلائق.

نعم، قضية الفن هي قضية الإنسان، بكل ما في ذلك من تعقيد في السلوك والتفكير والشعور والبواعث والأهداف والعلاقات.

  1. ما الذي يحتاج إليه الفنان، في مواجهة طُغيان السياسة والمذهبيّات والتحزّبات والطائفيّة؟
  • لقد طغت الحياة السياسية على حياتنا طغيانًا أخذ علينا كل مسلك، وغمر بيوتنا وشوارعنا وكل زاوية من حياتنا. وما عدنا نرى إلاّ من خلال هذا الطغيان.

نحن في أمّس الحاجة إلى سلامة الفكر، إلى الصحو.

الفنان اليوم، يعيش فترة صعبة، ناقمة على تاريخه، متجسّسة على خصوصياته، مريعة بما فيها من فقر وجوع وقهر وقتل بحقّ الفنان، والناس عمومًا، فإذا لم يتمرّد الفنان ويدافع عن وجوده الفردي، فسوف يفقد وجهه وملامحه.

للفنان سحرٌ، إن تُرك للمذهبيين والطائفيّين والسياسيين، فسوف يُمحق كلّ ما يميزه من رؤية خاصة للحياة أو فهم متفرّدٍ للتاريخ أو تعاطف خلاّقٍ مع البشر. يصير هذا التمرّد إلى حتميّةٍ كلّما اشتد الصراع السياسي واحتدمت الخصومات، ويبدو أننا نعيش زمن الذّروة.

الاضطراب السياسي قد أدّى إلى قلقلة مريعة في القيم، وتمزّق شديد في النفوس. علينا أن نكون متيقظين. وفي غمرة البرامج النظريّة التي تتشدّق بها كل فئة، دون تفعيلها على أرض الواقع، استشرى فساد السلطة المطلقة والرياء لا نستطيع ان نغفل عنه.

  1. إلى جانب هذا كلّه، نعيش طغيان الكَثرة والازدحام، أليس كذلك؟
  • كذلك هي الوسائل الجماعية الطاحنة للذهن، من إذاعات وصحف ومجلات وتلفزيونات ومواقع الكترونية… وبطلٌ من يحاول أن يقف على رجليه في لجّة هذا السيل الطاغي من التفاهة والاستسهال، ليعيد إلى ذاته الإنسانيّة كرامتها.

على الفن أن يكون شجاعًا باستيعابه لهذه الحالة المعقدّة، وتمكّنه من النظر إلى مصير الإنسان رؤية نافذة وخلاّقة. نقاسي شحًّا في الإبداع، وكثرة في الإنتاج، وعلينا أن نخصب تربة الإبداع خارج سطوة هذا الجَرف، فنهيب بشبابنا أن يتألموا ويُبدعوا.

  1. هل يبدو عالمنا اليوم، كما لو أنه فقد جمالَه؟
  • الجمال الذي خُيّل لنا أننا فقدناه من عالمنا، يُقيم ها هنا في عزلتنا، في انتظاراتنا.

هذا الكائن المنعزل الذي يمضي وحيدًا. يبحث عن البقاء أو الهرب، أو يحاول تجاوز ذاته في فوضى الرّعب من مواجهة مشهد موته الخاص، ولحظات الصَّلب الأليمة.

  1. من يكون “بطل هذا الزمان” إذًا (إذا ما استعرنا تعبير تورجينيف)؟
  • في غمرة الفساد والسلطات المطلقة والرّياء ووسائل التواصل الاجتماعي الطاحنة. تصير البطولة في الوقوف ضد هذا السّيل الطاغي، وإعادة الحياة إلى الذات الإنسانية. هنا، على الفن أن يتمسّك بدوره البطوليّ الخلاق.
  1. وهل هناك “ما يكفي” من الفن “لإنقاذ” العالم؟
  • إننا نقاسي شحًّا في الإبداع (كما قلت). علينا أن نُخصب التربة، نتأمل ونُنتج. وحين نفترض أن الفنَّ إنسانيٌّ في الجوهر، يبقى سؤال “أهو جيّد أم رديء”، وبذلك يكون الفنُّ وسيلة لتعزيز الاندفاع، لا وسيلة للكبت والتجميد.
  1. بعيدًا عن العود الذي “يُرافق” الكلمة، فقد أفردْتَ للعود حيّزًا مُعتبَرًا في أعمالك الموسيقيّة، ومنها مقطوعات على قالب البشرف والسماعي واللونغا، وأعمال حرّة تؤسّس لقوالبَ جديدة، مثل “جدل” (ثنائي العود برفقة الرّق والباص)، ورباعي العود برفقة الأوركسترا، وتقاسيم للعود والكونترباص برفقة الإيقاع، ومتتالية أندلسية للعود والأوركسترا، وكونشرتو للعود والأوركسترا. ماذا تقول عن هذه المساحة في إنتاجك؟
  • حاولت في هذه الأعمال مراجعة أساليب الكتابة لآلة العود، وفي تقنيات العزف، ودراسة مختلف الأشكال المُحتملة لتطوير الكتابة والعزف. سواء تعلّق الأمر بالمحافظة على شكل العود، أو بعمليات تجديدٍ باتجاه ولادة عائلة للعود، مثلما هنالك عائلات لآلات موسيقية أخرى.

هذه الأعمال كانت الخطوة الأولى ولكنها لم تكن منفصلة عمّا سبق من تاريخ موسيقي لهذه الآلة.

والجديد في آلة العود مرّ في كل طريق؛ في تاريخ تطوّر الآلة ذاتها. فزرياب كان جديدًا في عصره، كذلك محيي الدين حيدر. محمد القصبجي. جميل بشير. فريد غصن. وغيرهم.

  1. وكيف يفهم العودُ “الجديدَ”، في زمن “ما بعد الحداثة” و “ما بعد الكولونيالية”؟
  • الجديد هو أن تعبّر بأدوات جديدة تتّفق مع متطلبات تطوّر الإنسان في كلِّ عصرٍ وعصر. وهذا، برأيي، لا يأتي من خارج تاريخ آلة العود، بل من داخل تاريخ هذه الآلة.
  1. ألا يحرمه هذا من التفاعل مع هذا “الخارج”؟
  • لا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام على أنه إغلاقٌ لباب التفاعل مع أشكال تطوّر التعبير الفني في العالم. بل على العكس، فإن هذا التفاعل ضروريّ جدًا، لكن، مع الحفاظ على الملامح الخاصة للتراث الشعبي الذي ننتمي إليه. ففي كل فترة من الفترات، تنحسر أشكالٌ ومضامين، وتحلّ مكانها أشكالٌ ومضامين جديدة. وعلى الموسيقيّ أن يتفهّم حاجةَ المجتمع إلى هذه المضامين والأشكال الجديدة، ويكون قادرًا على أن يتطوّر معها ويُطوّرها، وأن يلبّي حاجات الذوق العام، ويجيب على الأسئلة التي يطرحها المجتمع والنَّاس والحياة.
  1. ديوان العود…
  • أتذكر عازف العود القدير، الأستاذ ابراهيم حبيقة، وكيف استدرجتني تقاسيمه الساحرة عندما كنت أذهب لسماعه في معهد الرّسل بجونيه. وديوان العود يولد من أولى تلك التقاسيم الساحرة.

حاولت أن أعمل على تطوير العود، وساهمت، ربما، في خلق توازن، إذا أمكن التعبير، بين اتجاهين، وهما السلفيّة المُفرطة في إنكار التطوّر التاريخي، وبين الفوضى العبثيّة التي تقترح بابًا واحدًا للمعاصرة عبر الانقطاع عن تاريخ الآلة أو اختيار شكل محدّد ونوع محدّد من الأشكال والأنواع الموسيقيّة.

اليوم، في ديوان العود الذي أكتبه، أجمع ما بعثرته الأيام، وأكمل الطريق لتلسعني ريشة العود. عود بلا حدود، أروّض نبرتَه على التّحليق بعيدًا. أحبو من جديد على الوتر، وأرتكب أخطائي التي، ربما، ستشكّل فعلَ مشاغبةٍ، ونزعةً حادّة للإفلات من “القطيع”.

كم يعوزنا اليوم، في هذا الزمن الموحش، كم يعوزنا صوت العود في بهائه النقي.

  1. هل نمرّ على بيروت قليلًا؟
  • لن يمر هذا اللقاء دون أن نمر على بيروت.
  1. أيّ صوتٍ بقي لـ “بيروت” بعد “الانفجار” المزلزل؟ ماذا يُمكن للموسيقى أن تقول بعد؟
  • بعد انفجار المرفأ الرهيب، يعود بي الولد إلى ساحة الشهداء. يشتاق إلى مدينة مكسورة.

كيف أستعيد تلك الطرقات إلى أفق يفيض عن الطريق.

أصرخ مع درويش: بيروت نجمتنا، بيروت خيمتنا.

تنفتح المدينة في امتداد لا ينهيه حتى البحر، وتنفتح الجبال التي تصعد بلا تعب ولا ملل إلى الأعلى، لتصل القرى إلى السماء.

من يملأ فراغ الذين رحلوا؟

من يملأ هذا الفراغ؟

اجتاح جنون الواقع يأسي وحنيني في هزيمة الحروب الصغيرة والكبيرة.

حجرٌ هنا، وزجاج هناكَ مرميٌّ على طريقٍ مهجور.

كيف تعلمنا سذاجة النشيد (كلنا للوطن) في البرد والحر وقبل الدخول إلى الصف! كيف تعلمنا أن نقاوم بما نملك من عناد وسخرية وحب، وبما نملك من جنونٍ لحريّةٍ اعتقدنا أنها طالعة إلى الضوء!

على قلق كلنا على قلق. يجرحنا هذا الدمار الشامل. نحتاج إلى خارقٍ، إلى ومعجزة. الزجاج يتساقط والأرصفة والحيطان والبيوت…

ما جدوى هذا العبث؟ من ينشلنا من هاوية السقوط؟ من ينسانا على رصيف الميناء؟ ففي وسع عنابر القمح أن تتفتّح في ساحة المرفأ التي شهدت أكبر انفجارٍ وأشدّه وحشية.

  1. “ذلك الطفل الذي كنت/ أتاني مرّةً وجهًا غريبا…”، يقول أدونيس في قصيدته “أول الكلام”. كيف يأتي مارسيل خليفة؟
  • أذكر ذلك الصبي المتحمّس الأخرق الذي كنته، والذي كان يريد أن يغيّر العالم. وفي الأخير لم يغيّر حتّى نفسه.

أذكر كيف كانت حِرفته الصمتَ، حين الطّنين على الوتر يحوم. وأذكر كيف كان يكتب ما يَعّفُ عنه أساتذته، وما يسهو عنه زملائه في الصفّ.

يعود من مشواره الطيب، من بيروت إلى بيته في الضيعة، وعلى مدخل المدينة يرى بيوتًا من صفيح وخيامٍ، ويسأل… ثم يعلم بعد حين أنها بيوت اللاجئين. ويومها تعرّف على فلسطين، وعلى قضيتها، من المنحى الإنساني.

  1. ثمة “فلسطين” موجودة وحاضرة في وعينا وحسّنا، لا تشبه فلسطين الواقع اليوم… في ذاكرتنا “فلسطين من صُنع مارسيل خليفة”، إن شئت… كيف هي في ذاكرتك أنت؟
  • في الليالي، كانت أمي تحكي لنا عن فلسطين، وتروي لنا قصص التهجير الأليمة. ولم أصدّق أحدًا غيرها، في بيئةٍ وزمنٍ شوّه الحكايات كلّها.

تتكاثر الخيالات أمامي في الليل، وتختفي كنجوم السماء وأنا مدجّج بالحزن على الأرض السليبة. وكان الخوف يرعد في السماء بِليالي الشتاء، ويمطر قلبي على شعب الخيام.

وأصبحت فلسطين تسكنني في هيئة قصيدة أو مظاهرة أو اجتماع أو نقاش أو اغنية. وكانت القضية كيف نقدِّم شيئًا للقضيّة أكثر من أن نبشّر في الحلقات عن فلسطين.

سحرتني الكوفية الفلسطينية. شاركت في المظاهرات وأنا أطوِّل بها عنقي. ثم نضرب عن المدرسة تضامنًا مع فلسطين، وأنا بين الجموع أصرخ وقبضة في الهواء تلوّح: “بالدم بالروح نفديك يا فلسطين”. وما من أحدٍ قد غيّر العالم بالهتاف. حتى الأنبياء خذلتهم الكلمات، فتحولوا بأسنّة الرماح عن وهن الأقوال إلى فعل مقاومة. وبدأت أُدرك أن ليس عرفًا أن يكون القهر عنفًا، أو سجنًا أو مشنقة؟ في البداية، وجدت صعوبة في فهم “غرامشي” على النحو الأمثل. حلمت كثيرًا، أتفيّأُ الأغنية، وللأغنية طقوس كطقوس العبادة. العود بجواري يُشفي ويُغني عن النوم، فأظهر مع القصيدة والنغمة حتى صباح الليل. لم تكن لدينا معجزات، كانت لدينا مخيلة وأحلام.

  1. هنا، قدّمت لنا درويش بنكهة خليفة… فكيف كان لقاء الشاعر بعد لقاء الشعر؟
  • في يوم ماطر من أيام شهر أيلول التقيت محمود درويش لأول مرة وجهاً لوجه على فنجان قهوة بيروتية، وكان الذي كان؛ كان قلبه كالطفل في وجع قصيدته، تضرجّتُ يومها خجلاً لأشيّد بعد حين ملحمة “أحمد الزعتر”. وأصبحت فلسطين أرض أغنيتي. نُسخت ووُزعّت آلاف مؤلفّة من الكاسيتات الممنوعة في الاحتلالات الإسرائيلية المتكررة، وفي الأنظمة العربية الفاسدة والمتآمرة على القضية دون أن نستثني أحدًا.
  1. بعُودِكَ وصوتك، جعلتَ من فلسطين أغنيةً تردّدها الحناجر وتحفظها القلوب…
  • كانت فلسطينُ – الأغنيةُ ريحًا في الغمام؛ كانت كوفيّةً أمسح بها دمعًا حارقًا كالصديد، فتولد من بحرٍ قديمٍ يحرّرني من قَرَفي، تحت سماء حارقة، في وطن عربي شاسعٍ، وقد أُخذت منه زينته، فبات عسيرَ النُّطق، بسبب كمّ الأفواه، وقد تقرحّت قلوب أبنائه، من عَفَن المرحلة، ومن تعب الأسئلة القاحلة.

بالأغاني، نحمي وحشتَنا، فلا نرهقها بالسياسة والخسارة والحرب والهزائم والمرأة والشهوة والحسرة: “منتصب القامة أمشي” مع سميح القاسم، “طفل يكتب فوق جدار” مع معين بسيسو، و “إني اخترتك يا وطني” مع علي ڤودة، و “يا شعبي يا عود الندّ” مع توفيق زياد.  “جفرا” و “بالأخضر كفنّاه” مع عز الدين المناصرة، وبداية مع “وعود من العاصفة” وصولاً إلى “تصبحون على وطن” وغنائية “أحمد العربي” مع محمود درويش. ومن أندلس المجد الضائع، إلى فلسطين المسلوبة، وصولًا إلى بحر حيفا ويافا وَ “يَا بحريّي هيلا هيلا”، والتي أصبحت تلك الأهزوجة “فولكلورًا” شاع في كل مكان.

  1. زمنٌ عربيٌّ غارقٌ بأمواج “اللجوء”؟ هل صارت “الغربة” عنوان كلّ وطن عربيّ؟
  • عشت في هجرة قسرية دائمة، من قريتي، ومن مدينتي، ومن بلدي. هجرة منصوبة على تخوم خيمة حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس.

اغتربت مع عائلتي الصغيرة عن وطن الحروب الصغيرة مع لسعة الموسيقى ترافقنا، تفوح منها رائحة المدى، وينتشر عرفها في البعيد.

سرٌّ، لا أعرفه، ربما أنبت في البال شتلةَ الحكاية منذ طفولة رامي وبشار الموسيقيّة المبكرة، ربما هو ذلك الشغف بالتلصّص على النوتات.

ذهب رامي ليتابع دراسته في جوليارد سكول في نيو يورك، وذهب بشار إلى الكونسرفاتوار العالي بباريس. ويولا تركت تدريس الفلسفة لطلاب الثانوية وأمست تنتظرنا لنعود من جولاتنا الفنية. وبعد حين أصبحت ترافقنا في الغناء، وترعانا بالحب.

طين من الصُوَرْ تعجنه الحكاية، وتنحدر إلى قلب المدن بحثًا عن مدينتك.

تزدحم الخيالات في أرض لا أرض لها. يضيق التأمل، وتضيق المسافاتُ… كلُّ شيء يعيدنا إلى طفولة لم تغادر طفولتها.

أرى بلادًا تحت الخراب تخّر، وأرى جنودًا من شقوق الهزائم يخرجون، وفي الجوار حرَّاس لموتنا اليومي يصطنعون.

طغاة يتكاثرون، وشعوبًا تَجُرّ ورائها قدَرًا وعطرًا يفرّ من الأبد.

التفاصيل التي أتذكّرها وتسمن الشفاه، هي كالكتابات المنقوشة على الصخر.

تفاصيل الحياة أوسع ممّا تحفظه الذكريات. تنتقي ما تشاء وما لا تشاء بدورك من دون إذن.

لكن، تبقى الموسيقى ملحَ القصيدة، يمدّدها في الزمان كإكسير الحياة.

دمعة أذرفها على مدن موجوعة. ما الذي تغيّر حتى تنتصر البشاعة وينسف اليقين الطاهر لفكرة الوطن – الأوطان التي ضاعت منّا.

ما فائدة أن نعمّرَ في هذا الفراغ المرّ، وأحمرٌ مؤذّنٌ بالنهاية.

انهار كل شيء. “العالم كلّو مخربط”. كيف نروّض هذه الأيام الصعبة المتناثرة بغموض المستقبل.

أكتب عن بيروت وأبكي ولا أعرف لماذا كل هذا الأسى في حروب تبدو بلا نهاية.

تعبت ولكنني عنيد مثل ثور.

أتذكر لوعة الأيام الأولى للمعارك الطاحنة في بداية الحرب.

أتذكر خيبتي يوم فرّ بي والدي ليهرّبني من المنطقة الشرقية التي نعيش فيها، لأن أحدًا لم يعد يحتمل ميولنا (مجموعة من الشباب) المتضامنة مع قضية فلسطين.

نعم هكذا.

جحيم هنا، وجحيم هناك.

  1. الآن، بينما نتحاور، أنت عالقٌ في جزيرة قصيّة …
  • جئت بالصدفة إلى الأقاصي البعيدة، حيث يسكن ابني وعائلته، جئت لأيام فأعود… وإذ بالجائحة تجتاح الأرضَ، فأقفلت المطارات والمعابر. وها أنا في الشهر الحادي عشر، تصاحبني الأمكنة في مساءاتٍ تستوحش فيها نفسك.

تمعن المسافة في التلاشي وأعتذر عن خاطرة قديمة مرّت بي منذ لحظة وصولي، وعن مكيدة كايدتها في عزلةٍ، فحفّظتك الذكرى ولثمت الكلام والحنين.

أعجز من أن أجيب عن سؤال بات مخيفًا: “ايمتى راجع؟”

  1. أعمق انطباع علق في ذهنك عن هذه الأرض الجديدة القديمة؟
  • زرت السكان الأصليين الذين سكنوها منذ آلاف السنين قبل دخول المستعمر الإنكليزي.

ثقافتهم لا تزال حيّة حتى الآن. يقدسون الأرض ويقولون: نحن لا نملك الأرض لكن هي تمتلكنا. الأرض أمنا. لقد نقص عددهم حتى التلاشي بسبب للمذابح التي ارتكبها المستعمر في حقهم. وتُعرف الجريمة الأكبر بجريمة الجيل المسروق، حيث انتُزع الأطفال من أحضان عائلاتهم ليوضعوا في معاهد خاصة مع عائلات غريبة.

أحب تخطّي الفضاءات المأسورة بالمحرمات. النزعات المتفلّتة، والبحث المتواصل عن النفس في عوالم مختلفة، ما وراء إدراكنا وتخيلاتنا. وأحب البحث عن المجهول والمختلف، مزج الواقعي بالمتخيّل، الخوض في أعماق النفس البشرية وملاحقة مناطقها المعتمة، إضاءاتها، شبقها، جوعها ومخاوفها.

الإنسان البرّي كائن في أعماق كلٍّ منّا. يهرول طلّهُ خلفنا وهو يمشي على أربع.

  1. وهنا قلبُك، الذي “ألِفَ” الغربة واعتادَها، قد تمرّد و “تفلّت” هذه المرّة!
  • قال لي البروفيسور الذي أجرى لي عملية قسطرة شريان يضّخ الدّمَ والحب: “جئت إلى هنا منذ ستين عامٍ. كنت ابن الرابعة، وكانت أمي ترتق لنا الثياب العتيقة وهي تئن وتحّن. وما زال الأنين دمعة ذاكرة لا تفرِّط بالتفاصيل، وتترك محفوظاتها طازجةً كبرتقال الخريف”.

“الغربة قاسية”، قال الطبيب البروفيسور. ألوف الكيلومترات بعيدًا عن مكانك كي تصحّح عثرة العّيش، وكي تبدّل الذي ما تبدّل.

أتساءل: هل أنا مُصابٌ بكل هذا الحب؟!

على نفسي، في بيت ابني، أُغلقُ كي أفتح الباب.

أبقى لساعات في خلق نوتةٍ جديدةٍ، ولا أدري أين تأخذني هذه النوتة!

سؤال الفارق بين مدى اللحن وصداه؟ – أعتقد أنه ليس في الأفق جواب.

أوقد شمعةً في عتمة فراغ مُجهَدٍ، وحين أتعب أعود، ثم أبدأ من جديد.

والطبيعة تلهمني وتصاحبني في الصباحات والمساءات. تستوحش فيها نفسي وتؤنسني في آن معًا.

وبتُّ بها كلفًا، ولها نديمًا ولصباحاتها ومساءاتها صاحبًا حميمًا. واتصلت بيننا المودّة حتى كدت لا أعرف منها فكاكًا.

لا أتعب حين أذرع في غدي ما غاب منها عني في أمسي. أمضي إليها كما العاشق إلى امرأةٍ تهوى الهمسَ، وتُمعن المسافة بينكما في التلاشي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This