ثقافة النسيان والقطيعة: أين نحن من ذاكرتنا الفكرية؟ / فريد الزاهي

لا يمرّ موسم ثقافي في أوروبا وأميركا من دون أن تصدر مصنفات تتطرق بهذا الشكل، أو ذاك، لكاتب، أو شخصية ثقافية، من ماضي تلك الأمصار. إنها كتب ومصنفات تعيد للحاضر وللذاكرة وهج أسماء طاوَلها الصمت، وغلفتها أوراق الزمن اليابسة. وهي بتلك الإثارة والاستثارة تقوم بتحديث الذاكرة الثقافية، مقترحةً مقاربات جديدة، أو مستكشفةً، لعناصر حياتية، أو ثقافية، مجهولة. فالحركية الثقافية التي يساهم فيها المفكرون والمثقفون والمفكرون والصحافيون تعبر عن ضرورات تمتح منها المعرفة شروطها وديناميتها، وتنسج عناصر ومكونات تطورها. والقطائع التي تعيشها تلك الثقافات ليست ناجمة عن نزعات إرادية، ولا حتى عن حركات ثقافية راديكالية (حتى لو تعلق الأمر بمايو 68 في فرنسا، أو غيرها)، بقدر ما هي ناجمة عن البنيات الداخلية لتلك الثقافة نفسها، وعن صراعاتها الباطنية.

هل نحن ضحايا لثقافة النسيان؟
النسيان ليس دومًا أمرًا مذمومًا، إنه ضروري لتجدد الذاكرة ولحيويتها، كما يرى ذلك موريس بلانشو. بيد أن النسيان يمكنه أن يكون استراتيجية نابعة من مجموعة من العوامل التي تشد كيانًا ما إلى وضعية متحولة، لا ثوابت فيها، تكون المتغيرات فيها هي لحمة وجودها، وعصب كيانها. يرتبط النسيان بدينامية المحْو، وبأيديولوجيا الإنكار ورفض الاعتراف والتعرف

“لنتساءل: من يحيل منا اليوم لمحمد عبده، والكواكبي، وطه حسين، أو محمد مندور، أو غيرهم، لا إحالة المؤمن المثبّت لأفكارهم، وإنما إحالة الباحث المجدد للفكر العربي؟”
reconnaissance، وهو ما يميز الثقافات المنغلقة على نفسها، التي تركز ذاكرتها على مجموعة من الرموز والمكونات النصية والبصرية التي تخدم أيديولوجية سلطتها على نفسها وانغلاقها المكتفي بذاته. وقد يرتبط النسيان أيضًا، على الأقل في المستوى الثقافي العام، بالطبيعة الخاصة لثقافة ما، تكون في وضعية تابعة لثقافات مركزية أخرى، وفي الآن نفسه مشدودة لأصولها الثقافية. وذلكم، على ما يبدو، هو حال الثقافة في ربوع العالم العربي.
النسيان كما نتصوره هنا ونعاينه لا يمكننا بلورة صورته إلا من خلال آثاره. لنبدأ بتشخيصه حتى يتبدى لنا في الحقيقة التاريخية لفعله الإنكاري. ولنتساءل: من يحيل منا اليوم لمحمد عبده، والكواكبي، وطه حسين، أو محمد مندور، أو غيرهم، لا إحالة المؤمن المثبّت لأفكارهم، وإنما إحالة الباحث المجدد للفكر العربي؟ من منا يتحدث عن السياب، والبياتي، حتى؟ وأي منا يذكر اسم مؤسس الفلسفة في المغرب، محمد عزيز الحبابي؟ نحن، طبعًا، لا تهمنا هنا الإحالة، ولا الإشارة، في حدّ ذاتها، أو باعتبارها اعترافًا بالتسلسل التاريخي للهوية والمعرفة، وإنما باعتبارها راديوسكوبيا، أو تشريحًا لجنيالوجيا فكرية تنسج وتبني وتفكر في الآن نفسه المصائر التاريخية لهوية ثقافة معينة.
النسيان، إذًا، نتاج حركية ثقافية موجهة نحو الحاضر، أو بالأحرى نحو تزامن هذا الحاضر مع الزمن الثقافي والتاريخي الكوني. وهذه الاتباعية لا تعني بالضرورة أن تلك الثقافة في عملية نسيانها لذاتها تعيش وجودها التاريخي، وإنما فقط أنها تنسى صيرورتها التاريخية، لتعيش حاضرًا مطلقًا متجددًا باستمرار، وربما أيضًا أنها لا معالم طريق محددة ومرجعية لها يمكننا بها تقويم تطورها التاريخي. من منا يمكنه اليوم استعادة البعد النقدي (بالمعنى الفلسفي) لقراءة طه حسين العنقودية للشعر الجاهلي، أو قراءته التاريخية للإسلام في عزّ تكونه؟ من يتابع من باحثينا ومثقفينا قراءات هشام شرابي لبنية المجتمع العربي، وكتابات محمد عزيز الحبابي للشخصية الفكرية الإسلامية؟

بين محمد إقبال ومحمد عزيز الحبابي
الأكيد أننا نعيش سيرورة الإنكار في مناحيها وصورها المتعددة؛ لكننا أيضًا نعيش من جهة أخرى سيرورة نسيان الابتكار والجدة، كما عناصر الاستمرارية التي طبعت كتابات الأسماء التي أتينا على ذكرها. بيد أن المعضلة لا تكمن في موروث تلك الأسماء فقط، بقدر ما تكمن في نظرة مثقفينا وكتابنا، من حيث هي نظرة ساعية قُدُمًا إلى الأمام، ولا تدير نظرها إلى الوراء أبدًا (أو إلا في القليل النادر)، مهووسة بالراهن، ويخترقها مفهوم القطيعة أكثر من مفهوم الاستمرار الجدلي.
محمد إقبال

لكن، ما الذي يجعل مفكرًا تلقى تكوينًا فلسفيًا منطقيًا وضْعيًا حتى النخاع يستعيد إرث محمد إقبال، وسنغور، ليبني عليه تأويلًا جديدًا للقومية وللإسلام (الأمر يتعلق طبعًا بالسنيغالي سليمان بشير نداي)؟ في المقابل، يكون السؤال الذي لا يقل وجاهة عن سابقه هو: ما الذي يمنع

“لماذا حظي محمد إقبال بقيمة كبرى لم يحظ بها بضع عشرات السنين بعده، مثل محمد عزيز الحبابي، مع أنهما يلتقيان ويتقاطعان في العديد من القضايا”
مفكرين مغاربة، وعربًا، من أن يقوموا بمثيلٍ لهذه المقاربة المغامرة والخصبة مع مصلحين من قبيل محمد عبده، أو مع فلاسفة منسيين من قبيل محمد عزيز الحبابي؟ لماذا حظي محمد إقبال بقيمة كبرى لم يحظ بها بضع عشرات السنين بعده، مثل محمد عزيز الحبابي، مع أنهما يلتقيان ويتقاطعان في العديد من القضايا، ويسعيان إلى تجديد الفكر (والفكر الإسلامي) بمزيج باهر من الفلسفة والاعتقاد؟ فهما معًا يمتحان من فلسفة برغسون، ويدعوان إلى الفردية والحركية والتحرر، مع ما يطبع مقاربتهما من اختلاف. وهما معًا يتناولان الإسلام بنظرة متحررة و”تقدمية” يمكننا بها اليوم محاربة كل التصورات الاختزالية والجهادية للإسلام.

امتدادات النسيان الثقافي
هذا المثال الأنموذجي (الإشكالي في عمقه) الذي سقناه هنا يؤسس في الحقيقة لشبكة من العلاقات الثقافية المبنية والخفية التي تتحكم في تمديد أجل فكر أو مفكّر والتي تصوغ من ثمة أنماط حياة مفكر أو مجموعة أو تيار فكري وتجدّدها في الحقل الثقافي العربي. وتتمحور

“انتبه محمد إقبال، كما الكواكبي، ومحمد عبده، وجبران، ومحمد عزيز الحبابي، وغيرهم، بشكل كبير إلى خطورة الجمود والعودة الارتدادية لذاكرة تمحو كل أثر للتطور والدينامية والتجدّد”
الحلقات الأساس لهذه الشبكة في القضايا الثقافية ذات الصلة بالعقيدة (مصطفى محمود، ومالك بن نبي، مثلًا)، أو تلك التي لها علاقة بقضايا خارجية مصاحبة لحداثتنا، كمسألة الغرب مثلًا (إدوارد سعيد)… أما باقي مفكري ذاكرتنا الثقافية العربية، مهما سما نجمهم وسطع، فإنهم يظلون في أحسن الأحوال يدورون في تلافيف البرامج المدرسية والجامعية يغذونها بوجودهم، وفي غالب الأحيان في غياب قراءات تحيّن مقولاتهم وأفكارهم ومفاهيمهم.
لقد انتبه محمد إقبال، كما الكواكبي، ومحمد عبده، وجبران، ومحمد عزيز الحبابي، وغيرهم، بشكل كبير إلى خطورة الجمود والعودة الارتدادية لذاكرة تمحو كل أثر للتطور والدينامية والتجدّد. وبعدهم تجد العديد من المفكرين العرب، كمحمد عمارة، وحسن حنفي، وغيرهما، ينطلقان من الأسس نفسها، وبأسلوبهم الخاص. وفي المقابل، تجد مفكرين آخرين، كأدونيس، وهشام شرابي، وعبدالله العروي، وعبدالكبير الخطيبي، يدعون إلى هذه الدينامية كل بطريقته، بعيدًا، أو على الأقل وبمسافة معينة مع الفكر الديني. وهكذا، فإن الرهان يكون هنا ثنائيًا، ويصوغ الحضور والاستحضار والذاكرة بحركة مزدوجة تُجاوز بشكل جذري ثنائية العقل والنقل والأنا والآخر، أي تتفادى تبني الهوية البدائية التي تقوم عليها كافة أشكال السلفية (المعتدلة منها والمتشددة والجهادية).
إنها حركة يقظة إزاء الذات والثقافة والذاكرة والآخر. وهي يقظة نقدية تبتغي القبول والنقد المزدوج للذاكرة والحاضر وللأنا والآخر، والانتباه لتجليات التحول التي تحملها الهوية في اتجاهها نحو المستقبل، كما في عودتها للماضي. حينها لن يجد المثقف العربي نفسه أمام تقاطعات تفرض عليه اختيارات، بقدر ما سيقف أمام الماضي والمستقبل في اللحظة نفسها، والحركة ذاتها، التي لا تفكك التناقض، أو التعارض، بقدر ما تخلق الجسور والمسارب والمسالك. وتلك منفتحات يلزم استكشاف مؤدياتها، والانغمار في ما تمنحه للفكر العربي المعاصر من فرص لإعادة بناء الذات، وإعادة استكشاف ممكناتها الهائلة.

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This