كلود ميكيل: أنا وريثةُ لانغدوك والشرق العربي جزئيًا / بوعلام رمضاني

حَظِيَتْ الفنّانةُ التَّشكيليةُ، كلود ميكيل، مرَّتين في حياتها بشكل تحسد عليه. كان حَظُّها الأول، حِينَمَا وُلِدَتْ في بيتٍ دَخَلَتْهُ الرُّوح العربية التي استَنْطَقَها والِدُها المُستعرِب الكبير، أندري ميكيل (92 عامًا)، الذِّي تُرجم “ألف ليلة وليلة”، و”كليلة ودمنة”، وأشعار السِّياب، وَقبلُه شُعَراء الجاهلية. هذا الحظّ الذي شَكَّل لاوَعيها طِفْلَةً فِي عُمر الزهور، انعكس بِروعة في عددٍ غيرِ قَليلٍ من لَوحاتها البديعة. حظِّها الثاني كان مع المفكرِ الاجتماعي الكبير الراحل بيار بورديو (1930 ـ 2002)، الذي كَتَبَ عن إبداعها مُخْتَزِلًا أَصَالَتَها الفنية بكلماتِ القارئ غَير العادي لمُختلف مُستويات وأَساليبِ وَتَعابيرِ الفَنَّان التشكيلي الأصيل.
في هذا الحديث الذِّي جَمَعَنَا أَمَام إِحْدَى لَوحَاتِها المُعلَّقَة فِي مكْتَبِ وَالِدِها، يَكْتَشِفُ القَارئ فَنَّانَةً تُبْدِعُ عَلى الحَرِير بِشَكْلٍ مُبْهِرٍ.
(*) لَأَنَّني لَم أَقْتنِع بِتَفْسيرَكِ لاستعمالِ الحَريرِ كَمادَّةٍ لِلرَّسمِ بَعْدَ قِراءَتي سَيْرَتَكِ الفنِّية، أَسأَلُك في البداية: إلى أيِّ حدٍّ يُمْكِنُ تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِطُفُولَةٍ وَبِذِكْرَيَاتٍ وَبِمُحِيطٍ عَائِلِّي حَمِيمِيّ، فَضْلًا عَنْ عَوامِلَ مَوْضُوعيَّةٍ أُخْرى أَجْهَلُهَا من دون شَكٍّ؟
عَرَفَتْ السَّبعينيَّات اهتمامًا فَنِّيًا بالحريرِ مِن مُنْطلقٍ تَقْليديّ، وَخِلافًا لبعضِ الصَّديقاتِ اللَّاتي تَرَكْنَ هذه المَّادةِ، بَقِيْتُ أَرسُمُ على هذهِ المادةِ التي اختارتني ولم أخْتَرْهَا في واقعِ الأَمْرِ، كَما سَنَرَى. مِن جِهَةٍ أُخْرى، لم أَكُن مُرتاحةٌ وَأَنَا أَدْرُس التِّقنيَّات الأُخرى، وَوَجَدْتُ ضَالَّتي فِي

“استقبال بيار بورديو لي في بيته عام 1985، للاستماع إليَّ، كانت ذِكرى خاصَّة فِي حياتي. ويومَها لمْ أَجِدْ الكَلِمَاتِ للتَّعبِيرِ عنِ الثَّنَاءِ الذَّي تَقدَّم به نحوي”
الرَّسمِ عَلَى مادَّةِ الحَريرِ، التِّي أَخَذَتْ لُبِّي وَسَكَنَتْ وُجْداني إِلى دَرَجَةٍ ترَكتْنِي أَستَمِرُّ فِي اسْتِنْطاقِهَا فنيًّا حتَّى هذِه السَّاعة. تَأَثُّري بِالشَّرقِ حَقِيقَةٌ تَاريخيةٌ مُلازِمَةٌ لمَسارٍ إِبداعيّ مَن البِداية، واستِلْهَامِي تُراثَ الهِندِ والنِّيبال وأَفْغَانِسْتَان يُفسِّرُ البَصَمَاتِ الوَاضِحَةِ فنِّيًّا في كَثِيرِ مِنْ لَوَحَاتي، وفي حَياتي الخاصَّة، كَطِفْلَةٍ كانت تُحِبُّ ارتداء تنورة ومعطفًا أفغانيًا صُنِعَ بِجِلْدِ مُوتلي، وَتُزَيِّنُ غُرفتها بِدُمَى مارايانا، وَتُشْعِلُ أَعْوادَ البَخُورِ. حُبِّي للحريرِ، وَسيْطَرَتي الكَاملة على الرسم عليه، لَمْ تَمْنَعْنِي من استعمال وَسائِلَ تَعبيرية أُخْرى، مِثلَ “الغَواش”، و”الكُولاج”. أخيرًا، وليسَ آخِرًا، أُضيفُ رَدَّا على الشِّقِّ الخاص بِعَامِلِ الذَّاكِرة في سُؤالِكُم، أنَّ الحَرِيرِ يَرْبِطُنِي بَعَزِيزٍ فَقَدْتُهُ، وَاسْمَحْ لي أَن لاَ أَقُولَ أَكْثَرِ عَنِ الوَطْأَةِ النَّفسيَّةِ لِهَذا العامِلِ الذِّي انعكس جَلِيًّا في لَوَحاتي.

(*) هلْ كَانَ مَعْرَضُك في شَنغهاي ناجِحًا، ومُفاجَأَةً سَارّة للصِّينيين الذِّينَ اكتشفُوا فنَّانَةً تَشكيلية تَرْسُمُ على الحرير؟
بِصراحة، لا.. لَمْ أُخَطِّط لِعَرْضِ أعمالي في الصين بهدفِ التَّعريفِ بِتَجْرِبتي وَبَيْع لَوحاتي، وَجَاءت الفُرصة إِثْرَ اقتراحٍ بادرَتْ بِهِ المسؤولَةُ التي كانت تَرْعَاني بِمُناسبةِ المعرِض العَالميّ. المَعرض كان كَارِثَةً حَقِيقِيَّة، بِسبَبِ سُوءِ التَّنظيمِ، وعدم التَّحضير لَهُ إِشهاريًّا، الأمرُ الذِّي تسبَّبَ

“حُبِّي للحريرِ، وَسيْطَرَتي الكَاملة على الرسم عليه، لَمْ تَمْنَعْنِي من استعمال وَسائِلَ تَعبيرية أُخْرى، مِثلَ “الغَواش”، و”الكُولاج””
فِي غِيابِ الجُمهور. وَمَوضُوعيًا، لاَ يُمْكِنُنِي أَخْذَ إِعْجابِ مَسؤولَةِ القاعة الصِّينِية كَمِعْيارٍ لَتَصَوُّرِ مَدَى إِعجابِ الصِّينيين بِأَعمالي لوْ تَمَّ التَّحضِير للمعرض كما يَجِب. وَمهما يَكُن مِن أَمرٍ، فإنَّ جُمهُورَ مَعرضِ اللَّوحاتِ التَّشكيليَّة يَبقَى قَلِيلًا في العالم، إِلاَّ في حالاتٍ خاصة. زِيارَتي للصين التِّي تكلَّلَت بالفشل فنيًّا للسَّبَبِ المذكورِ، كانتْ فُرصةً لِي وَلِزَوْجِي لاكتشاف سِحْرَ هذا البَلَدِ العَظِيمِ وَالغَنِّي بِتَقاليدٍ حَضاريَّة مُبْهِرَة، وَمَا زِلْتُ أَحْتفِظُ حتَّى هذِه السَّاعة بِصُورَةِ الجَّدَّة التّي أَهْدَتْ حَفِيدَتَها آيس كريم، أو مُثلَّجة، أَثْنَاء وُقُوفِها فِي طابورِ الدُّخول إِلى المَعرض العالمي. كما أنَّ زِيارَتي لعددٍ مِنَ المتَاحِفِ أَكَّدَتْ لي صِحَّةَ تَمَسُّك الصِّينيين بَتقاليدِهم العَريقَةِ. خِلافًا لمعرَضِي الذِّي لَمْ يُحَقِّق هَدَفَهُ فِي الصِّين، لِسَبَبٍ لاَ يَتعلَّقُ بِإبْداعِي، كَمَا أَسلفْتُ الذِّكر، تَمَكَّنْتُ مِن التَّعويضِ فِي هُولندا التِّي لاقى فِيها مَعْرضي إِقبالًا كَبيرًا، وَلَمْ يَكُنْ الحَرِيرُ الغَرِيبَ عَلَيهِم عَقَبَةً في وُجُوهِهِم لاستحسان تَوظِيفِي للمَادَّة التِّي عَرَفَتْ طَرِيقَهَا إِلَيْهِم يَومًا مَا!

(*) الشَّرقُ العَرَبِّيُ حَاضِرٌ هو الآخر فِي إبداعِك أيضٌا بِشَكْلٍ لافِت، عَبْرَ لَوْحَتِي “المحراب”، و”النافورة”، في وجه خاص. كَيْف تَتحَدَّثِين في هذا السياقِ عَنْ تَأْثِيرِ عَامِل التَّرْبِيَّةِ فِي إِبداعِكُم مِنْ خِلال وَالِدِكُم المُستعْرِب الكَبِير الذِّي عُرِفَ بِدِراستِه للشِّعْرِ العَربي القَدِيم وَبِتَقْدِيمِهِ للفِرَنسيِّين؟
نعم، هذا صحيح. “تَطفَّلْتُ” ـ إِن صحَّ التّعبير ـ (نَطَقَتْ بِالكَلِمَةِ ضَاحِكة) على اختصاص أبي الذِّي قُمْتُم بالتَّعْرِيفِ بِهِ أَكْثَرَ فِي العالم العربي والإسلامي عبر مَنْبَرِكُم الثقافي الهام والنوعي. إضافة إلى اللَّوْحَتَين اللَّتَينِ لَفَتَتَا انتِبَاهك، هُنَالك، أَيضًا، لَوحة “عُقْبة” التِّي تُضاف إِلى سِلْسِلة

“أبي أكثرُ من بصمةٍ. إنَّهُ سِلسِلَةٍ من بصماتِ إنسانٍ تقَاسَمَ الحيَاةَ مع والدةٍ سَاهمتْ هِي الأُخْرَى في صُنْعِي، وَفي تَكوينِ شَخصيَّتي”
مَصَادِر التَّأْثِيرِ النَاتِجِ عَن ذاكِرَتي كَطِفْلَة عَاشَت مَعَ أَبِيهَا فِي سُوريَة وَمِصْرَ وَإثيُوبيا، ثُمَّ لاحقًا كَزَوجة لِرَجُلٍ مُولَعٍ بِالثَّقَافة وَالفُنُونِ، وَالذَّي سَافرْتُ معه إِلى عَددٍ كَبيرٍ مِن البُلدان العربية والإسلامية، مِثلَ الأردن، وتركيا، وتونس، والمغرب، وغيرها من البلدان الحضارية مثل اليونان، وأُخرى تُحيطُ بالبحرِ المُتَوسطِ الذِّي أَلهَمَنِي كَما لاَحَظْتَ مِنْ خِلاَلِ الأَلوانِ التِّي أُوَظِّفُهَا بِدِقَّةٍ وانسجامٍ للتَّعْبِيرِ عَن حالةٍ فنيةٍ مدروسةٍ، وَلاَ أَدَلَّ عَلى ذلك استعمالي اللَّونَ الأَصفر الحيِّ، مِن خِلاَلَ رَسمِي محرابَ مَسْجِدٍ مُتَوَهِّجٍ بإنارةٍ ساحرةٍ. فِي واقعِ الأمرِ، رَسْمِي للمحرابِ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَسارٍ وَلعِي بالهندَسَةِ المِعْمارية الحضريَّةِ وَالدِّينيَّةِ فِي الوقت ذاته. هذا المنحى، أدى بي إلى زيارةِ الكنائسِ والمساجدِ والمعابدِ، ليسَ كَمسيحِيَّةٍ ومُؤمِنَةٍ فحسب، بل كمُبْدِعَةٍ ومُواطِنة عالمية مولَعَة بْكُلِّ ما هو مُعَبِّرٍ وَجَمِيلٍ وَخَاصٍّ في كل أنواعِ المعمارِ والحضارات والأديان. كلَّ لوحةٍ فِي أَعمالي تُعدُّ وَقفةً عِنْدَ الزَّمانِ وَالمَكَانِ، وَتدخل لَوحَاتِ “البُندقيَّة في الشِّتِاء”، و”نيويورك باريس شنغهاي”، و”أوروبا الوسطى”، ضِمن هذا المنظور.

(*) بصماتُ الوالدِ المستعربِ والديبلوماسي الثَّقَافي لاحقًا أكبرَ وأقوَى من ذلك. إنَّهُ الوالد الذي منحَكِ سعادةً مبكِّرةٍ في مسقطِ رأسك بمنطقة أوكستاني، أو لانغدوك (الواقعة جنوب شرق فرنسا)، التي نَجِدُها في لوحة “بانيولس”، فضلًا عَنْ تَرَعْرُعِكِ على إيقاعاتِ الحياةِ العربيَّةِ والأفريقية في سورية ومصر وإثيوبيا؟ ماذا يَعنِي ذلك اليوم وأنتِ التي تَسهرِينَ على والدُكِ المُسِنُّ بعد رحيلِ والدَتُك قبل حوالي عامين؟
أبي أكثرُ من بصمةٍ. إنَّهُ سِلسِلَةٍ من بصماتِ إنسانٍ تقَاسَمَ الحيَاةَ مع والدةٍ سَاهمتْ هِي الأُخْرَى في صُنْعِي، وَفي تَكوينِ شَخصيَّتي، وهُما اللذان رَبَّياني على حُبِّ الطبيعةِ، وعَلى كلَّ ما هو جَميلٌ، منذُ نُعُومة أظافري. فعلًا، تربَّيتُ جُزئيًا في أحضان ألوانِ الشرقِ، كما تَعرف. وأتذَّكرُ حتَّى اليوم سريري المصنوع من قماشٍ يَنطقُ بألوانٍ زاهية، وتنقُّلي معَ أمِّي في أسواقِ القَاهِرة، ودِراسَتِي في الثانوية الفرنسية في المدينة نفسها. وللأسف، لا أتذكَّرُ شيئًا عَن طُفُولَتي في إثيوبيا، لأَنَّني كنتُ صغيرةً جدًّا.
أندريه ميكيل وابنته كلود

معَكَ حقٌّ في ربطِ العلاقةِ القويِّةِ بينيِ وبينَ مِنطقة “لانغدوك” البديعة التي ترعرعتُ فيها، ثم في مونبولييه لاحقًا في كنَفِ حبٍّ عائليٍّ كبير. أتَقَاسَمُ مع أبي حبَّ “لانغدوك”، في وجه عام، ولكن أَحتفِظُ في الوقتِ نفسه لنَفْسِي بمصادرَ تأَثُّرٍ خاصَّةٍ بحساسيَّتي الشخصية. أَبي يُحبُّ حَجَرَ الكِلس والمغارات والأزقة الأثرية والينابيع المائية. من جهتي، أحب البحر والماء والملح والبِرك والبُيوتَ الخَشَبية الصغيرة، والأفقَ، وأُحِبُّ، أَيضًا، أنْ أكُونَ سَمَكة.

(*) وَلهذا أَفردْتِ لَها لوحةَ كاملة..
نَعم. إذا سمحتَ، أضيفُ أنَّ طُفولتِي في “لانغدوك” حيَّةٌ تُرزَقُ أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مضى، وَلوْحَتِي (كارنو بلاج، أو شاطئ كارنو) هيَّ اللوحة الأكثرُ تعبيرًا عن ذاكرةِ طُفولَتي من لوحة (بانيولس). إنَّه الشاطِئ الذِّي أَقْضٍي فيه عُطَلِي الصَّيفية منذُ خَمسِينَ عامًا، وَتَتَردَّدُ عَليه بَناتي اليوم. في المُحصِّلة، أنا ورِيثةُ “لانغدوك” فنيًّا، والشرق العربي، لكن بدرجةٍ أقلّ بكثيرٍ كَما تَرى.

(*) لاحظتُ، أيضًا، أنَّ الموسيقى تحتلُّ مكانةً أُولى في حياتِك الفنيَّة، ولا أَدلَّ على ذلك ارتباطها بكثير من لوحاتك. هَل لأنَّ العلاقة بين الفُنونِ التَشكيلية والموسيقى مباشرة من منظور التَّناغُم الفني المطلوب في حالتك بوجه خاص؟
تُعدُّ المُوسيقى فِي تقديري أسْمَى فنٍّ على الإطلاق، وليس من السهل التعامل إبداعيًا معها مقارنةً بلوحةٍ بيضاء ما. مُجدَّدًا، أعودُ إلى تَكرِيمِ والديَّ اللذَينِ ربَّياني مع أَخِي على إيقاعِ الموسيقى الكلاسيكية، وكان في إمكاني العزْفَ على البيانو أكثر لولا تِرحالِنا من بيت لإلى آخر.

(*) اللّون الأزرق حاضرٌ بقوَّةٍ في لوحاتِك بطريقةٍ مُتناسِقة ولافتة. هل هذا اللَّون هو نتاجُ تربيَّتِكِ أيضًا، أَمْ أنَّ بُروزَهُ يُفَسِّرُ بِعَامِلٍ آخر، عِلمًا أنَّكِ تَسْتَعمِلِينَ عِدةَّ أَلَوانٍ زاهية أُخرى بشكلٍ مُتَوَازنٍ؟
لا أعتقدُ أنَّ مُلاحَظَتُك تَنْطَبِق على أعمالي حاليًا. اليوم أستعمل أكثر البنفسجي والوردي والأرجواني. الجمهور الذِّي يعرفُني وَيُتابع معارضي، يُلاحِظُ أنَّني أستعملُ هذه الألوانَ حسبَ الحالاتِ النَّفسية بشكلٍ يتراوحُ بينَ الحيويَّةٍ والنُعُومة، وَوُجودِ اللَّونِ الأَزْرَق في لوحَاتي في فترة سابقةٍ، لاَ يُفسَّرُ إلاَّ بذاكِرَتِي التِّي حَدّثْتُك عنها، وتأتي هذه الألوانُ وأنا في الورشةٍ بِتلقائية، وليسَ بسابقِ تخطيطٍ، أو وعيٍ، وَتفْرِضُ نَفْسها في كثيرٍ من الأحيانِ بصورةٍ غيُر مُنتَظَرة على الإطلاقِ، الأمر الذي يؤكِّدُ دورَ اللاشعُورِ.

(*) يمكنُ القولَ إنَّ النزعةَ التَشْخِيصِيَّة قد ميَّزَتْ مرحلةً أُولى كاملة قبل تحوّلَكِ إِلى التَّجْريدية لاحقًا. لمَاذَا هذا التَّغَيُّر، علمًا أنَّكِ بَقَيْتِ تَرْسُمِينَ بَشكل تَشْخِيصِي، وَهلْ لِلتَّجْرِيدِ علاقة بالكآبة الزاهية التي تحدَّثَ عَنهَا العَالم السوسيولوجي الكبير الراحل، بيار بورديو؟
لمَ أُقْسِم أَنَّنِي لنْ أَرْسُمَ بِشكلٍ تَجْرِيدي يَومًا مَا، وَأحْبَبْتُ التَّنَقُّلَ بِوعْيٍ إِلَى هذا الشكل الذّي يُعَبِّرُ بِدوره عنْ مَا يختلِجُ فِي أَعماقي. أُحِبُّ العَمَلَ علَى هامش التّشخِيصِ المُبَاشر، وَتِمْثِيلِ بَعضِ الأشياءِ من دونَ رَسم، مِثلَ بيتٍ، وآلة موسيقية، وكِتاب، هو ما أُسميه بـ”التلميح التجريدي” الذي يَنْطِقُ بِشيءٍ من دونَ الكشف عن كل المكنونات. التجريد ظهَرَ في حياتي الشخصية بعدَ تقاعُدي المِهَني بَعدَ نَظْرَةٍ فِي المرآة الخلفية. هل عبَّرَ هذا التَّحول عَن إِحساسٍ مُسبقٍ بِمَوْتِ عَزِيزٍ قَرِيب؟

(*) لاحظْتُ، أَيضًا، أنَّكِ عَرَضْتِ أَعْمَالَك في فَضاءاتٍ نَخْبَوِيَّةٍ وَشعبيةٍ عامةٍ، مِثْلَ المستشفيات، ونوادي الطلبة. هلْ هِيَ الحاجةُ التِّي دَفَعَت بكِ إلَى ذَلِكَ، أَمْ أَنَّهُ اختيارٌ مُتَعَمَّد للوُصولِ إِلَى أَوْسَعِ الشَّرَائِحِ الاجتماعية بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ الحَاجة؟
باختصار، أقولُ إنَّنِي قَرَّرْتُ فِي سِنِّ العِشرينَ عَدَم الاعتمادِ على لوحاتي لكَسْبِ لُقْمَةَ العَيْشِ،

“أُحِبُّ العَمَلَ علَى هامش التّشخِيصِ المُبَاشر، وَتِمْثِيلِ بَعضِ الأشياءِ من دونَ رَسم، مِثلَ بيتٍ، وآلة موسيقية، وكِتاب، هو ما أُسميه بـ”التلميح التجريدي””
وَبِالتَّالي التنَازُل عَن حُلُمِي، والاقتصار على معرضٍ واحدٍ في السنة. انطلاقًا من هذه الحقيقة، كان عليَّ انتهازَ كلَّ الفُرَصِ المُمْكِنةِ لعرضِ أعمالي، واستطعت بفضلِ إبداعي واجتهادي أن أَظْفَرَ بثِقِةِ مسؤولي الأروقة والمعارضِ، فكُنْتُ مِن بينَ اللَّاتي تم اختيارُهُنَّ للمشاركة في صالونات هامة ومعروفة. اليوم، أنا سعيدةٌ بعرضِ أعمالي أمَام جمهورٍ عامٍ وآخر خاص مُطَّلِع علَى الفُنُونِ التشكيلية، وشخصيًّا لا أُفَكِّرُ في جِهَة ما للعرض، ولا في اسم مُعَيَّنٍ أَثْنَاء تَواجُدِي وَحيدة في ورشَتِي. الأرضُ وَحدَهَا، وَكُلَّها، تَهُمُّني كَمَصْدَرٍ للإبداع وللإلهام المتعدد الأوجه.

عالم الاجتماع الراحل بيار بورديو

(*) أَخيرًا، لا أعتقدُ أنَّ شهادةَ المفكِر السُوسيُولُوجي الراحل، بيار بورديو، لم تترك أثرًا خاصًا في مشوارِك الفنِّي، وهو الذِّي كَتَبَ عَنْكِ يقُولُ مُعْتَرِفًا بهويتك الإبداعية القائمة على تأَثُّرٍ بِكُلِّ من كليمت، وبراك، وكلي (klimt وbraque وklee): “تقليد كلود يُصبِحُ احتفالية بشيء ما، وبطريقة تُعيدُ ابتكار عَالَمٍ وَأُسلوبٍ. في كل لوحاتها، نجدُ التَّمْجٍيد نفسه الغنائي للحياة، بكتمانٍ حارٍّ وَمُتَفَجِّرٍ في الوقت نَفسه، وَبِسِحْرِ وِحْدَةِ الوجودِ التِّي تُمَثِّلُها الرُّسوماتِ المُقدَّسَةِ والفُسَيْفِسَاء البيزنطيّة والأَمويَّة. آهٍ مِنْكَ أيها الشَّرقُ الغنِّي والبارعُ والدقيقُ والناطقُ بفَنِّ الرَّسْمِ عَلى الحرير المُتوَتِّرِ وَالمُتَّسِعِ، والذي يَنْزِلُ عَلى العَيْنِ كمَطَرٍ ذَهَبيٍّ”.
كيف لا يمكنُ أنْ أَتَأَثَّرَ بشهادتِهِ التِّي تُثْبِتُ أَنَّنِي صَاحِبَةُ أُسْلُوبٍ خاصٍّ بِي، وَأَقُولُ ذلك، لأَنَّ

لَيْسَ كلَّ فنَّانٍ – وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَن تَوَجُّهِهِ – يَحْلُمُ بِشهادةِ بيار بورديو في اعتقادي المتواضع. ذكرى استقبالي في بيته عام 1985، رفقَةَ زَوْجَتِه، للاستماع إليَّ، كانت هِي الأُخرَى ذِكرى خاصَّة فِي حياتي الفنِّية، ويومَها لمْ أَجِدْ الكَلِمَاتِ للتَّعبِيرِ عنِ الثَّنَاءِ الذَّي تَقدَّم به نحوي. شهادة بورديو ستبقى محفورةً في قلبي وعقلي حتى آخر يوم من حياتي، لأَنَّها تُمثِّل أَجْمَلَ اللَّحظاتِ الشَّخصية التي عِشْتُهَا. شَكَرْتُه، وَلَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ شُكْرِه كما يَجِبْ.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This