هكذا تخلّصت من جسد أبي

شيء من الرعب والفزع تملكني وأنا أرى هذا الرجل، يتجرأ بتهور ملحوظ على تجاوز اللمس بالعين إلى التحرش بالكتابة عن جسدي الخاص المسيج ذكوريا إلى درجة إلغائه من الوجود، كما يزعم ويقول، بتصورات فجرتها اضطرابات الجسد الأبوي المكبوت الذي ترزح المرأة تحت ثقل وطأته القهرية، إلى حد الكراهية لنفسها وجسدها وللآخر إزاء أي تفاعل عاطفي أو جنسي. ذكرني هذا بالخوف نفسه الذي هز كياني، وزلزل أعماقي وأنا أرى معتقداتي الإيمانية تترنح وتسقط تباعا كمتخيل تاريخي، فضحته مشرحة المعرفة، وأدوات النقد، لا أقل ولا أكثر، في اعتقاد قوامة الرجل ووصايته علي بأمر من الله، لما في الطبيعة من حكمة إلهية تعجز عن إدراكها عقول الخلق. كنت وأنا أتوغل في صفحات “الحريم السياسي”[1]، في حالة من الرعب والصراع العنيف الذي كنت أخوضه بشكل أعزل في أولى خطواتي للتخفف من العبء الموروث، والتخلص من جلد أبوي تلبسني منذ الولادة أو قبل ذلك بكثير. فتتالت الضربات علي بين الخوف من سقوط إيماني الموروث أبا عن جد، وبين فتح باب الحكاية المحظور على النساء، على أن الحكاية ليست إلا لعبة سردية بنتها شوكة سطوة القهر، وغلبة مفروضة بالعنف، لا أقل ولا أكثر كما يقولون. هكذا عرفت كيف كانت دوائر النساء تضيق مع الزمن، من مرحلة لأخرى، ومن حكم لآخر على مر القرون. رأيت كيف كانت تضيق مساحات الفضاءات والمجال العام، وهي تزداد انحسارا وضيقا إلى أن تم وأد المرأة في الحجاب وهي حية ترزق. كما عرفت كيف كان القهر يزداد تصلبا وعنفا في الرؤى والأفكار والعلاقات والدلالات الى أن أعدم المعنى، فضاعت حياتي هدرا بين جدران ثابتة أو متحركة. هل حقا كنت فتنة أو عدوى أو لوثة قبيحة كمال قال رجال الدين، الحراس الأشاوس للخطيئة المنبثة في جسدي؟ أم أن الأمر يتعلق بالتستر على هواجس وحشية جسدهم الملهوف؟

هكذا وجدت نفسي متورطة وعلى حافة الموت، ولا يمكنني التوقف أو الرجوع الى الوراء. فإما أن أولد من جديدة، أو أكون من أهل الأهواء والبغي. فبين صفحات ” سلطانات منسيات”[2] كانت ترميني منارة لأخرى وأنا لا أبغي في هذه الحياة الدنيا غير نزع هذه الأقنعة الدونية التي تلبستني وحالت بيني وبين أن أكون وأصير. وللحقيقة أقول كانت فرحتي عارمة وأنا أشهد بكل جوارحي النبض الحي الذي اعتراني على صورة فرحة لا تخلو من الدهشة في قدرة النساء على الحكم، وليس فقط في ضبط الرجال. لكن الألم كان يخنق فرحتي كلمات اعتلت الأسئلة الملعونة شاشة القلب والرؤية، وهي تقول في تحد سافر، كيف استطاع الرجال قهر النساء وإرجاعهن الى الأقفاص مرة أخرى؟. رغم قسوة رعب الأسئلة وجدت في منعطف ” بلا حشومة”[3] ما يشد بيدي ألا أخجل من نفسي في عيش حياتي كما أريد بعيدا عن سطوة مكارم الأخلاق الكاذبة، خاصة وأنني تعرفت المأساة التي يعيشها “البغاء أو الجسد المستباح”[4] في خنوع وخضوع وقهر النساء في قبول قوامة وكر الدعارة الزوجية لما يقدم لهن من طعام…، كآلات لتفريخ الأطفال الأبرياء.

وها أنتم الآن ترون هذا الرجل يضعني وجها لوجه بين أن أنزع جسدا ذكوريا، ليس لي، يا ما كرهته، وأنعم بالحياة، وأنا أتخفف من ضغينة تلبستني على مر القرون، وأتعرف طريقي في الخلاص، وبين أن أواصل هذا الانكار للواقع كالنعامة خوفا من عري وهمي من سقوط قناع ذكوري شوهني جسدا وروحا.

هكذا مع بنيان الفحولة[5] تعرفت طريقي كمواطنة، ونزعت الخوف الذي اعتراني في هذا اللقاء العنيف، من لعن جسد ذكوري مسخ حريتي وكرامة مساواة إنسانيتي لباقي البشر.

******

[1] فاطمة المرنيسي الحريم السياسي

[2] فاطمة المرنيسي سلطانات منسيات

[3] سمية نعمان جسوس بلا حشومة

[4] فاطمة الزهراء أزرويل البغاء أوالجسد المستباح

[5]رجاء بن سلامة بنيان الفحولة بحوث في المذكر والمؤنث

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This