“العربية ورهانات التدريج”.. تهافت الاستبدال / نجيب مبارك

 

يعدّ الأكاديمي والمترجم المغربي، سعيد بنكراد، من أبرز المتخصصين في السيميائيات في العالم العربي. فقد نشر عشرات المؤلفات في هذا المجال حتى الآن، نذكر منها: “وهج المعاني: سيميائيات الأنساق الثقافية” (2013)، و”النص السردي: نحو سيميائيات للأيديولوجيا” (1996)؛ وعددًا من الترجمات، منها  رسالة في التسامح” لفولتير (2015)، و”دروس في الأخلاق” لأمبرتو إيكو (2010)، و”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” لميشيل فوكو (2005). وهو فضلًا عن كونه أستاذًا للسيميائيات في جامعة محمد الخامس بالرباط، أسس مجلة “علامات” المتخصصة في الدراسات السيميائية، وهو مديرها المسؤول. وعن منشورات هذه المجلة، أصدر مؤخرًا كتابه الموسوم بـ”العربية ورهانات التدريج” (عدد خاص 1، 2020). وهو بحث في ستة فصول، يتناول القضايا الخاصة باللغة عمومًا، وباللغة العربية ورديفاتها اللهجية على وجه الخصوص. وفي هذه الدراسات، يؤكد فرضيات أكثر مما يصوغ أخرى جديدة، وكل ذلك في سياق سجال كبير يعرفه المغرب، خصوصًا في السنوات الأخيرة، حول ضرورة تبديل العربية المعيارية باللهجة المحلية.

 

اللغة: الهوية الثقافية والوحدة الوطنية
يشير بنكراد في الفصل الأول، الذي حمل عنوان “اللغة، الهوية الثقافية والوحدة الوطنية”، إلى أن اللغة هي عماد كل انتماء ثقافي، والعالم الذي نُقذف إليه رُضَّعًا يُبنى في اللغة. فهي نافذتنا على العالم، وهي التي نتعلم من خلالها كيف ننتمي إلى ثقافة بعينها. ومفهوم “الهوية” ذاته

ليس دالًّا على خصائص فسيولوجية، أو نفسية، تتميز بها هذه المجموعة عن تلك، بل هي حالة ثقافية تنتشر في كل تفاصيل الحياة، ذلك أن الهوية ليست سوى ذاكرة بمضمون قيمي ممتد في زمنية ولَّت إلى الأبد، واجهتها الأساسية هي اللغة، لكنها تتضمن حالات الانتماء، وممكنات الفعل الاستقبالي، في الوقت ذاته. فلا العرف، ولا الدين، ولا القناعات الأيديولوجية، تشكل أساسًا صلبًا يمكن اعتماده في تحديد ما يصنف ضمن “هوية” يتميز الفرد داخلها من خلال انتمائه إلى الجماعة، لأن اللغة هي النافذة التي نستحضر من خلالها ما خزنته الأمة في تراثها المكتوب، أو الشفهي، وإن خروجها من التداول، أو موتها، معناه حرمان الذات من كل ما يربطها بماضيها، أي حرمانها من ذاكرتها.
لا شك أن بعضهم في المغرب يفتعل مواقف لا وجود لها في الواقع، بدعوى الدفاع عن الهوية الوطنية والوحدة الثقافية، من قبيل الادعاء بأن هناك حربًا تخاض ضد الدارجة، وأن هناك من يقف في وجهها ويمنعها من القيام بوظيفتها العلمية، بل يتحدث هؤلاء عن الدارجة باعتبارها “اللغة الوطنية غير الشرعية” (هكذا). من دون تحديد ضحايا هذه اللغة “المنبوذة” التي يتكلمها كل المغاربة، ويكرهها دعاة اللغة المعيارية. وهناك من ذهب أبعد من ذلك، ونحت مفهوما جديدًا صُنفت ضمنه فئة جديدة من المغاربة أطلق عليهم “الداريجوفونيون”، وهم غير العَرَبونيين والفرنكفونيين، إنهم مواطنون مغاربة جدد اختاروا عن وعي وإرادة أن يتكلموا لغة مغربية مستقلة هي “الدارجة”، على غرار العربية والفرنسية. ولا شك أن الجميع يعرف أن معظم المغاربة يستعملون هذه الدارجة من دون أيديولوجيا، ومن دون أحكام مسبقة تقابل بين عربية معيارية (الفصحى)، وأخرى عامية، إلا أن هؤلاء الأفراد يعرفون أيضًا أن هذه العامية لا يمكن أن تكون أداة للتدريس، ولا يمكن أن تكون أداة لإنتاج المعرفة وتداولها. هم لا يستطيعون كتابة صفحة واحدة بها تدافع عن نفسها، أو عن موقف علمي. والحال أن اللغة التي لا تفكر في نفسها لا يمكن أن تنتج المعرفة. وأصحاب قاموس الدارجة يعترفون بذلك، فهم يعتبرونها لغة العامة في المغرب.
من جهة أخرى، يلاحظ أن ما يقوم به دعاة التلهيج، على امتداد الفضاء الثقافي العربي، ليس سوى صيغة معدلة عن رغبة في العودة إلى التشظي القبلي، من خلال الاعتراف بتعددية لهجية، لن تكون هناك سوى الفرنسية، أو الإنكليزية، أداة لتوحيد قبائل فرقت بينها اللهجات (لا شيء يوحد المشارقة والمغاربيين، بعربهم وأكرادهم وأمازيغييهم، وقوميات أخرى، سوى اللغة العربية). فحيث يبحث الناس عما يوحد ويجمع ويدعم الوحدة الوطنية، يحاول بعضهم بكل الوسائل خلق هوية جديدة أساسها فرنسية لا علم للشعب بها. لذلك لا يتعلق الأمر من وراء هذه الدعوة (استعمال الدارجة في التدريس) باختيار يروم استنبات نموذج حضاري جديد تبنيه لغة “عالمية”، كما يوهمون الناس بذلك، بل هو في أصله بحث عن “ربح اقتصادي سريع” بذهنيات استهلاكية مطواعة.

 

اللغة بين المعياري والدارج
لقد أثيرت في السنوات الأخيرة قضية اللسان “الدارج”، ودوره المفترض في التدريس وإنتاج المعرفة. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يدعو فيها مثقفون وأدباء، أو فاعلون سياسيون

واقتصاديون، إلى التخلي عن العربية المعيارية لصالح العاميات المحلية. فقد حدث ذلك قديمًا في مصر ولبنان وسورية، وحدث في أقطار عربية أخرى، ولم يلتفت الناس إلى هذه الدعوة، وطواها النسيان. وها هي تثار اليوم في المغرب من جديد ضمن هجمة شرسة شاملة تستهدف الأسس التي يمكن أن تقوم عليها دولة مدنية حديثة مستقلة، ترتكز على تراثها ولغتها من أجل استيعاب المتاح الحضاري المعاصر. ووفق هذه الدعوة، سنكون ملزمين بالتخلص الكلي من كل ما أنجزه أبناء هذا الشعب في اللغة العربية قديمًا وحديثًا، ومما جاءهم من غيرهم من الناطقين بها، ما يعني التخلص من رؤية للعالم لم يعرف كثير من مواطني هذا البلد عينًا تراه وتتأمله سوى من خلال هذه اللغة. وهكذا، لن تكون العامية في تصورهم بديلًا من العربية فحسب، بل ستشكل جزءًا من استراتيجية تروم توزيع الفضاء اللغوي بين لغات أجنبية تُستعمل في التدريس والبحث العلمي (الفرنسية في الغالب من الحالات).
يلاحظ بنكراد أيضًا، في معرض حديثه عن “اللغة بين المعياري والدارج”، أن ما يميز “الدارجة”، في كل الأقطار الناطقة كليًا، أو جزئيًا بالعربية، هو أنها لا تتحقق من خلال شكل ثابت، أي لا يمكن النظر إليها باعتبارها حالة لسانية مستقرة قابلة للتقعيد النهائي، وكل المحاولات التي بذلت للقيام بذلك ظلت هامشية، ولم يلتفت إليها أحد، والدليل في ذلك أنه كلما تطوّر نمط الحياة، وازداد تمدن الناس وانتشر التعليم بينهم، تغيرت لغتهم وأصبحت أكثر التصاقًا باللغة العربية (لغة المثقفين والمتعلمين عامة في المقاهي تؤكد هذه الحقيقة). إن التفاوت حقيقة موضوعية في كل اللغات، لكن درجته فقط هي التي تحدد طبيعة ما يمكن القيام به للرقي باللغة وتأهيلها. وهذا يعني أن العودة إلى العامية ستقود إلى تقليص الطاقة التعبيرية التي تتوفر عليها اللغة العربية في تنوع مستوياتها في التدليل، وفي تغطية أشياء الكون وكائناته. وقد استند الذين تناولوا قضية المعياري والدارج في كل الأقطار الناطقة بالعربية إلى تقابلات هي في الأصل مزيفة، ولا يمكن اعتمادها من أجل بلورة فرضيات تحليلية تخص موقع اللغة المعيارية، أو الدارجة، ضمن العملية التعليمية. ومن بينها التقابل الذي أقيم بين اللغة الأم وعربية الآداب والقواميس، أي بين اللسان الدارج وبين اللغة العربية المعيارية، التي هي أداة التعبير الأدبي والفكري.

بين لغة الاستهلاك ولغة العلم
قد يصل موقف الداعين إلى الدارجة، أحيانًا، إلى حد العبث. فالقول بالعودة إلى العامية باعتبارها حلًا لمشاكل التعليم والتواصل معناه التخلي الكلي عن حملات محاربة الأمية، وتعليم الناس، والرفع من مستواهم الثقافي، كما يحصل في كل بلدان العالم. وبعبارة أخرى، هذه

العودة هي ببساطة تعميم للجهل. لهذا، فإن الاحتفاء بالدارجة، واعتبارها بديلًا من المعيارية، موجه في الواقع نحو خدمة غايات أخرى، يعرفها بعض الداعين جيدًا (أصحاب المؤسسات الإشهارية في المغرب)، ولا يقوم الآخرون سوى بترديد كلام يجهلون فحواه، أو لا يقدّرون عواقبه على الأقل. ومع ذلك، فقد سارعوا منذ سنوات إلى “تدريج” الحياة العامة في المغرب: تدريج الملصقات الإشهارية، والإذاعات الخاصة، وكثير من برامج القنوات الوطنية، وشعارهم في ذلك “استهلكوا بالدارجة المغربية، وسنفكر مكانكم بلغات أخرى”. وهذا هو المدخل نحو الفصل بين لغة الاستهلاك ولغة العلم: للجموع الغفيرة لسان دارج به تأكل، وبه تشبع حاجاتها، ولقلة من الناس لغة، أو لغات أجنبية، يحققون بها متعة في الروح وفي الجسد.
إن الاحتفال بالعربية وحده لن يحمي هذه اللغة مما تتعرض له يوميًا من إقصاء، كما أن تهميشها والنيل منها لن يقود، كما يتوهم البعض، إلى صرف الناس نظرهم عنها، وسعيهم إلى تعلم لغات جديدة تكون نافذتهم على العلم والحداثة، بل سيقود إلى مزيد من إفقار الذات، وعرضها على عالم من دون حماية “مفهومية” متطورة تمكنها من وعي محيطها بطريقة فضلى. لذلك، فإن العربية في حاجة إلى قرار سياسي يعيدها إلى فضائها الحيوي الذي فقدته، أو فرضوا عليها التخلي عنه، فاللغة تحيا بدينامية “الوسط” الذي يحتضنها، وتكون هي واجهة من واجهاته الرئيسية. وهذه هي المهمة الملقاة على عاتق المبدعين بالعربية، والمترجمين إليها، في العلوم، وفي كل مجالات القول، لأنهم حماة هذه اللغة، وهم من يمدها بعناصر البقاء والتطور والابتكار، وهذه العناصر ليست سوى طريقة في بلورة تمثلات جديدة تشمل كل شيء في حياة الناس، لأن اللغة جزء من وجودنا في الحياة، أو هي “بيت كينونتنا”، كما يقول هايدغر.
في الختام، لم نقتصر في هذه الفقرات سوى على إضاءة بعض الفرضيات النظرية التي طرحها الباحث سعيد بنكراد في كتابه المهمّ، خصوصًا في الفصلين الأول والثاني، لكن هذا لا يقلل من قيمة باقي الفصول الأربعة التي ناقشت بعض القضايا التي طفت مؤخرًا على سطح الواقع المغربي، باعتبارها من نتائج ومظاهر الدعوة إلى اعتماد الدارجة رسميًا في المغرب بدلًا من الفصحى، مثل موقع الكتاب المدرسي المغربي من رهانات التدريج، والتساؤل حول حاجة الدارجة المغربية إلى قاموس، وعلاقة هذه الدارجة ببناء الصورة الإشهارية، وأخيرًا بحث لافت حول ما يروج في وسائط التواصل الاجتماعي، خصوصًا ما أسماه الباحث “النكات الخاسرة” والعري اللغوي.

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This