المالينخولي السّعيد (11)

نقيضُ السّاذج السّعيد

“ثمّة حقيقتان لن يصدّقهما النّاس عمومًا: تتمثّل الأولى في أنّهم لا يعرفون شيئًا، والثانية في أنّهم لاشيء. أضِفْ إليهما حقيقةً ثالثةً تعتمدُ بشكل كبير على الثانية: وهي أنّه ليس لهم ما يأملوا فيه بعد الموت”. – جاكومو ليوباردي

“إنّ الحياة والافتقار المطلق إلى الوهم، أي إلى الأمل، أمران نقيضان”. – جاكومو ليوباردي

يحاول المالينخولي السّعيد تبصّر الحياة في وجهها، بتجاعيده وثناياه وتقرّحاته. لا يمارس الخداع الذاتي ولا يمنح نفسه كاذب الآمال، إنّه يرى الأشياء كما هي. يُسقط  أقنعة الخديعة ويرفع الحجب،  يدرك المالينخوليّ كيف سينتهي الأمر، على عكس السّاذج ضحيّة الوهم والعقائد والأحكام المسبقة، ذلك الذي يرى أنّ العالم مهما تعاظمت بشاعته، فهو عالم يسلك أقوم السّبل –حتّى وإن كانت محفوفة بالنّوائب والرّزايا- لينتهي إلى غاية نبيلة وليحقّق وعدًا مسطورًا منذ الأزل. يرى السّاذج السّعيد الواقع بوصفه ضرورة، يعتقد أنّ العالم مطلق الوضوح وطبيعيّ ومنطقيّ وإنسانيّ، يقبل كلّ شيء ولا يتعجّب من أي شيء، يُنجز مهمّته الحيويّة وينفُق راضيًا مطمئنا. المالينخوليّ السّعيد نقيضُ السّاذج السّعيد، إنّه يعرف أنّ العالم بمثابة درب آلام لا يفضي إلى تحقيق أيّ وعدٍ، ولا يؤمن بأفضل العوالم الممكنة، لا يمكنه أن يتغلّب على دهشته وذعره حتّى وإن ادّعى عكس ذلك.

يطعن المالينخوليّ السّعيد الإنسانيّة في صدرها مُخلصًا لها الرأفة والرِّثاء، لا يخضع في حكمه على الحياة وتجديفه بها إلى منطق الصّواب السّياسي، لا قيمة أصليّة للحياة ولا قداسة للأحياء إلّا على سبيل الاتّفاق والتّواضع، اتّفق الأحياء على قداسة الحياة لأنّهم أحياء، لأنّ العقيدة الصميمة، إرادة الحياة، لم تصدر إلّا عن البيولوجيا، ولأنّ سرديّة الحيوان الذي فينا منقوشة في الذاكرة العميقة لأجسادنا. كلّ ما عدا ذلك تراكيب ثقافيّة لاحقة، أضفاها الأحياء على الحياة حتّى يبرهنوا على حقّانيّة الكينونة وينسوا بطلانها.

لا يتواضع السّاذج السّعيد إلّا كبرياءً، ولا يُشفقُ إلّا وفي نفسه رعبٌ من أن يُنكبَ بما أصابَ غيره، ولا يُنفق من متاعِه على غيره إلّا طمعًا في أن يُردَّ لهُ متاعيْن، إنّه لا يحضر في العالم إلّا على سبيل التّملّك، لا يتخيّل نفسه ضيفًا غريبًا أو عابر سبيل، حتّى إذا فعل فإنّه يُؤمل نفسه بالانتقال إلى ضفّة الأخرى وتملّك وجود آخر أوسع مدى، لا يتخلّى السّاذج السّعيد عن العالم ولا يزهد فيه إلّا طمعا في عالم أبدي.

إنّ الحياة في شرعة المالينخولي السّعيد جسرٌ يُعبر ولا يُتّخذ مُقامًا، دربٌ آلامٍ يُشقُّ ولا يُسكنُ، تجربةٌ تُعاشُ ولا تُوَرَّثُ، إنّه يعي جيّدًا ما يسم وجوده من غربة أصليّة وهشاشة وعرضيّة، قد يستطيب من الحياة مباهجها القليلة، لكنّه يدرك لعبتها ويعي حيلها في استدراج الإنسان إلى تفعيل برنامجها، لذلك فهو لا يقبلها كُلًّا واحدًا ولا ينخدع بما تقدّمه من بسيط الملذّات ولا ينجرف نحو تبنّيها والدّفاع عنها وتفضيلها واعتبارها أفضل الممكنات، إنّه يفرّق جيّدًا بين جذريّة شرورها وعرضيّة مسرّاتها، ولا يخلط بين المسكّن والترياق، يعرف المالينخوليّ السّعيد متى عليه أن يتوقّف عن الشرب، ذلك أنّهُ يرى السمّ راسبًا في قعر الكأس.

يُحدّث السّاذج السّعيد نفسه بضروب شتّى من القصص، يعلّلها بالأمل حتّى تستسيغ الدّجل فيصير خبزها اليومي، ويسوقها بالرّجاء حتّى تؤول إلى الفناء، إنّه ينسج كينونته على نول الخديعة والتّجاهل والانتقاء وغضّ البصيرة عن كلّ السيّئات التي تجري حوله، ذلك أنّه يراها قصيّة عنه وأبعد من أن تصيبه بضرّ رغم أنّها أقرب إليه من حبل الوريد، إنّ إدراكه انتقائيّ ومُنحازٌ إلى التّفاؤل وترقّب المنافع والمصالح، وذلك ما يدفعه إلى المجازفة العمياء المطمئنّة بأنفس أخرى يستجلبها من العدم ليُقحمها في مطحنة الحياة.

يبيع السّاذج السّعيد روحه للجماعة، ويُفنيها في النوع، ويُهلكها في استهلاك ما يُعرض عليه من القيم المشتقّة من قانون الإرادة العمياء، ويستنفدها في تنفيذ ما يُرسم له من مسارات لا تُفضي إلّا إلى إدامة الملحمة العقيمة، يشقّ درب الحياة خاضعًا إلى إرادتها مثل متسرنم أو مثل منقاد إلى نغمات ناي سحريّ، أمّا المالينخولي السّعيد فتدبيره تدبير متوحّد، وسعادته سعادة مفرد، تراه يكظم نداء الإرادة ويقمعه، مثلما أمر أوليس، بطل الإلياذة والأوديسة، رجاله بشدّ وثاقه إلى ساريّة سفينته وتكتيفه حتّى لا يستجيب إلى غواية حوريات البحر ولا يفتتن بسحر غنائهنّ الذي أضلّ ما لا يُحصى من البحّارة قبله.

إنّ سعادة المالينخوليّ سعادة أرضيّة، دنيويّة، محايثة، آنيّة، تتمثّل نفسها على نحو تراجيديّ يعترف بفناء الفرد فناءً لا يلحقه عوْد، وتتخلّى عن كلّ رجاء ولا تترقّبُ قيامة ولا بعثا، أمّا سعادة السّاذج فهي سماويّة، أخرويّة، مفارقة، مُؤجّلة، تنبني على انتظار وعدٍ  لا يتحقّق إلّا بنهاية التاريخ، حين تتجسّد بلاد الأفراح، أورشليم الجديدة، مدينة الله، وقد ينتهي التاريخ أيضًا على نحو أخرويّ مُعلمن، حين تتحقّق وعود الفلاسفة بالمدن الفاضلة، أي حين يلج الجمل في سم الخياط.

إنّ السّاذج السّعيد “لا شيء” يعتقد أنّه “كلّ شيء”، أمّا المالينخولي السّعيد فهو “لا شيء” يعرف أنّه “لا شيء”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This