“صناعة الشعور بالوحدة” والطوباوية الرقمية / زينب ناز إنانسال

قبل بضع سنوات من دخول فيروس كورونا حياتنا، هل كانت الوحدة على جدول أعمال العالم باعتبارها وباءً؟
الوحدة، التي تعرفها بعض البلدان على أنها وباء، تعني الانفصال عن الحياة الاجتماعية بأوسع معانيها. نحن في وقت يفضل الناس الزواج أقل بكثير من ذي قبل، ويختارون الحياة الفردية ولا يتواصلون مع الآخرين.
إن ألعاب الكمبيوتر ووسائل التواصل الاجتماعي وكُلَ تطبيق وخدمة رقمية تجعل من الممكن العيش دون اتصال مع الناس وتقربنا خطوة واحدة من هذا الانفصال. بالطبع، الوباء ساعد أن يكون الاتصال الجسدي محظورا وغير مرحب به. نعم لقد وصلنا إلى نقطة كنا نخشى فيها فتح الباب أمام الأشخاص الذين يجلبون الطعام إلى منزلنا.
تشير الدراسات إلى أن الوحدة تقصر من عمر الإنسان، وتضعف جهاز المناعة، بل وتسبب أضرارًا تعادل تدخين 15 سيجارة يوميًا. وبصفتها الدولة الأكثر تضررًا من هذا الوضع، تحاول اليابان تقديم العديد من الحلول. اختارت بريطانيا التدخل من خلال إنشاء وزارة للوحدة. فكيف نتعامل مع الشعور بالوحدة في هذه الفترة التي تتناقص فيها الحياة الاجتماعية، وكلنا نعمل من منازلنا ونعيش في بعد آخر؟ هل يمكن للحلول التي تنتجها شركات التكنولوجيا أو وسائل التواصل الاجتماعي أن تساعد في التخفيف من حدة هذه الوحدة؟ أم أن الوحدة حقًا شرط للعلاج؟ هل نحن ـ فعلاـ نطارد العزلة وصناعة الوحدة بكل ما لدينا من فضول؟
عندما ننظر إلى الدراسات، يُذكر أنها لا تحدد الوحدة بوضوح؛ أحيانًا نرى أنهم يتعاملون مع الانفصال عن الحياة الاجتماعية ويعبر الناس أحيانًا عن شعورهم بالوحدة. لذا فإن تعقيد مفهوم الوحدة يظهر نفسه هنا أيضًا. في الواقع، من الضروري الفصل بين مفهومي: قضاء الإنسان لوقته منفردا وبين الشعور بالوحدة.
عندما نقول “صناعة الشعور بالوحدة”، فإننا نفكر في المنتجات والحلول المصممة للتخفيف من وحدتنا. ليست هناك حاجة للذهاب إلى المستقبل حيث الروبوتات هي أصدقاؤنا وتتحول حيواناتنا الأليفة إلى صور ثلاثية الأبعاد.
يمكن اعتبار تطبيقات الوسائط الاجتماعية ومنصات بث الفيديو الرقمية وحتى بعض أنواع الطعام جزءًا من صناعة الشعور بالوحدة. صدر لأول مرة في الولايات المتحدة في الخمسينيات، عشاء تلفزيوني هو وجبة لشخص واحد معدة بالكامل ويتم تسخينها بالميكروويف ليتم تناولها أثناء مشاهدة التلفزيون. يمكننا اعتبار هذا المنتج جزءًا مهمًا من بداية أسلوب الحياة الفردية هذا. العشاء التلفزيوني، أحد الأمثلة الأولى لاستبدال التكنولوجيا بالعلاقات الاجتماعية، هو في الواقع المنتج الأول لتطبيع تناول الطعام أمام التلفزيون. إنه يفضل إعطاء الأشخاص الوحيدين رسالة مفادها أنهم ليسوا وحدهم من خلال وضع منتج تكنولوجي، أو تلفزيون، بدلًا من الإنسان.
اليوم، ثمة فكرة أن التكنولوجيا هي علاج للوحدة بالإضافة إلى العديد من المشاكل الشائعة. هناك تصور مفاده أنه إذا تم إنتاج المنتجات المناسبة، فسيتم حل مشكلة التنشئة الاجتماعية للناس دون الحاجة إلى هذه التنشئة الاجتماعية. اليوتوبيا التكنولوجية، هذا الفهم المسمى بالطوباوية التقنية، يؤمن بمستقبل طوباوي حيث تحل التكنولوجيا كل مشكلة للبشرية. ومع ذلك، ألا يمكننا رؤية العزلة المتزايدة للناس واغترابهم عن العالم الذي يعيشون فيه نتيجة أو تأثيرًا للتكنولوجيا؟ هل يمكن أن تكون مصادفة حقًا أن تفشى وباء الوحدة في العصر الذي نرتبط به كثيرًا؟ يدفعنا هذا الموقف أحيانًا إلى البحث عن حلول أكثر تعقيدًا من اللازم. بدلًا من تمهيد الأرضية للتنشئة الاجتماعية للأشخاص، نفضل إنتاج تطبيقات معقدة وروبوتات للتخفيف من الشعور أننا وحدنا.

إنّ المنتجات والتطبيقات الرقمية والسلوكيات التي نستخدمها عندما نخشى أن نكون وحدنا تحتوي في الواقع على أدلة عن أنفسنا. فما الذي نحن على استعداد لتحمله بدلًا
من البقاء مع أنفسنا؟ ما الذي نخشى التفكير فيه عندما نبقى صامتين؟

بالنظر إلى مثال اليابان يمكن أن يعطينا فكرة عن العلاقة بين التكنولوجيا والشعور بالوحدة. اليابان، الدولة التي يوجد بها أسرع وباء للوحدة، لديها أيضًا أكثر سكان العالم شيخوخة. تستخدم ظاهرة هيكيكوموري(1)، وهي ظاهرة اجتماعية ظهرت في عام 2000، لوصف الأشخاص الذين يعزلون أنفسهم تمامًا عن المجتمع. هؤلاء الناس ليس لديهم أي اتصال اجتماعي ويغلقون أنفسهم في المنزل. حقيقة أن المزيد والمزيد من الناس يتبنون أسلوب الحياة هذا دفع الحكومة اليابانية إلى اتخاذ إجراءات جادة. يتم علاج هؤلاء الأشخاص، الذين يتم إدخالهم إلى المستشفيات في مراكز إعادة التأهيل بدعم من المتخصصين في الرعاية الصحية، للتعود على الحياة الاجتماعية.
إن عدد اليابانيين، الذين لم يعد وضعهم خطيرًا بعد، ولكنهم يشعرون بالوحدة، مرتفع جدًا. لذلك إن تكوين صداقات من الروبوتات هو أيضًا حل شائع جدًا هناك.
ولكن لماذا يتم استخدام الروبوتات والأشياء والصور المجسمة بدلًا من الحيوانات الحقيقية أو البشر؟ مثل هذه الحلول لا نهائية، بمعنى آخر، خالدة. يحدث ذلك ليتم التأكيد لنا أننا لن نكون وحدنا.
“الوحدة شعور مؤلم ومخيف لدرجة أن الناس يبذلون قصارى جهدهم حتى لا يواجهوا هذا الشعور”. بعبارة أخرى، الخوف الذي نشعر به عندما نبقى مع أنفسنا هو مشكلة وجودية للناس يمر بها الجميع. لسوء الحظ، تستمر هذه المشكلة مدى الحياة ولا مفر منها. هنا أيضًا، قد يكون من المفيد أن نتساءل لماذا تخيفنا الوحدة؟ ولماذا نتجنب التواجد مع أنفسنا؟ لأن هذه الحالة المخيفة تمنع الجوانب الإيجابية للوحدة. تبدو محاولة صنع السلام مع فنائنا وقبول وحدتنا أسهل في الوقت الحالي من إيجاد طريقنا للخلود.إنّ المنتجات والتطبيقات الرقمية والسلوكيات التي نستخدمها عندما نخشى أن نكون وحدنا تحتوي في الواقع على أدلة عن أنفسنا. فما الذي نحن على استعداد لتحمله بدلًا من البقاء مع أنفسنا؟ ما الذي نخشى التفكير فيه عندما نبقى صامتين؟ ماذا يعني أن نكون وحدنا؟ هل الأشياء التي نعطيها وقتنا تستحق حقًا وقتنا؟ الإجابات عن أنفسنا والتي ستمكننا من فهم أروحنا قد تكون مخفية ولكن لا مفر من مواجهتها.
هامش

(1) هيكيكوموري مصطلح ياباني يعني حرفيًا (انسحاب، التقوقع) أي الانسحاب الاجتماعي أو العزلة لدى المراهقين والبالغين. وزارة الصحة اليابانية تطلق هذا المصطلح على الأشخاص الذين يرفضون الخروج من منازلهم، والذين يرفضون التفاعل مع المجتمع عن طريق إنعزالهم في المنزل لفترة زمنيه طويلة تزيد عن ستة أشهر. وفقًا لإحصائيات الحكومة لعام 2010، تشير الاحصائيات إلى أن هناك أكثر من 700 ألف شخص يعانون من العزلة يتراوح معدل أعمارهم 31 سنة. وكما يقول عالم النفس الياباني تاماكي سايتو، هناك أكثر من مليون هيكيكوموري في اليابان، والعدد في ازدياد مستمر، نتيجة المشاكل الاجتماعيه والثقافية.

*كاتبة تركية.

ترجمة قمر الزمان تيسير.

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This