“التّاريخ من رحاب الأكاديميات إلى الفضاء العام”

 مشروع ثقافي جديد لجمعية تونس الفتاة من أجل تحرير التاريخ من هيمنة الذاكرة وسطو السياسي

يقول المؤرخ الشهير مارك بلوك ” عدم فهم الحاضر متولد عن جهل بالماضي ” تلخص هذه المقولة المختزلة والمعبرة في آن أهمية علم التاريخ ودوره في فهم الماضي والحاضر الإنسانيين ،اذ لا يمكننا انكار تزايد الاهتمام بعلم التاريخ منذ أواخر تسعينات القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين وذلك إثر تدافع الأحداث في العالم تدافعا مجنونا حتى خيل إلينا أنها تعدو عدوا من انهيار جدار برلين مرورا بتفكك الاتحاد السوفياتي وغزو العراق وصولا إلى ما نعيشه اليوم من عودة الجوائح والحروب والأوبئة وقد كتب المؤرخ التونسي فتحي ليسير معلقا عن ذلك “لقد دخل التاريخ بقامته الفارعة وهامته الأسطورية بيوت الناس وغرف نومهم عبر الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة …فلم يعد التاريخ ذلك الماضي الذي يروى بل إنه أصبح هذا الحاضر الباذخ الذي يتابعه الناس بعيون شاخصة”  (فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن، حينما يطرق المؤرخ باب الحاضر دار محمد على الحامي للنشر 2012)

ولا ريب أن كل ذلك قد ولد طلبا اجتماعيا لجوجا على علم التاريخ، نظرا لما يعيشه العالم من تحولات سريعة وتغيرات عميقة ما انفكت تعصف بالسائد والمألوف، فتحولت بذلك الأنظار نحو المؤرخ أملا في الحصول على قراءة عميقة واجابات مستفيضة لما يجري حولنا وذلك من أجل فهم مسارات التاريخ وتقلباته.

بيد أن ومع تعاظم حضور المؤرخين في الإعلام السمعي والبصري وفي المجال العام في العالم الغربي، لاحظنا غياب المؤرخ العربي في المنابر الإعلامية العربية، الأمر الذي فسح المجال أمام عناصر أخرى ما انفكت تعمل على توظيف التاريخ سياسيا وايديولوجيا من أجل فرض قراءات  تخدم أغراضها وهي قراءات مزيفة للتاريخ لا تستند إلى الموضوعية التاريخية أو الرصانة العلمية.

وقد أصدر المؤرخ التونسي المختص في التاريخ المعاصر الأستاذ الهادي التيمومي كتابا في شكل صرخة تحت عنوان “إلى ساسة العرب ارفعوا أياديكم عن تاريخنا ” كشف فيه عن تعدد أشكال توظيف التاريخ من قبل الساسة العرب واختلاف قراءة كل من السياسي والمؤرخ، فالمؤرخ هدفه الأسمى هو محاولة الاقتراب من الحقيقة التاريخية وكتابة تاريخ موضوعي في حين أن السياسي تبقى همته متعلقة بأغراضه الايديولوجية والسياسية التي تدفعه لتزييف التاريخ وتشويهه.

كتب كذلك “جاك غودي” وهو أنتربولوجي فرنسي كتابا حمل عنوان “سرقة التاريخ” أشار فيه الى تعدد اشكال سرقة التاريخ اليوم خاصة من قبل أوروبا التي فرضت قراءة معينة للتاريخ الانساني أقصت فيه دور الحضارات الأخرى.

في هذا الإطار يندرج المشروع الجديد لجمعية تونس الفتاة الثقافية الموسوم بـ”التاريخ من رحاب الأكاديميات إلى الفضاء العام” وهو مشروع ثقافي سينطلق ضمن سلسلة من المحاضرات في التاريخ موجهة للعموم منذ مارس 2021 وذلك في إطار أنشطة المنتدى الفكري سيزيف بالجمعية.

يهدف هذا المشروع بالتحديد إلى جعل التاريخ موضوع نقاش في الفضاء العام عوض أن يبقى محصورا بين الأكاديميين والجامعيين فقط وذلك في إطار علمي وأكاديمي بعيدا عن كل التأويلات الأيديولوجية الرامية الى تزييف التاريخ وتسييسه الأمر الذي سيسهم في تحرير التاريخ من هيمنة الذاكرة وسطو السياسي. يعد هذا المشروع  تأسيا بما فعله المؤرخ الفرنسي “جاك لوغوف” الذي كان يشرف على برامج تلفزية واذاعية تعرف من خلالها الجمهور الواسع على كتابات هذا المؤرخ وأفكاره وقراءاته المتعلقة بفترة العصور الوسطى الأوروبية، فنجح بذلك في جعل التاريخ حاضرا في الفضاء العام، كما تمكن  هذا الأخير بفضل معرفته  الواسعة بعلم التاريخ في توسيع اهتمامات الجمهور حيث مكنهم من التعرف على أهم الاتجاهات التاريخية الحديثة التي ابتكرتها المدارس الغربية مثل تلك المتعلقة  بتاريخ المشاعر والعقليات والذهنيات والأمراض والاوبئة والحب والموت مع الاهتمام كذلك بديناميات الحراك الاجتماعي والثقافي والديني.

يكمن الهدف الثاني لهذا المشروع الطموح لجمعية تونس الفتاة في التعريف بالمدرسة التاريخية التونسية الرائدة في الكتابات التاريخية في العالم العربي، إذ لا نكاد نرى اليوم حضورا للمؤرخين في الاعلام التونسي  على الرغم من أننا نمتلك نخبة متميزة في التاريخ في  الجامعات  التونسية. ولا نبالغ إن قلنا أن المدرسة التاريخية التونسية هي الأفضل في العالم العربي اليوم  لأنها أخذت عن المدرس التاريخية الرائدة مثل مدرسة الحوليات الفرنسية والمدارس الغربية الحديثة.

في هذا الإطار يمكننا ذكر بعض الأسماء التي أسهمت في تجديد الكتابة التاريخية واستحداث اتجاهات مبتكرة ورائدة في هذا المجال: الدكتور هشام جعيّط المختص في تاريخ الإسلام المبكر، الدكتور الهادي التيمومي المختص في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي  المعاصر، الدكتور نور الدين الدقي المختص في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لتونس المعاصرة، الدكتور محمد لزهر الغربي المختص في التاريخ الاقتصادي الأوروبي، الدكتور  خالد عبيد المختص في تاريخ الحركة الوطنية، الدكتور عميرة علية الصغير المختص في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لتونس المعاصرة، الدكتور عبد الجليل بوقرة المختص في تاريخ اليسار التونسي، الدكتور  فتحي ليسر المختص في تاريخ الزمن الراهن، الدكتور لطفي عيسى المختص في التاريخ الثقافي لبلدان المغارب، الدكتور المنصف التايب المختص في التاريخ الأنتربولوجي الحديث، الدكتور عبد الحميد هنية المختص في تاريخ تونس العثمانية، الدكتور جمال بن طاهر المختص في التاريخ الاجتماعي لتونس الحديثة، الدكتور عبد الحميد الأرقش المختص في تاريخ الهامشيين في الفترة الحديثة، الدكتور محمد حسن المختص في العهد الحفصي، الدكتور إبراهيم جدلة المختص في التاريخ الحفصي والمتوسطي، الدكتورة حياة عمامو المختصة في تاريخ الاسلام المبكر، الدكتورة بثينة بن حسين المختصة في التاريخ الأموي، الدكتور لطفي بن ميلاد المختص في تاريخ العلاقات المشرقية المغربية في العصر الوسيط، الدكتورة  سلوى بالحاج صالح المختصة في تاريخ المسيحية العربية، الدكتور عمار المحجوبي المختص في تاريخ إفريقيا الرومانية، الدكتور محمد الطاهر المختص في تاريخ قرطاج البونية والعديد من القامات الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها الآن.

من بين المواضيع التي سيتطرق إليها هذا المشروع الجديد يمكننا ذكر:

  • التاريخ التونسي بين الذاكرة والتاريخ
  • التاريخ المدرسي وإشكاليات النقل التعلمي
  • جراح الذاكرة الوطنية
  • هل يمكن كتابة تاريخ موضوعي للحركة الوطنية؟
  • أزمات الحكم في تونس عبر التاريخ
  • الثورات في تونس عبر التاريخ
  • الشخصية التونسية
  • أي موقع للعهد العثماني في التاريخ التونسي؟
  • تونس زمن الحماية الفرنسية
  • التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لتونس المعاصرة
  • تاريخ اليسار التونسي
  • تاريخ الهامشيين في تونس
  • التاريخ التونسي بين سطو السياسي وهيمنة الذاكرة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. W. Alansari

    أظن أن جاك جودي…صاحب كتاب The Theft of History بروفيسور بريطاني:

    ““جاك غودي” وهو أنتربولوجي فرنسي”….

أضف تعليق

Share This