أرواح في وداع فيلليني.. بعد 101 سنة على ولادته / سمير رمان

في 20 من كانون الثاني/ يناير الماضي، مرّت الذكرى 101 لولادة المخرج الإيطالي، فيديريكو فيلليني. وللمناسبة، عُرض آخر أفلامه “صوت القمر” في دور السينما، بالتزامن مع عودة مصغّرة إلى ماضي المخرج المبدع، من خلال عرض الفيلم الوثائقي “فيلليني والأرواح” للمخرج Selma Dell ‘Olio.
فيلليني، ابن تاجر، وخريج إحدى مدارس الأديرة، عشق السيرك، وكسب في شبابه لقمة عيشه من الرسوم الكاريكاتورية، وإعلانات الراديو. تجنّب الخدمة العسكرية، وكان بالكاد يتدبّر أمر نفقات معيشته. كان على علاقة حميمة مع البغايا، وبقي طيلة حياته يحتفظ بحبّ شديد للنساء ممتلئات الجسد كـ(ساراغين الرائعة من فيلم “ثمانية ونصف”). وإن كان فيلليني منفتحًا على الحياة، بما في ذلك أشدّها قتامة، فإنّه لم يتغيّر أبدًا، وبقي حالمًا لا يمكن إصلاحه، وزير نساءٍ وقحٍ، مسلَّحًا بالسخرية من نفسه، ومؤمنًا بمعجزة الحياة.
كانت جولييتا مازينا ملهمته وزوجته المخلصة. ومن بين الممثلين، كان ممثله المفضّل مارسيللو ماستروياني، الذي اكتشفه ورعاه زميل فيلليني الأكبر سنًّا، لوتشينو فيسكونتي. في عام 1975، لعب ماستروياني دور الحالم فيسكونتي في فيلم “الليالي البيض/ White Nights”، ولكنّ الفيلم قوبل ببرودة غير متوقعة، ما دفع ماستروياني إلى التعليق مازحًا، بمرارة: لا أملّ فيّ، ربما حان الوقت للاعتراف بهذا. سيكون عليَّ أن ألعب دور سائقي التاكسي حتى نهاية العمر”.

سيمرّ بعض الوقت قبل أن يصبح ماستروياني رمزًا للممثّل المثقف في العصر الجديد، بعد أدائه في فيلم الحياة السعيدة La Dolce Vita””، وفيلم “ثمانية ونصف”. قال ماستروياني: “إنّ فيلليني دعاه للعب الدور الرئيسي في فيلم الحياة السعيدة، لأنّ وجهه أكثر الوجوه اعتيادية”. أمّا بالنسبة لفيلم “8 ½”، فقال ماستروياني بأّنه كان يعرف قيمة نفسه في ذلك الوقت، لكنّه انتظر بصبرٍ ريثما ينتهي منتجو فيلليني من مفاوضاتهم مع العظماء، من شارلي شابلن، وانتهاءً بلورنس أوليفييه. كان يقف جانبًا يدخِّن سيجارته ويبتسم بغموض. تلك الابتسامة الغامضة حسمت الأمر، لأنّها هي بالتحديد التي كانت تلزم لاستكمال صورة المخرج الإيطالي “غويدو أنسلمي”، الذي يدور الفيلم عنه.

فيلليني والعام المغدور
كان من المفترض أن يتم إحياء مئوية فيلليني، بالإضافة إلى مئوية شريكه في التأليف، المخرج تونينو غييرّا Tonino Guerra، في احتفاليات واسعة في أرجاء العالم كافة، حيث كانت دولٌ عديدة، وكذلك جميع مهرجانات السينما العالمية، قد رسمت خططها للاحتفال بالمناسبة على مدار عام 2020، المفترض أن يكون عام فلليني.

غير أنّ العام تحوّل إلى عام كوفيد – 19، فألغيت معظم الاحتفاليات الضخمة المخططة. لكنْ، من بين ما أمكن إنجازه بهذه المناسبة، كان عرض فيلم “فيلليني والأرواح” في إيطاليا، وإصدار عددٍ مميّز من مجلة Seans، المتخصصة بأفلام السينما، كرِّس بالكامل للحديث عن فيلليني.
كان فيلم “فيلليني والأرواح” ملحمة ثريّة تروي مسيرة مخرج ترك تأثيرًا كبيرًا على معاصريه، وعلى الأجيال اللاحقة من المخرجين السينمائيين. في الفيلم، تحدّث كثيرون، من بينهم: ويليام فريدريكن، وتيري غيليان، وداميان شيزيل. أما الأكثر إثارة في الفيلم، فكان لقطات أرشيفية وثقت أهمّ أبطال فيلليني، مثل: جولييتا ماسيتا، مارسيللو ماستروياني، أنوك أيمي.
كما تحدّث الفيلم عن مؤسس علم التحليل النفسي، كارل غوستاف يونغ Carl Gustav Jung، الذي تربطه علاقة مباشرة بـ”أرواح” فيلليني، من خلال أفلام عدّة اعتمدت على أعماله، التي لم تكن سوى تصوير فنيّ للعواطف التي تخترق الوعي من خلال الأحلام، وكانت بالنسبة للفنانين تخترق الوعي من خلال الصور، التي تطمس الحدود الواهية بين الوعي واللاوعي.

آخر أفلامه
أفضل مثالٍ على رقّة هذه الحدود كان آخر أفلام فيلليني “صوت القمر”، الذي ظهر عام 1990، ونُظر إليه كتأوّهٍ حزين أطلقه معبود الأمس، المنفصل تمامًا عن الواقع الجديد أثناء بحثه عن بديلٍ لهذا الواقع في تجربة المجانين الروحية، أو تجارب روحية لأشخاصٍ يرتكبون وهم نيام أخطر الأعمال. يلعب الممثل روبرتو بينيني دور أحد هؤلاء، متقمِّصًا دور دون كيخوت معاصرٍ يصغي إلى همس الآبار، ويقتبس أشعار الشاعر الرومانسي الإيطالي الأشهر، جياكومو ليوباردي. بينما يلعب دور مجنونٍ آخر باولو فيلادجيو. كان من المفترض أن يحوّل بينيني وفيلادجيو، ممثلا السينما الإيطالية الكوميدية البارزان، الفيلم باتجاه كوميديا غريبة الأطوار، ولكنهما بدلًا من ذلك، أكّدا، فقط، نغمته الحزينة المتشائمة.
مع ذلك، وفي جوّ تسوده الكآبة الشاملة، ينظر اليوم إلى روح دعابة فيلليني التي تضجّ بالحياة على أنّها صوتٌ مشجِّع.

وفي إطار استرجاع الماضي، سيعرض أوّل روائع فيلليني Mama’s Sons (1953)، بالإضافة إلى أشهر أعماله: Sweet Life) عام 1960، وفيلم “8 1/2” عام 1963. ونذكر، هنا، أن شهرة فيلم “الحياة السعيدة” بلغت درجةً جعلته أسطورة حديثة، فربح جائزة مهرجان (كان) على وقع صفير القاعة الغاضبة: أدان رجال الكنيسة والمتزمتون الفيلم الأكثر تعبيرًا عن الواقعية السينمائية الإيطالية ما بعد الحداثة.
الفيلم ـ التحفة يحكي عن روما في عصر”المعجزة الاقتصادية”، ويصوّر بشكلٍ حرٍّ، شاعريّ، أحيانًا، وبشعٍ إلى حدٍّ ما، أحيانًا أُخرى، أخلاق البرجوازية التحررية والبوهيمية. كما يصوّر نضال العقل الإلحادي ضدّ الأسطورة المسيحية المتداعية، التي مازالت مع ذلك تمتلك قدرة جاذبة لا يستهان بها. وبفضل هذا الفيلم، أصبح العالم بأسره يفهم الكلمات الإيطالية dolce vita و paparazzi.

أفول سينما المؤلف
فيديريكو فيلليني في روما (1/ 6/ 1982/ Getty)

اكتشف فيلم “8 ½” صيغة جديدة لسينما المؤلّف الحداثيّة، التي تحتوي عناصر اللاوعي في داخلها. وفي منتصف القرن العشرين، أصبح فيلليني، إلى جانب غودار، أهمّ مجددي صناعة السينما المبدعين في تلك الحقبة. شارك الفيلم في مسابقة مهرجان موسكو، وفاز! وأصبح قرار لجنة التحكيم برئاسة، غريغوري تشوكراي، “تنصيبًا لليبرالية، وكاد يتسبب بطرده من صفوف الحزب الشيوعي السوفييتي: فقد كان من المفترض، وفقًا لتعليمات القيادة الحزبية، أن يفوز أحد الأفلام السوفييتية المشاركة في المهرجان.

“كتب أحد النقاد السينمائيين في هذا الصدد: إنّ حالة الغيبوبة التي يمرّ فيها فيلليني رمزية، لأنّ سينما المؤلفين تكمن فيه بالذات”
توفي فيلليني عام 1993، بعد دخوله غيبوبة لشهرٍ تقريبًا. كان ذلك عصر تراجع سينما المؤلفين، التي كان كثيرون يستعجلون دفنها. وكتب أحد النقاد السينمائيين في هذا الصدد: إنّ حالة الغيبوبة التي يمرّ فيها فيلليني رمزية، لأنّ سينما المؤلفين تكمن فيه بالذات. عندما توفي فيلليني، قامت إيطاليا كلّها بتشييعه. وبعد رحيل مخرجيها العظماء، رأينا ما حدث للسينما الإيطالية.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This