مقتطف من كتاب “ديناميكية اللّعب في الحضارات والثّقافات الإنسانيّة”

اللّعب والشّعر

في تلمسنا لأصول الفلسفة اليونانيّة وعلاقتها بالمنافسات الدينية في المعرفة والحكمة، لم يكن ثمّة مفر من تلمس الحدود الوهميّة بين المزاج الديني والفلسفي في التعبير وبين المزاج الشعري. لذا يصبح من المطلوب والضروري أن نتحقق من طبيعة الإبداع الشعري.

وهذه المسألة، على نحو ما من الأنحاء، هي في الصميم من أي نقاش يدور حول الروابط بين اللعب والثقافة، إذ في حين فقدت الأشكال الاجتماعيّة الثقافيّة عالية التنظيم، كالدين والعلم والقانون والحرب والسياسية، تدريجيا خاصيّة التماس مع اللعب، والتي كانت بارزة وواضحة في مراحل تاريخيّة أسبق، فإنّ وظيفة الشاعر بقيت صامدة في دنيا اللعب والألعاب حيث ولدت أوّل مرّة.

إنّ عمليّة نظم الشعر وقرض القوافي في الحقيقة ليست سوى وظيفة من وظائف اللعب إذ ينبع الشعر من ذات منطقة اللعب في العقل البشري في عالم قائم بذاته من صنع العقل وإبداعه. وهنالك تأخذ الأشياء سيماء غير ما ألفناه منها في “الحياة العادية اليوميّة” وتربط فيما بينها علائق وروابط لا تمت بصلة للمنطق أو للسببيّة العقليّة. وإن كنّا نُعرف القول الجاد أو القضايا المنطقيّة بأنّها ما يصاغ بمفاهيم حياة اليقظة والإدراك الواضح الواعي، فإنّ علينا الإقرار بأن الشعر كقول لن يرقى أبدا لمستوى الجديّة. إذ الشعر كامن فيما وراء الجديّة، هنالك عند المستوى الأكثر إيغالا في بدائيته وأصوليته حيث لا نرى سوى الحيوانات والإنسان الهمجي والإنسان المتنبئ الرائي وحيث ينتمون، في مناطق الحلم والرؤيا، والسحر والافتتان والنشوة الخالصة والضحك الرائق. ويتعين علينا إن شئنا فهم الشعر أن نكون قادرين على استعارة روح الطفولة وأن نتلفع بها كليا وأن نلفظ جانبا حكمة الإنسان البالغ الراشد، ونعطي أنفسنا لحكمة الطفولة دون تردد. ولا أخال أن هناك أحدا من الناس قد فهم حقيقة الشعر أو عبر عن الطبيعة البدائيّة الأصلية للشعر وعلاقته باللعب البريء بالوضوح ذاته كما فعل الفيلسوف “فيكو” منذ أكثر من مئتي عام.

يقول “فرانسيس بيكون” الفيلسوف ذو العقل النيّر: ” ما أشبه نظم الشعر بحلم الحب الفلسفي”. إنّ الخيال الأسطوري عند الأقوام البدائيّة، وخيالات الأطفال عن الطبيعة والأشياء، تلك الّتي لا تعنى إلا بأصول الوجود الموجودات عادة ما تحوي بدور حكمة سيجري الإفصاح عنها في القوالب المنطقيّة في مرحلة عمريّة لاحقة. وثمّة جهد شاق ودائب يجري على صعيد علم فقه اللغة وعلم الأديان المقارن في تتبّع تحليل الأصول الأسطوريّة للعقائد الدينيّة. وحاليا يعاد فهم الحضارات القديمة من جديد في ضوء الوحدة الأصيلة للشعر والعقائد السرية والحكمة والشعائر الطقوسيّة.  وأول ما يتوجب علينا فعله للتوصل لهذا الفهم أن نُسقط من حسابنا الفكرة القائلة بأن الشعر ذو وظيفة جماليّة فقط أو أنّه يمكن فهمه وتفسيره بمعايير ومقاييس جماليّة لا غير.

وفي كلّ حضارة حيّة مزدهرة، وخاصة في الحضارات القديمة الغابرة، كان للشعر وظيفة حيوية اجتماعية ودينيّة في آن معا. وكل الشعر القديم جملة وتفصيلا هو شعر طقوسي شعائري، ترفيهي، تفنني، أحجوي، عقائدي، برهاني، شعوذاتي، تنبؤي، عرفاني وتنافسي صراعي في آن واحد. وعمليا فإنّ جميع الموضوعات الصالحة للشعائر والطقوس القديمة وللشعر معا يسهل إيجادها مجتمعة في النشيد الثالث من الملحمة الفنلنديّة المسماة “الكاليفالا”. فقد تمكن الشيخ الحكيم، الساحر “فيناموينن” من الإيقاع بالشاب المتبجح الذي تجاسر على تحديه في منافسة من منافسات السحر والشعوذة. فقد تنافسا في بادئ الأمر في العلم بالأشياء الطبيعية والموجودات ثم في العلوم السرية المتعلقة بأصول وكنه الأشياء والموجودات. وعند هذا الحد يدّعي الفتى “يوكينين” أنّه المسؤول على بعض جوانب الخليقة مما حدا بالساحر الشيخ أن ينومه في باطن الأرض تارة وفي المستنقعات تارة أخرى وتارة ثالثة في مياه البحار. ولما بلغ الماء خضره ثم إبطيه حتى شرق به فمه تعهد للساحر الشيخ بأن يهبه أخته “أينو”. وعندئذ فقط راح الساحر “فينامونين” الجالس فوق “جوهرة الإنشاد” يغني ثلاث ساعات أخرى ليرفع عن الشاب الأخرق سحره الجبار ويعيده إلى سيرته الأولى. في هذه المأثرة البطولية نرى كافة أشكال المنافسة التي ذكرناها فيما سبق وقد اتحدت وامتزجت فثمة مباراة الهجاء والتلاسن، وثمة مباراة المفاخرة والمباهاة، وثمة “النقائض” في ذكر مناقب الرجال ومساوئهم، وثمة المنافسة في المعارف الكونية، والمنافسة في سبيل الفوز بقلوب العذارى، وثمة اختبارات الجلد وتحمل المكاره، وثمّة الابتلاء والعذاب، كل ذلك في ومضة جياشة من الخيال الشعري.

ولعل أفضل تسمية للشاعر القديم هي أنّه “الممسوس أو المتنبئ أو المتأله أو المفتون” الّذي لا ينطق إلا هذيانا. ولا تحول هذه الخصائص فيه دون امتلاكه – في الوقت ذاته – معرفة هائلة غير عادية. فهو “العراف” أو “الشاعر” كما أطلق عليه العرب القدماء. وفي “الأساطير الإيدية” يتعيّن على من يريد أن يصير شاعرا أن يشرب شرابا مسكرا أعد خصيصا من دم “كفاسير” أحكم المخلوقات جميعا والذي لا تستعصي عليه أية معضلة مهما تكن ولا يخفى عليه شيء وما من سؤال إلا ولديه الإجابة الشافية عنه. وعلى مر العصور وشيئا فشيئا انقسم الشاعر “الرائي” وتوزع على الأنبياء، والكهنة، والعرافين، وحاملي الأسرار، والشعراء كما نعرفهم اليوم، ناهيكم عن الفلاسفة، والمشرعين، والخطباء، والدعاة، والمفكرين، وأصحاب البيان والبلاغة، كل هذه الكوكبة المنبثقة من هذا النمط البدائي المركب. وجميع الشعراء الإغريق الأوائل يجمع بينهم هذا السلف الأعلى المشترك. فقد كانت وظيفتهم وظيفة اجتماعيّة بامتياز، فهم لا ينطقون بشعر لا يعلم الناس أو يوجه الشعب. إنهم قادة الأمة الذين حل محلهم فيما بعد المعلمون السوفسطائيون.

إن صورة الشاعر المتنبئ القديم تتراءى بالعديد من جوانبها. فهو الرائي “ثولر” في الأدب النرويجي القديم، وهو كذلك (ثايل) في الأدب الأنجلوساكسوني. ويرجع علماء فقه اللغة الألمان الجدد كلمة الشاعر الراجم بالغيب إلى لفظة (كولتريدنر) والتي تعني حرفيا “خطيب الطائفة”. والنموذج الأمثل للشاعر المتنبئ ما تصوره “ساكسو غراماتيوس” عن حق حين ترجم كلمة “ستار كار” إلى كلمة “فيتس” أو “الشاعر المتنبئ الراجم بالغيب”. فالشاعر المتنبئ (ثولر) يظهر تارة في هيئة الناطق بالطقوس الدينية، وتارة أخرى في صورة الممثل في الدراما الدينيّة، وتارة ثالثة في هيئة كاهن القرابين وأحيانا أخرى يظهر كساحر مشعوذ. وفي بعض الأحيان قد لا يكون أكثر من شاعر البلاط وخطيب الملوك والأمراء زلا تعدو وظيفته أن تكون وظيفة المهرج أو مضحك الملك (سكورا) ويناظر ذلك الفعل (ثيليا) الذي يعني تلاوة النصوص الدينية، وممارسة السحر والشعوذة أو لنقل الهمهمة والغمغمة.

إن الشاعر المتنبئ (ثولر) هو مستودع جميع المعارف الأسطوريّة والتقاليد الشعرية. إنّه ذلك الشيخ الحكيم الذي يعرف تاريخ الشعب وتراثه، وهو المتحدث المفوض باسم الشعب في المحافل والاحتفالات وهو العليم بأنساب الأبطال وسجاياهم الأخرى ويمكنه إذاعتها على الملأ ليعرفها الداني والقاصي. وتظل وظيفته المثلى في مقارعة الخطبة بالخطبة والحكمة بالحكمة. وهذا ما نصادفه في شخص “أونفيرد” في أسطورة “بيولف”. وينسحب ذلك على ما صادفناه في أسطورة “المانجافنار” التي تطرقنا لذكرها من قبل، إذ تنتمي مباريات الحكمة التي تدور بين “أودين” والعمالقة والأقزام إلى نمط الشاعر المتنبئ العراف في جوهرها. أما القصائد الأنجلوساكسونية الذائعة مثل “الويدسيا” و”التائه” فإنّها أمثلة نموذجيّة لما كان ينظمه شعراء البلاط من شعر متقلب متعدد الوجوه.

ولا تتعارض أي من الخصائص التي ذكرناها فيما سبق بأي حال مع الصورة التي تمثلناها للشاعر القديم الغابر والذي كانت وظيفته دائما وأبدا دينية وأدبية في آن معا. لكن، دينية كانت الوظيفة أم دنيوية فإنّها ظلت ضاربة بجذورها في قالب اللعب والألعاب.

******

المصدر:

يوهان كوتسينغا: ديناميكية اللعب في الحضارات والثقافات الإنسانية، ترجمة: د. صديق محمد جوهر، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، الطبعة الأولى 2012، ص ص 333-339.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This