الطوبوفاجيون أو آكلي لحوم البشر تحت راية الله

قراءة في رواية "طوفان من الحلوى في معبد الجماجم" لأم الزين بنشيخة

يأتي على الخلق إصباح وإمساءُ…وكلنا لصروف الدهر نسّاءُ

                                                      خسست يأ أمّنا الدنيا فأف لنا… بنو الخسيسة أوباش أخسّاء

         وقد نطقت بأصناف العظات لنا… وأنت فيما يظنُّ القوم خرساء

                                                  أبو العلاء المعرّي، اللزوميات..

لقد أفلقت الكاتبة والفيلسوفة أم الزين بنشيخة بمقراعها الفلسفي صخر اللغة، في جلّ كتبها[1]. فتفجرت ينابيعا تسيل أدبا فيه أحسن القصص والشعر كما الفلسفة حتى طوت شهرتها في أصقاع البلاد شرقا بأنّها “فيلسوفة الأدباء وأديبة الفلاسفة” تذيب اللّغة واللّغة تذيبها، فتركب صهوة الشعر، وتخمش من يلامس القصيد وتكتب الرواية كأحسن ما تكون حبكة لشطب الهيمنة الذكورية. فتسجل برأس كلّ صفحة أولى أنّها من جنس المرأة المبدعة التي لا تدس رأسها خوفا من قول الحقيقة ولا تخمّر عينيها عمّا يجري تحت “كعب أخيل” مفجّرة غضبه “ثيموسه” ضمن كتابة سردية تشبه “إلياذة” جديدة تلفظها نثرا وتخلّلها بين الفينة والأخرى شعرا في كلّ رواية تنتأ من تحت أناملها وآخرها رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم[2].

رواية من الأدب الغريب تروي ما يختلج بمهجتها وما تحسّ به بين ضلوعها، لتجعل منها مرايا عاكسة لما يدور من أحداث جسّام فوق كوكبنا الحزين في عصر ما بعد الحداثة أو بالأحرى عصر “ما-بعد الله[3] بتعبير سلوتردايك. أمّا حينما تأتي حديقة الفلسفة، فلا ينافسها في الكتابة الفلسفية غير المتنافسين ندّا لها.

وحينما نأخذ رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم[4] لأمّ الزين بن شيخة بقوّة لا تلين ونطوي طرقاتها الملتوية ونجوب تضاريسها المنحنية ونتوقف عند سهولها المتعرجة. فيشدّك أسلوبها الساخر في الكتابة السردية وإثارتها لـ”كيمياء الأهواء والعواطف” بتعبير أمبيرتو إيكو للتجاوب مع أبطال روايتها وإلمامها العجيب بالقضايا الإنسانية المحلية والكونية وقدرتها الفائقة على الربط بين الواقعية والرمزية في السرد. وهذه الطريقة في العجن بين المسارين لهو دليل على الخلق والإبداع على طريقة الكبار من الأدباء والشعراء مثل التوحيدي والجاحظ والمتنبي والمعري ودوستويفسكي وتولستوي وكافكا وبودلير وهولدرلين وبلزاك وستاندال ونجيب محفوظ ونعيمة وجبران والمسعدي وصنع الله إبراهيم وغابريال غارسيا ماركيز وغارسيا لوركا وأمين معلوف وأحلام مستغانمي وإبراهيم الكوني…

ولعلنا لو أحصينا الإيماءات والإشارات والتنبيهات لأرباب الأدب في رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” لحاز كلّ منهم على نصيبه من الكلام ولوجدنا أثرا من صدى أصواتهم يتردد في أسلوب الكاتبة أم الزين بن شيخة التي أتقنت المشي على طريقة الجهابذة وأساطين الأدب. أمّا في الفلسفة فهي “المثّاجة” (تكثر من التّسآل) وتحسن عجن الأفكار الفلسفية عجنا يخرج عن طور العادة كما تعجن الجدّة صالحة “فطيرة الصباح[5]. فتبدو في رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” سقراطية أكثر من سقراط نفسه بإتقان فن السخرية والتهكم من حماقات جنس من البشر تتهمهم بسرقة “الله” من قلوب المؤمنين البسطاء وتفضح لصوصيتهم المقيتة وتجسسهم على الأنفس والضمائر وتنصيب أنفسهم أوصياء على الآخرين ووكلاء يختبئون تحت مظلة الدين جاؤوا من مغاور التاريخ الغابر لزرع الشر في الحديقة الإنسانية وتلغيم جبل المغيلة في الجنوب التونسي وقطع الرؤوس وذبحها من الوريد إلى الوريد تحت راية الله وتميط اللّثام عنهم من خلال شخصية الإرهابي “الغريب /خازوق“.

وترسم الفنانة والمبدعة أم الزين بن شيخة بريشتها لوحة فنية قاتمة تصور جمالية القبح أو “الفنّ زمن الإرهاب” ضمن لوحات الفنان كوشمار /عبد الباقي /عماد ابن عم الشهيد مبروك السلطاني وهم أسماء لمسمى واحد والوحشية التي قطعت بها رؤوس أهالي القرية منها الشهيدين أبناء دادا زعرة مبروك السلطاني وأخوه خالد من طرف الإرهابيين. وهي لوحة قاتمة سوداء “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” من تاريخ تونس بعد الثورة لا تختلف عن اللوحة القاتمة التي صدّر ميشال فوكو بها كتابه “المراقبة والمعاقبة” إلاّ اختلافا طفيفا في الزمان والغرض منها تكنولوجيا السيطرة على الجسد والتي تصوّر لنا تعذيب داميان (Damiens) لحظة الاعتراف أمام جلاده بتقطيع أعضاء جسده إربا إربا حتى موته ولسان حاله يقول: “إلهي..إشفق عليّ..”[6] ومثل سواد وعتمة هذه اللّوحة لداميان تستهل رواية “طوفان من الحلوى..” سوادا آخر من لوحة الرؤوس المقطوعة من جبل المغيلة.

تسرد علينا الراوية أم الزين بن شيخة حادثة الموت المشابهة لداميان في قتامتها غير أن موته أتى من طريق السلطة المرئية للحاكم المتمثلة في شخصية الجلاد وكلابته أو “كماشته الفولاذية“. بيد أن موت العائلة جاء من طريق السلطة الخفية ليس تلك التي تهب الحياة وتمدد فيها وتؤجل الموت، بل هي تلك التي لا تنفك تتخطف الأرواح وتسرق منهم أمنياتهم وأحلامهم ومستقبلهم وتعطل طريق الحياة نحوهم وتطمس كل نور منبعث من بين ضلوعهم والمتمثلة في هذا الجنس البشري العدمي المقيت المسمى بآكلي الأرواح وسرّاق فلذات الأكباد والعدو اللّدود للإنسانية الحرّة هم “الإرهابيون” “الطوبوفاجيون” آكلي لحوم البشر أو بتعبير سلوتردايك “الطفيليين الوقحين في كوكبة ما-بعد الشيوعية[7]. أولئك الذين يرغبون في “ضيافة غير مشروطة[8] داخل فضاء “ما-بعد الملة[9] بتعبير فتحي المسكيني وهي تعدّ حسب جاك دريدا أسوأ وأخطر أنواع الضيافات.

أولئك هم شباب معطلون دفعهم الفقر والعوز إلى القتال مثل “الغريب” المسمى “خازوق” يسرد قصة دخوله إلى الإرهاب لكوشمار حين “طلب منه الغريب أن يعلّمه فنّ الرسم.. وحينما سأله كوشمار: “لماذا تريد تعلّم هذا الفن يا ولد الدريدي. أجاب في حسرة: أريد أن أكفّر عن ذنوبي يا عماد. إن رسم رؤوس الرعاة التي ذهبت ضحية حمق بعض سكان الجبل، هو اعتذار لهم عمّا حدث للجميع في هذا الجبل اللعين. ثمّ أضاف بعد صمت حزين: “لكن أولئك الرعاة يا صاحبي. كلّنا رؤوس مذبوحة..ذبحنا الفقر والتهميش.. ذبحنا حكّامنا.. ذبحتنا عصابات التهريب والاتّجار بالبشر.. كلّهم ذبحونا من الوريد إلى الوريد.. أولئك الذين ساهموا في غسل أدمغتنا..وفي إرسالنا إلى أماكن الموت.. عصابات التسفير وباعة الجوع للجياع[10]  أو الانتحار جسديا تحت فتوى فقهية تسمى “الجهاد[11] باسم الله وتحت غطاء ديني مستنبت من تاريخ هائم وقائم على النزاع والتخاصم لم يحسم حينئذ إلاّ بإراقة الدّماء بين بني أمية وبني هاشم كشفه المؤرخ تقي الدّين المقريزي تلميذ العلامة ابن خلدون في إحدى كتبه[12] وأومأت إليه الكاتبة حينما ناقش عبد الباقي السلطاني أو كوشمار رسالة الدكتوراه ويسرد حجم الاغتيالات في تاريخ الإسلامي بتفصيل دقيق[13]. ولعلّ الراوية ههنا على يقين بأنّه لا يمكن الفصل بين عالم النصّ “الخيال السردي” وعالم القارئ “الواقع المعيش” إلاّ بانصهار الأفقين أفق النصّ وأفق القارئ ويترجم بـ”انصهار الآفاق[14] كما عبّر عن ذلك بول ريكور في تقاطع عجيب وأن “ما يستقبله القارئ ليس مجرد مغزى العالم، بل إحالته من خلال مغزاه، أي التجربة التي ينقلها للغة[15]. ففي المشهد الأول ترتعد فرائصنا من شدة هول الفاجعة فاجعة الموت الذي لم يعد في عصرنا الحالي يأتي الموت “رأيتُ المنايا خَبْطَ عشواءَ من تُصِبْ / تُمِتْهُ ومَنْ تُخْطِئُ  يٌعمَّرْ فيَهْرَمِ[16] كما صورها الشاعر زهير بن أبي سلمى في حكمته الحولية.

وإنّما أصبح الموت يصنع في ورشات مظلمة ويباع في حوانيت سياسية ودينية ويروّج له إيديولوجيا تحت راية الحزب أو دينيا تحت راية الله والجميع لصوص من حيث الدافع بتعبير ماركوس أوريليوس في الكتاب العاشر من “التّأمُّلات” “العنكبوت فخورة حين تصطاد ذبابة، والإنسان فخور بصيده أرنب مسكين، سمكة صغيرة في شبكة، خنازير، دببة، أسرى من الطرامطة والجميع من حيث الدافع لصوص[17] حيث ترفع الكاتبة الستار عن المكان الذي دارت فيه حادثة اغتيال العائلة تقول الكاتبة: “ضباب يهمّ بشطب سماء قديمة وزوبعة ثكلى تسرق الله من قلوبهم… غيمات تتجمّل من أجل استقبال ربيع آخر… جماجمهم منثورة على طول الطريق المؤدية إلى أطفالهم… كانوا سبعة وكبش العيد وأمّهم… كلّ المشهد يوحي بنوع من اليتم السعيد..لكنّ جبل المغيلة (في تونس الأخرى التي تقف في الظل)… لا يزال هناك يحتلّ الأفق ويسطو على أقدارهم… وأصوات تركض في دمائهم ثم تقبض على حناجرهم وتصرخ فيسقط الصوت على رؤوسهم المقطوعة في قسوة الصخر...”[18].

إنّ اللافت للنظر أنّ جبل المغيلة الأخشب الغليظ الحزيز “نباته كالإبر وأرضه ظمآى وغباره كثير وسماؤه صفراء[19] لا تنبت فيه إلاّ القتادة وهو مكان يسرح فيه الرعاة أغنامهم تتم فوق سمائه ذبائح تحت اسم الله وتتحوّل إلى جماجم ستبنى منها أبراج المدينة في المستقبل البعيد. فالجبل هو الإطار المكاني الذي وقعت فيه الحادثة في رواية “طوفان من الحلوى” له دلالاته الرمزية الفلسفية الوجودية نستشف ذلك من خلال تقديم المكان على الزمان الذي يحيل مباشرة إلى معنى وجودي متواري خلف رمزية الجبل تتمثل رأسا في المقولة الوجودية التي أسس عليها سارتر فلسفته الوجودية كمذهب إنساني وهي تجعل من أسبقية الوجود على الماهية فاتحة لصراع الإنسان مع القوى الارتكاسية التي سطت على وجوده.

فلا يسعك إلاّ أن تنظر إلى هذه الآية من آيات الفن الروائي يعبّر عن سرّ الرواية إذ الجبل يتحوّل إلى رمز للموت “يحتلّ الأفق ويسطو على أقدارهم” ومنه تتوالد الأفكار والشخوص من بعضها البعض كشخصية كوشمار وعبد الباقي اللذان يمثلان وجهان لوجه واحد هو الفنّان الرسام الذي يحوّل العدم إلى وجود وينتأ من بين يديه العدم وجودا، ليجسد بريشته  طوفان من الذبائح من الرؤوس المقطوعة ويحولها إلى مزار ومعبد من الجماجم تقرأ فيه تاريخ جنس بشري مفقود وقع أكل لحمه نيّا غير مطبوخ من طرف الإرهابين ويبدأ مشواره في القصة بطلب نصيبه من الحلوى من صديقته أقحوانة ومن ثمّة تكلّف ابنها ورد الذي صنعته من الحلوى ليهذّ علينا قصة طوفان من الحلوى ويواصل كوشمار بناء معبد من الجماجم “وكان يهمس في كلّ ركن قصيّ من الحكاية: “سألتقط كلّ الرؤوس المذبوحة.. وسأبني لهم معبدا للجماجم”. هناك ستتناسل حكايات الآلهة من جلود جديدة.. وسيتزحلق الأطفال فوق لُعاب طوفان من الحلوى السائلة من قمة جبل مغيلة على امتداد ألف وثلاث مائة متر ونيف.. وهو ارتفاع يكفي للصعود عميقا في دمائهم..[20]

وها هو العدم يخرج من “كون المخيلة” إلى “كون الضرورة“، من عالم النصّ إلى عالم القارئ، من لوحات كوشمار الديستوبية ويصير واقعا ملموسا يسري في كلّ شبر من أشبار الخارطة التونسية من الجنوب “جبل مغيلة” إلى الوسط الغربي “حادثة الكميونة” ثم الساحل “جزيرة قرقنة” التي لم يتسع الوطن لأبنائها، فيعمدون للحرقة كمتنفس آخر لهم هربا من واقع مزري ومأساوي لا يطاق فيه العيش شباب عرف الطريق نحو فلسفة الرواقية التي تلجأ في المحن التي لا حلّ لها غير الانتحار. كذلك هؤلاء الشباب قد تعلموا أدبيات الفلسفة الرواقية دون قراءتها وتحولوا إلى غرباء مثل “الغريب” في الرواية مهمته القتل ولا شيء سوى القتل وتقطيع الرؤوس وذبحها. أليس هم ضحايا المجتمع بتعبير فوكو؟

وتتحول المدينة إلى مقبرة جماعية تصفها بقطع الحلوى المكدّسة في كلّ أرجاء المدينة بسبب تفشي مرض كورونا “مقبرة المدينة تسقط فجأة دون أن يأسف على ذلك السقوط أحد.. جاؤوا إلى هنا يحتجون من طقوس الدفن واكتفاء الدولة بردم جثثهم في مقبرة جماعية بتعلّة الموت بسبب كورونا.. فما ذنبهم إن كان موتهم معديا أيضا؟..[21]. وههنا يبدو بديّا لنا منذ الوهلة الأولى في الرواية معنيين متضادين هما الوجود والعدم أو بالأحرى الحياة والموت ولكن في العمق يولد الوجود من رحم العدم. فتخرج القصة الأم من جبل المغيلة ثم تسدل ستارها بموت “داد زعرة“. وينسحب الوجود على شخصية ياسمين ومن بعدها ميارى وفي المقابل العدم ينهض بظهور كوشمار وشبيهه عبد الباقي، وفي الأصل هما شرطان متلازمان في البناء السردي للرواية، فكوشمار هو صديق ميارى أو الوجه الآخر لها.

وفي ظهور كوشمار وغيابه حينا وضياع ميارى وشرودها وعودتها يصير العدم شرطا لانكشاف الكينونة من خلال تدخل الراوية من خلال أصوات “الصدى” و”الأشباح” و”المناجاة” مثل إرسال رسائل إلى الله وتمكين ميارى “الحلم والأمل” في الأخير من دخولها إلى الجامعة وحصولها على الدكتوراه في علم النفس، لتصبح عالمة نفسانيّة قادرة على معالجة المشاكل الوجودية التي تقض مضجع الكينونة الإنسانية وعلى هذا النحو تجعل من “العدم نفسه ينعدم[22] بتعبير هيدغر بما هو وحده الذي يحجب الوجود ويخرجه القلق من غبشه بما هو حالة وجدانية تحرّر الدازين الذي نحو كلّ مرّة متجسدا في ميارى من جهة وكوشمار الفنان من جهة أخرى من هيمنة العدم الذي بشّر به الغريب المسمى خازوق الذي تحوّل إلى قنبلة موقوتة لا أحد يعلم أين ستنفجر ويعتبره كوشمار أخطر جنس بشري من نوع الثدييات.

ذلك في الرواية آية من آيات القصّ العجيب يهُذّ علينا صراعا محتدما حامي الوطيس بين الوجود والعدم “حيث يرسم كوشمار ما تبقى ويسجل مكانا للعدم كي يعبر فوق رؤوسهم تحت راية الله[23]. هاهنا كوشمار الفنّان الذي لا سماء له غير سماء الفنّ ولا أرض له غير لوحة وريشة يتفنّن في رسم الرؤوس المقطوعة ليكتب لنا تاريخا أسودا كتب في الجهة الأخرى من جبل المغيلة، وليجعل من الفنّ انتصارا على كهنة المواخير ولوبيات الفساد وسارقي الله من قلوب المساكين أو بالأحرى ما يقوله المثل التونسي بلهجة بدوية “يخنبو في ربي بالسّبحة“، للإكثار من العصائد اللاهوتية ومزيدا من العلف الميتافيزيقي كما تقول الكاتبة والفيلسوفة أم الزين بن شيخة في إحدى شطحاتها الفلسفية الرائعة وكل ذلك من أجل بناء معبد من الجماجم يقدّه من طوفان من الحلوى. ههنا يبدو أنّ “الإنسان استشكل على الإنسان” في قلب “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” لأم الزين بن شيخة التي خرقت العادة وخرجت عن صفّ الروائيين في روايتها السابقة “جرحى السماء” و”لن أجن وحيدا؟” كما في “طوفان من الحلوى” تسرق منك أويقاتك، لتقص عليك أدبا يدخر بجعبته “حياة أخرى” بتعبير أندري جيد لتجعلك تتمرّن على مقاومة الموت ومطاردة العدم سلاحها الوحيد القرطاس والقلم وجسدا لم تعيه القراءة عن النزول إلى الشارع لكنس المدينة من ذاك النوع من جنس الأشباح مثل “الغريب” المسمى “خازوق” وإماطة اللّثام عن “طوبوفاجيته” (آكل لحوم البشر) عند ليل بهيم.

وإن قرأت ما سطرته لنا من قصص غرائبية فيما تسرده وعجائبية في معانيها وتمردية في أسلوبها لتكون منا وما طوفان من الحلوى إلاّ واقع يبنى بالخيال يتوارى خلفه واقع حقيقي لا مراء فيه تجسد في سيل عارم من طوفان من الحلوى تعكس ما يجري في واقع تونس الأخرى التي أسقطت قديما كلّ الجبابرة وهي ما تزال الكاتبة تسرح فكرها لتدربنا على فن المقاومة حيث تذكر بين الفينة والأخرى بأنّ الأجساد لم تخلق “للعلف الميتافيزيقي” فقط، بل لمقاومة والسخرية من كلّ عبودية ذكورية أو سلطوية مثلما تقول:”نهود النساء وحدها اختارت المقاومة[24] وهي في الحقيقة أشكال تهدد الوجود النسويّ الأنثوي وتستلب حريته وما الوجود أصلا إن لم يكن في ماهيته “أنثى” كما أومأ المتصوف ابن عربي في ديوانه “ترجمان الأشواق[25].

لذلك بدت الكاتبة في نصّها تقاوم من داخله، لترسيخ جندرية تقف ضد الهيمنة الذكورية بشتى أشكالها وتتملص من شبحها الحضاري والثقافي والمعرفي وهي تنبس بأنّ الرواية هي الملاذ الوحيد للتخلص من ربقة الذكورية وصلفها المقيت. أمّا من جهة أخرى، إذا أمعنت النظر أشد الإمعان، فستلمح عن كثب في الرواية تعالقا عجيبا بين الواقعية والرمزية الفلسفية حينا أشبه بـ”تعادلية توفيق الحكيم” ولكنها تعادلية عجيبة وحينا آخر تصل إلى حدّ طغيان الرمز على الرواية في تشابك وتنافر داخل الحبكة السردية تفتح على أدب ما -بعد الحداثة وما بعد -بعد الحداثة.

ذلك الأدب المعاصر الذي يقتات من التبعثر ويجعل من التشتت عنصره ومادته ومداره حيث تباغتك القصة تلو القصة وتلتحم الرموز ببعضها البعض مثل عناق العشاق. فإن أضعت طريقك في فهم نسيجها وحبكتها، فلن تستطع العودة إلى نقطة بدئها ولو رمت أن ترقى السماء بسلّم إلاّ بإعادة قراءتها من جديد. وتلك هي قوة المبدعة في القدرة على حملك لتفكّر بهدوء وتكتب على قرطاسك ما المغزى من رواية “طوفان من الحلوى“؟ آنذاك فقط تستطيع أن تدخل محراب الرواية وعوالمها الغرائبية والعجائبية التي ستصادفها في واقعك اليومي وكأن الكاتبة تسكن أحلامك ومستقبلك. ولقد صدق الفنان بول كلي حينما قال:”انهض أيّها الإنسان واعتقد لساعة واحدة أنّك إله“. أليس الفنّان إله أرضي يعيش بيننا ونحلم من خلاله؟

ولكنك إن سرت في دهاليزها وشعابها الملتوية ستجد صدها في واقعك اليومي وتجدّد ذاكرتك وتتعلّم دروسا في المقاومة وذلك يعود إلى ما تدخره الكاتبة ثقافة فلسفية موسوعية متأتية من عشقها الوَجَدي بالفلسفة و”من العشق ما قتل” بعبارة الأصمعي إذ تصرفها داخل “بنوك ثيموسية/غضبية[26] بتعبير سلوتردايك، لتكون أمارة من أمارات الانتصار على العدم وتحويل العصر إلى عصر جاحظي يبلغ الشأو من فنّ السخرية ما به تعبّر الكاتبة عن زماننا الذي تنبأ به درويش ذات يوم: “يأتي زمن أعلى من الماء وأدنى من حبال الشنق“. وعليه فإنّ “لكلّ زمان جاحظ[27] لطرد الحمقى والمغفلين والمتعصبين وأصحاب الرؤوس الصُوّانية والذين لا يفكرون إلاّ بمؤخراتهم وإستهم حتى لا يتحول الوجود البشري إلى “عصائد إلهية” وطوفان من الحلوى تقطع فيه الرؤوس. بم التّعلل إذن؟ أليس علينا أن نتأسى لنتشفى باستحضار قول بديع الزمان الهمذاني في إحدى مقاماته“السّاسانية“: “هذا الزمان مَشُوم/ كما تراه غَشُوم/ الحُمْقُ فيه مليحٌ/ والعقل عيبٌ ولُوم/ والمال فيه طيف ولكن/ حول اللئام يحوم[28]؟

فأم الزين المسكيني هي فيلسوفة إلى جانب أنّها أديبة تقص علينا أحسن القصص تعيد لنا صورة الفيلسوفة الكلبية اليونانية هيبارخيا المتمردة والساخرة من حماقات عصرها جريا على عادة ديُوجينسْ القُونيّ الساخر الذي ليس لديه ما يخسره غير الصمت ولكنه يلتقي مع هيبارخيا ولوقيانوس السيميساطي والمعرّي والجاحظ ضمن الأسلوب الفني الساخر في رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” من خلال تصاعد كميّة “الثيموس” الغضب التي تدخرها الراوية في أسلوبها الفني المبتكر الذي يتميز بالسخرية اللاذعة من لصوص الله والمكارين والمتدنقين والسماسرة بأرواح البشر.

وهي وإن لم تظفر بهم في الواقع لانفلاتهم من القانون وكأن “القانون وضع لكل يحتال به الإنسان على الإنسان” بتعبير فوكو، فإنها ظفرت بهم من خلال اللغة وقامت بتصويرهم تصويرا كاريكاتوريا ساخرا من شناعة أفعالهم وزرعهم في الحديقة الإنسانية الغنّاء بُقُولاً من العدم “أنظر فلا أرى غير العدم[29] بعبارة المسعدي في “حدّث أبو هريرة قال” ومثلما تقول الراوية في نبرة ساخرة ووقاحة فلسفية تمتد من ديوجينس وهبارخيا ولوقيانوس مرورا بالمعرّي والجاحظ ووصولا إلى نيتشه وانتهاء بسلوتردايك الذين عرفوا بوقاحتهم وسخريتهم. فهي لا تبخل علينا بكتابة ضرب آخر من الأدب النسائي الساخر، إذ تقول:”تتبول على الحكومات[30] وكذلك “يأتي الموت ثقيلا من نوع قلّة الأدب اللائقة ..سوف يأتي: “هذي ..ثورة؟ يأولاد الق…؟ كانت تصرخ بصوت عال يعلو فوق صوتها: “هذي…ثورة؟ يا أولاد الق…؟ ويتكرّر الصوت مئات المرّات في الثانية حتى تخاله في سرعة الضوء..[31].

وليس أصدق إنباءا وإخبارا من قول الأديب محمود المسعدي لمّا عجل بالقول عن الأدب “مأساة أو لا يكون” وبذلك فاق سارتر في تعريفه للأدب “ما هو الأدب؟[32] مأساة يتردد صداها بين الألوهية والحيوانية، غير أن أم الزين بن شيخة تستعير من مسرحية “السدّ” للمسعدي شخصية ميارى التي تظهر في المنظر الثامن من رواية “السدّ[33] ولكن ميارى ههنا تدخل مذ المشهد الثاني من رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم”  “هي ميارى… سقطت اعتباطا من سَدِّ ما حدّث أبو هريرة ذات “سدّ” من مدن الداخل..في ذاكرة مفقودة..تذكرت أنها جاءت إلى هنا من أجل صناعة الحلوى والإكثار من إنجاب الأطفال..”[34]. وتدهشنا شخصية ميارى التي سقطت فجأة من ذاكرة الكاتبة من أجل صنع الحلوى وإنجاب الأطفال، لتحدث توترا في الرواية وتجعل منها رمزا لانبعاث الحياة من خلال بناء سدّ أمام العدم المحدّق بالإنسانية.

وبقدر ما تتوغل في الرواية تقترب من نفسك وتكتشف غضب الكاتبة وتمردها على كلّ أشكال السلطة الإستبدادية العقابية التأديبية بتعبير فوكو أو بالأحرى سلطة “الكلبيات” الاستبدادية مثل؛ الكلبية العسكرية وكلبية الدولة والكلبية الجنسية والكلبية الطبية والكلبية الدينية والكلبية المعرفية وهي تمثل ستّة كلبيات يطلق عليها سلوتردايك اسما جامعا “الكلبيات الأساسية[35]. فأن تحمل عبء الوجود عليك أن تتمرّن على المقاومة، مقاومة القحط الفكري والتصحر الجمالي للوجود. ولعلّ الكاتبة أم الزين بن شيخة تجعل من فنّ الرواية طريقا نحو أنفسنا ذات الأجنحة المتكسرة، لإصلاح ما تبقى من مرايا وجودنا المهشّم وتعيد سبكه وخلقه كما يخلق الخزّاف من طينته أشكالا وصورا تبعث على التفاؤل. ذلك الوجود المثقل بالمآسي والجماجم والذي لا يمكننا مقاومته إلاّ بالسخرية والتّهكم. حينئذ سنصبح “قُونيّين” مثلما هو الشأن مع “جدّ القُونيّين” دُيوجينس الفيلسوف “القُونيّ” الساخر بتعبير سلوتردايك. وحسبك أم الزين بن شيخة تكتب كتابة جندرية تقاوم الهيمنة الذكورية وتسخر من حماقات السياسيين وفتاوي الفقهاء العُدماء المتاجرين أصحاب السلطان، لتدافع عن الجنس البشري؛ ذاك الجنس البشري المنسيّ والمسكوت عنه في كل ركن من أركان الوجود. وهي باعتمادها فن السخرية اللاذع كأنها تحرّر المعرّي من سجونه الثلاث وتطلقه نحو اعتراك الوجود في صخبه وعنفه ليصوّر لنا الواقع في عريّه ليس شعرا بل نثرا…

بلا ريب، تدعونا الكاتبة في روايتها التي تعدّ من نصوص الأدب المُفلقة إلى سماع هسهسة الوجود عندما يتحدّث في اللغة وباللغة ويخلق منها دنيا من الأكوان المتداخلة حينا والمتنافر أحيانا. وإن حدّثت أم الزين بن شيخة في رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” عن براءة الوجود الإنساني المغتصبة التي أسهبت في سرد صيرورته المعطلة، فإنّها تورّطك مع شخوصها وتدخل معهم في عراك الوجود وصخبه وعنفه ولكنك لن تكون مثل الغريب، بل ستكون “أنت كما أنت” بتعبير المسعدي منجذبا إلى كوشمار وميارى الحلم والإنتظار.

شغف الكاتبة وولعها بسيمياء اللغة لترويض هذه الدّابة حتى لا تحرن وهي فعلا تحرن حرنا كالمُهر كما أخبرنا التوحيدي في مؤانسته من أجل أن ترفع الستار عن نوع بشري آخر من جنس الثدييات يخبط في الوجود خبط عشواء ويلوّث جدارية العالم بدماء البشر مزهوا بنفسه يفترش أرضا إيديولوجية عجوزا ويتغطى بسماء مترهلة ومتثائبة لم تعد قادرة على مجابهة تحديات العصر “عصر الكلبيّات المعمّمة[36] بتعبير سلوتردايك أو عصر “التّفاهة[37] بتعبير ألآن دُونو أو “الدخول في العصر الإيكولوجي[38] بتعبير إدغار مُوران أو “عصر الكورونا[39] بتعبير فتحي المسكيني.

هؤلاء الطوبوفاجيون، آكلي لحوم البشر، الإرهابيون الذين يقتاتون من دماء البشر ويحصدون فلذات أكباد الفقراء والمعذبون في الأرض أمثال “دادا زعرة أم الشهيدين“. لقد تمرسوا بقطع الرؤوس وتحويلها إلى جماجم “منثورة على كامل الطريق نحو أطفالهم[40] مثل اللوحة القاتمة التي تستهل بها الكاتبة المشهد الأوّل من روايتها “كانوا سبعة وأمهم وكبش العيد[41] تحت راية الله في جبل المغيلة بتونس الأخرى وهم يحرّفون الكَلِم عن مواضعه[42] ويختبئون تحت أسمال إيديولوجية إسلاموية إخوانية أو سلفية متشددة رثّة تخلّقت بفعل الزمن، فطالت لحاهم مثل التيوس وصدق قول الشاعر فيهم “يا ليت اللّحى تكون حشيشا فتعلف لخيل المسلمين“.

وحسبك رواية “طوفان من الحلوى” وهي جزء لا يتجزأ من الواقع التونسي وقطعة من جسم البلاد العربية ولوحة قاتمة من اللوحات الإنسانية المتشردة والمنسية والمسكوت عنها عنوة. وكاتبتها أم الزين المسكيني تنحت من طينة الإنسان التي تحطمت في جبل مغيلة وتخمّر طينة أخرى على شاكلة ميارى ما به يكون الإنسان إنسانا رغم قتامة لوحة “طوفان من الحلوى في معبد من الجماجم“.

شامخ إذن هذا النوع من الأدب الساخر حين تسائل الكاتبة أم الزين بن شيخة أبطالها في الرواية متى شاءت وهي في الحقيقة تأبى إلاّ أن تسائلنا نحن لماذا يتستر الإرهابيون تحت جبّة الله؟ أليس من حقنا أن نبرئ الله من دمائهم؟ ألا يعدّ هذا الجنس البشري المقيت المتعطش لدماء الأبرياء نسخا باهتة من أخوة يوسف امتهنوا الكذب حرفة؟ أليس هؤلاء هم الجنس البشري الذي يعجز العقل البشري أن يجد له تصنيفا في جميع معاجم العالم وهم “بكل بساطة أقل بكثير من الحمقى[43] بتعبير سلوتردايك؟

وبالجملة “من الشقوق البسيطة تتقوّض الصروح” على حدّ عبارة حسين الواد وههنا تشير الكاتبة في الرواية إلى الشقوق على جدارية الإنسانية الصاعدة التي ستقوّض صرحها. لذلك صدق المعرّي حينما قال بنبرة حزينة:” تعب كلّها الدنيا“. فلا ريب أنّ الرواية تصف لنا هذا التعب؛ قرية الرؤوس المقطوعة، الجماجم تتكلم، البلاد قد عمها الفساد، تفجيرات في العراق، موتى في سوريا، “الشعانبي يعاني من رائحة الإرهابيين[44]، طوفان من الحلوى يتكاثر كالبعوض، حلول عصر أكلة لحوم البشر، عصائد لاهوتية مكدّسة فوق الجماجم، تحوّل اللغة إلى وكْوَكَة وانسحابها من المشهد لتصبح أداة للشطب والتمويه وإخفاء الجريمة وتبرئة المجرم  وإسدال الستار على طوفان من الجرائم المرتكبة تحت راية الله.

وحسبك قول الكاتبة للإرهاب على لسان ميارى بين الفينة والأخرى على كامل أديم النصّ الروائي في “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” وهي تواصل محادثتنا من خلال محادثة نفسها لما يختلج في مهجتها من ألم لتتأسى أو في هُزوٍ كالمستخفّ في قهقهة دُيوجِنْسية تحت سقف عبارة الجاحظ “لو خرجت من جلدك لما عرفتك“، فتبث لواعجها بين السطور وتقتصد في حزنها على ما جرى لمدينة علّيسة قرطاج العظيمة ولبلاد الشام وفلسطين وبلاد الرافدين “باب الله” “بابل” الذي خلعوا بابه وهشموا ألواح “قلقامش[45] في مؤامرة سرية على اغتيال أنكيدو تسمع حسيسها ذاك الصوت الخفيّ داخل كلّ حكاية سردية “قرية الرؤوس المقطوعة[46] و”كابوس رقم 7″[47] و”كابوس رقم 10″[48] و”طوفان من الحلوى[49] و”معبد من الجماجم[50] وتجرّب كيمياء عواطفها وأهوائها لإثارة القارئ للحكم على هذا الخصيم المبين.

إنّ رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” لأم الزين بن شيخة إن لم تحي فيك إنسانيتك وتوقظ فيك غيرتك على جمالية الوجود وبراءته التي تسرق من بين يديك تحت أزرار المعاطف اللاهوتية. فلست أنت هو أنت. ههنا تُرافع الكاتبة على الجنس البشري الذي وقع اضطهاده ومصادرة منابعه الروحية مثل قيمة القيم “الله” الذي وقع المتاجرة به وأصبح مدخلا للقتل ونشر الرعب في الوجود بعامة. وهي تدعو بين الفينة والأخرى لتحريره وإخراجه من عقول المفلسين من كلّ معنى ومن جمالية الوجود. فهو الجميل الذي يحبّ الجمال وليس دافعا لمزيد الإكثار من الجماجم وتوسيع أمعدة الطوبوفاجيين لأكل لحوم البشر وترك عظامها آية على فسالة وانحطاط الحضارة جمّاع الحضارات التي بنيت على جماجم الفقراء والمنكوبين والهامشيين والمنبوذين من جميع الساسة والحكومات في تونس البلد بعد الثورة وقبلها.

فهؤلاء “البؤساء” في بؤسهم في جبل المغيلة بتونس الأخرى ويمتدون على كامل جغرافية العالم العربي أكثر من “بؤساء” فيكتور هيغو وهم المغضوب عليهم سياسيا وثقافيا ودينيا والذين وقع رفتهم من سجل الدفاتر المدرسية، “مدرسة الواقع” الحزين بتعبير سلوتردايك في تونس والبلاد العربية بسبب تأخيرهم عن الوقوف في الصفّ الأوّل وعدم ولائهم للسلطة الحاكمة أو للحزب من الأحزاب المهيمنة أو الذين فروا هربا من صوت المؤذن الناشز وهم الذين سرقوا الله من أرضهم ومن سمائهم ومن قلوبهم ومن مخيلتهم ووقعت مطاردتهم جيلا بعد جيل. فاحتموا بسفوح الجبال والعيش في البراري بعيدا عن هؤلاء اللّصوص المتجسسين على الأنفس البريئة والذين لا يستطيعون رمي سهامهم إلاّ من خارج قلاعهم، لتدمير الحدائق الإنسانية ولتحويل فكرة الله وأسمائه الحسنى إلى جحيم يلقى فيه الأبرياء الذين لم يتجرؤوا منذ نعومة أظافرهم على قتل حشرة واحدة مثل “حشرة كافكا“. فلماذا العودة إلى الوأد من جديد؟

فها هي تونس الأخرى بأهاليها في جبل المغيلة والوسط الغربي تأبى إلاّ أن تعيش وفق الطبيعة. تتخذ من مهنة الأنبياء “رعي الأغنام” طريقا نحو الله بلا قبعات إيديولوجية ولا معاطف دينية في انسجام مع فقرهم وعوزهم وبؤسهم يزرعون الأمل مطلع كلّ فجر وكلّ غبش يأتي بنهار جديد. ولكن يباغتهم فجر متثائب ونهار قاتم تقطع فيه الرؤوس وتتناثر فيه الجماجم كما تصورها الكاتبة أحسن تصوير، لمشهدية ترتعد لها فرائصنا وتسيل لها عباراتنا حزنا وألما. ولكن في قراءة الرواية خير جليس لنتأسى ونعيد ترميم ما تحطم ورتق ما فتق في نفوسنا ومعاودة الوقوف من جديد على “ساقين طويلتين” بتعبير نيتشه.

ثمّة إذن من الجنس البشري أشبه بـ”الثقوب السوداء[51] بتعبير فتحي المسكيني من يريد أن يمتص رحيق حياتك وينغص عليك عيشك ويفسد لعبك الطفولي وبراءة صيرورة الوجود ويغتصب بكارة الوجود في حلمك ولا يعطيك شيئا كبخلاء الجاحظ وإنّما يعجل الموت إليك لتزول وتندثر ويسجل رقما جديدا في سجل الوفيات ويكثر من الجماجم. وهو بلا ريب آكلوا لحم البشر، الإرهابيون الذين وقعت محاكمتهم في الخيال ضمن رواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم“، ولكن لم تقع محاكمتهم على أرض الواقع. ولكن الكاتبة تدين كل عنف مسلط على الإنسان وتناضل بالحرف من أجله وفتح أبواب الأمل في أفق انتظاراته.

كذلك تمهد الرواية لعصر جديد يلقي بظلاله على الحروب ليس فقط تلك السياسية، بل البيولوجية “الفيروسية” التي تدار في الخفاء ومن وراء الستائر وفي الغرف المظلمة للسياسيين والرأسماليين المتوحشين للظفر بأكثر عدد من الجماجم، فتحولها الكاتبة إلى مشهدية كاريكاتورية ساخرة من حماقاتهم التي لا تصلح إلاّ لتهريش الكلاب وتلهية الأطفال.

إنّ هذا النمط من الأدب الساخر التي عاجت إليه الكاتبة أم الزين بن شيخة في روايتها “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” يعرّي عن “الخانات السوداء” بتعبير فوكو التي ينطوي عليها الواقع التونسي لجنس بشري وقع إهماله من طرف الساسة والحكام بعد الثورة. جنس يقبع في الجهة الأخرى المظلمة من تونس والتي لا يطلع عليها نهار ولا تبزغ في سمائه شمسا وتغتصب فيه بقايا من الإنسانية المفقودة والضائعة في بلد يعود في الحقيقة إلى أعرق الحضارات الإنسانية؛ الحضارة القبصية 6800 ق.م وهي أقدم من الحضارة البابلية والمصرية واليونانية ومن بعدهم يأتي الفينيقيون 1101 ق.م وقرطاج حاكمتها عليسة 814 ق.م والرومان 146م التي عايشها الفيلسوف أوغسطينوس وترتوليان والوندال والبيزنطيين والإسلام والأغالبة والفاطميين والصنهاجيين والموحدين والحفصيين والمورسكيين الإسبان والأتراك والحسينيين ثمّ عهد الاستقلال حتى عهد ما بعد الثورة 14 جانفي 2011.

وإن احتار العقل في هذا الطوفان من الذبائح وتكديس الجماجم تحت أسماء الله الحسنى، فتعجب كلّ العجب في الرواية كيف تتناسل الشخوص من قريحة الكاتبة من بعضها البعض واختلاط الأزمنة والأمكنة إلى حدّ التشابك حينا والتعالق أحيانا ويتخللها القصيد بين الفينة والأخرى. وهي رواية مثقلة بالرمز والدلالات الحافة بالمعاني والتي تنسل جميعها من جبل المغيلة وتجري الأحداث في الراوية في سرد طوفان من الذبائح التي تقتل تحت راية الله أو الدولة أو الفيروس مصوّرة “أبوكاليبس” نهاية العالم. وفي الجهة الأخرى تنبعث الرؤوس المقطوعة وأرواح النساء والرضّع لتتكلم من جديد وتفصح عن أحلامها التي وقع الغدر بها في لوحات الفنّان كوشمار المتعدد الأسماء عبد الباقي وعماد لتنهض ولو لساعة واحدة معبّرة عن نفسها بحرية حيث الفن والحرية توأمان لا ينفصلان.

  1. صراع الوجود والعدم في رواية “طوفان من الحلوى”

        أو مواجهة “كوشمار” للطوبوفاجيين آكلي لحوم البشر:

يكمن أن نمعن أشدّ النظر في الرواية، فترتسم أمامنا جدلية تربط الرواية من أوّلها إلى آخرها وتتمثل في جدلية الوجود والعدم، بين كوشمار/عماد/عبد الباقي السلطاني وميارى/ياسمين والغريب/خازوق. فالوجود يتجسد في شخصيتي كوشمار وميارى والعدم يمثله الغريب. تبدأ الرواية من مكان قصيّ وهو الجبل جبل المغيلة الذي يرمز للعدم باعتباره وكرا للإرهابين الذين يختبئون في كهوفه ويمارسون القتل وقطع الرؤوس ومن رحمه يولد الوجود وينكشف العدم تحت لوحات الرسّام كوشمار حيث الفنّ يقف وجها لوجه أمام العدم هو كذلك “الفنّ في زمن الإرهاب” كما تكتب الفيلسوفة أم الزين بن شيخة في إحدى كتبها الفلسفية الفاتنة. ههنا تغيب “ياسمين الأم الكبرى” وينتأ شبحها السردي الآخر من رحمها “أقحوانة” وتسقط حينها “ميارى” سقوطا مدوّيا من سدّ حدث أبو هريرة المسعدي كفاتحة للوجود وإيذانا بعصر جديد بأنّ الحياة ما تزال فيها بقية باقية لكي نعيشها بلا إرهاب وبلا فيروسات وتومئ إلى ذلك حين مغادرتها المدينة “مغادرة ميارى المدينة[52] ثمّ “نجاحها في الباكالوريا” والذهاب إلى الجامعة ومع ظهور شبح “خبر الكورونا[53] وكثرة الكوابيس التي تدور في رأسها كالناعورة “كابوس ميارى ترى الفيروسات في شكل حشرات صغيرة[54] وخيبة أملها في “زوجها الذي له علاقة بالمخدرات والأسلحة وتسفير الإرهابيين إلى سوريا..فهو مشكوك فيه بوصفه هو من خطط لسرقة فيروس من مخبر أبيها وبيعه لشركة تجسس أمريكية بأثمان خيالية لاستعمالها في حرب بيولوجية[55].

وفي خضم هذه المآسي تلجأ ميارى إلى عالم الخيال وتتسامر مع حلمها وتبحث عن شقوق أخرى على جدارية هذا العالم التراجيدي فـ”تردد قولا لفيلسوف يروق لها وتتأسى بمأثور أو حكمة “إن الأدب هو الوجه المشرق من الكارثة[56]. وهي رمز الوجود تحاصره “الوحدة” من كلّ جهة مثل سجن الجدران التي تقبع خلفها حتى لينسد في عينيها الأفق برمته وينطبق عليها، فتتمنى “أن تتحوّل إلى حشرة[57]، لإحساسها بعدم القدرة على حمل عبء الوجود مثل “خيانة زوجها وخيانة أمها لزوجها وسجن أبيها بتهمة صناعة فيروس خطير يقتل البشر”[58] وحين وصول رسالة خبر موت أمّها التي تربط سرّتها بالوجود إذ “أصيبت بفيروس كورونا[59] تفقد توازنها، لأنّها تعتبر نفسها مسؤولة عن الوجود وحارسة عليه. فقد كانت تحذر من خطر الفيروس القاتل “وفي الأخير كانوا يموتون موتات جمالية في ضرب من التضامن الكلبيّ مع منظومة العبث الكونيّة الجديدة[60].

فهذا العالم الميكروسكوبيّ يلقي بظلاله الوارفة على الوجود ويهدّد الكينونة-هناك “في حين أنّ العالم الميكروسكوبيّ يزداد ويتكاثر ويهدّد باحتلال العالم”[61]، ولكنه إرهاب خفيّ لا يختلف عن الإرهاب الذي يقطع الرؤوس في جبل المغيلة. ويبدو أنّه ليس ثمّة جبلا واحدا للمغيلة، بل الإرهاب هو فيروس ممسوخ يمتد على كامل جغرافيا الوجود بعامة حيث “يتحوّل الفيروس إلى مسخ ثمّ إلى فحل عربيّ يدرّس فقه جهاد النكاح ويخطب في جنوده عن فوائد بول البعير وختان البنات ونكاح البهيمة[62]. وهو ما ستلهج به ميارى في تسآل عنيد بلا أفق: “إنّ الجراثيم هي من ستوقّع مستقبل الأرض..هل هي نهاية العالم إذن؟”[63].

غير أنّ العدم الذي يصوّره كوشمار بريشته ويحوّله إلى وجود منشود تتحرّر فيه الذبائح من قبوها المظلم لتتكلم وتقول عن نفسها ما لم تقله أو ما لم ترغب في قوله لمّا كانت من الأحياء. حينئذ يجري وجود مواز لوجود كوشمار تسرده ميارى الحلم والانتظار السعيد، لكل كينونة تأبى العيش في عزلة مقيتة. وإذ يباغتها ظهور أبيها ويحرّرها من السؤال الفلسفي عن نهاية العالم وظهور القيامة الجديدة التي تحرسها لوبيات الفساد تلك التي تخدم مصلحة الرأسمالية المتوحشة. إنّها بلا ريب، شكل من أشكال الإرهاب العالمي “اللوبيات كانت أقوى من العلم يا بنيتي. لقد كنت بصدد اختبار لقاح ضدّ الوباء..ثم وجدت نفسي مسجونا بسبب تهمة نشر الفيروس”[64]. وتلوذ ميارى بالخيال بين الفينة والأخرى لكتابة رواية تجعل اللغة تتحدث الوجود بلا أقنعة بعنوان رشيق “جنون الفيروسات”[65] ومن خلالها تفتح حوارا علميا مع أبيها عن العالم الذي يشهد على عصر النهاية نهاية العالم وما يحدّق به من خطر. ألا وهو العدم ذاته الذي تسبّب فيه هذا الجنس البشري المقيت من نوع الثدييات الممسوخة بقولها “فنحن في الأصل جراثيم أيضا[66]. ولكن ميارى بما هي الوجود تصعد إلى قمة اليأس وتبلغ من الألم البشري من شدّة قلقها على اندثار الكينونة وانسحابها نهائيا من ساحة الوجود وتطلق العنان لصوت اليأس من الوجود “اللاشيء أرحم من العدم وأرحم من الموت أيضا[67].

لكن من رحم العدم يولد الوجود حيث تنتشي ميارى بانتصارها على العدم في سدّ المسعدي “لكن ميارى كانت أكبر من العاصفة وأشدّ بأسا من الجبل[68] وذلك هو الدرس الوجودي الذي تعلمته من عالم الفلسفة والأدب “وهو ما تعلّمته من ميمونة “منطق الجبال يصغر عند الإنسان[69]. فلا شيء أقوى من عزم الإنسان وتصميمه لمستقبله وتغلبه على قوى الرّدة الفكرية ومطاردته للعدم الرابض في الوجود أينما حل. وما شخصية ميارى ههنا إلاّ انكشافا للوجود وانقشاعا لغمامة العدم فوق سماء الإنسانية وما ميارى إلاّ ذلك الحلم والانتظار والجمال والحقيقة في أفق انتظاراتنا.

وفي الجهة الأخرى من الرواية ينبعث الوجود المنشود من تحت أنامل الرسام الفنّان “كوشمار أو عماد أو عبد الباقي السلطاني” الذي اختص في رسم اللوحات الديستوبية لما يجري في الواقع من أحداث جسّام وخاصّة تلك الكوميديا الإلهية التي تقبع في جبل المغيلة، حيث الرؤوس تقطع وتنثر على قارعة الطريق المؤدي إلى أهالي القرية العزلاء المنسيّة. وهو بلا ريب إله أرضي يبني قلعة من طوفان من الحلوى في معبد من الجماجم. فتوكل له الكاتبة مهمّة وجودية تتمثل في تحرير الرؤوس المقطوعة من حضيض العدم وبعث فيها الحياة من جديد، لتعبّر أيّما تعبير عمّا يختلج بخلد أرواحها المفقودة. ههنا يمارس كوشمار ضربا من “علم النفس الأعماق” قد أومأ إليه جاك لاكان في كتاباته المبكرة واليوم يروّج له أتباع “أوشو” المعلم الروحي أو “القُورُو“. أفلا يعدّ كوشمار “قُورُو” الفنّ، ذاك “الفنّ في زمن الإرهاب[70]؟ وهكذا تقول الراوية: “كوشمار استلم مهمة جديدة: مطالب بتجميع الرؤوس المذبوحة من أجل العناية بها ومنحها فرصة للتعبير عن كوابيسها” و”مطالب بكتابة رسالة دكتوراه تحت عنوان:”الرؤوس المذبوحة” الأسباب والأهداف والرهانات”.. كتابة تاريخ الضحايا في ثقافتنا إنصافا لهم..جاء للجامعة من أحد قرى سيدي بوزيد[71].

فلا مُشاحّة في الأسماء كوشمار أو “عبد الباقي[72] أو “عماد” الذي ينقل لنا الحقيقة من وراء لوحاته الفنيّة ويخلع معنى على الوجود الذي ما انفك العدم يحاصره من الجهات الست وتغطيه مظلة الفساد المتفشي في البلاد الذي خلق قوى ارتكاسية تتسابق نحو قطع الرؤوس وذبحها تحت راية الله، وتدجين الإنسان وسرقة ارثه الروحي وخطف كلّ حلم يرتقبه أو يعيش على انتظاره. فأينما تولي وجهك ثمّة فساد وحتى الثورة التي حلم بها الشهيدين مبروك السلطاني وخالد أبناء دادا زعرة، ليتغير حياتهما وهو حلم يشاركه فيه كلّ شاب تونسي. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن كما قال شاعرنا المتنبي ذات مرّة ومن جبل المغيلة بدأت المؤامرة بسرقة الثورة تحت سواد ليل بهيم.

وعلى سفح جبل حزيز ذبحت الثورة ووقع اغتيالها كما اغتيل “شكري بلعيد” الشهيد[73] وتلتها طوفان من الدم وطوفان من الرؤوس المقطوعة وتحولت كوابيس تراود الفنان كوشمار، وتومئ الكاتبة بقولها: “لون الثورة الكاذبة التي تحولت إلى ماخور كبير نكاح الفساد للفساد..أخبار عن سوق جديدة للبيع[74]. ولا يفتأ الفنّان كوشمار أو عبد الباقي يخربش على لوحته بتوزيع ألوانه وكيمياء عواطفه وأحاسيسه وآلامه واعتصارها داخل لوحته “عبد الباقي هو أيضا كوشمار…رسم الرؤوس المذبوحة ضالته الوجودية..رأس يوسف هو أكثر الرؤوس إثارة للأفكار..وقع ذبحه طفلا[75].

وههنا تتوغل الكاتبة في وصف عمق الجراحات التي تزداد توسّعا بداخل الفنّان، فتضيق العبارة وتتسع الرؤية لتصوّر لنا العدم ولكنه “عدم ينعدم “بتعبير هيدغر يتحوّل إلى شرط ضروري، لظهور الوجود وانكشافه وهي تؤكد ذلك: “عبد الباقي (كوشمار) رسّام إرهابي من سكان الجبل يذبح في اليوم سبعة أشخاص من عائلته…قرّر وقتها أن يتحرّر من “العبد” فيه بعد ذبح إخوته تحت راية الله الذي كان عبده[76] ” ويمتد بصر كوشمار بعيدا، ليلتقي السرد بالذاكرة والتاريخ، ويستنجد بعقار يبرأ سقمه، فيجد في “رواية السأم لألبيارتو مورافيا[77]  بعض من أبعاضه وشيء مفقود وضائع عليه أن يبحث عنه من أجل أن يخفف عليه عبء الوجود الذي انحدر نحو “منحدر زلق” وهو العدم.

وبعد رحلة شاقة ومنهكة يعود كوشمار بعد نيل شهادة الدكتوراه إلى القرية التي وهبت له سبعة رؤوس مذبوحة وتقول الراوية: “لقد عاد كوشمار منذ تسع سنوات إلى القرية بعد نيله شهادة الدكتوراه في تاريخ الحضارة الغربية مبحث حول “تاريخ الاغتيالات في الثقافة العربية والإسلامية” [78]. وحينئذ يكشف من خلال تنقيره ونبشه في التاريخ الدمويّ الذي سكب تحت راية الله من اغتيالات بدءا بعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين واغتصاب النساء وقطع الرؤوس المتمردة ونفي المتمرد أبو ذرى الغفاري. وقد أتت عليها الراوية في سردية عجيبة وتواصلت في كتاب “النزاع والتخاصم” للمؤرخ تقي الدين المقريزي. ممّا يؤكد لنا أنّ الوقت حان للتحرير الله من السجون التي بنيت من أجل ترويضه وتحويله إلى آلة حرب على الخصوم أو الملحدين أو الذين لا يسكنون القبور ولا يعترفون بالحدود. أولئك “المؤمنون بلا حدود“، ولا يخضعون إلى عصا السلطة مهما كان حجم هذه السلطة.

فـرواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” همّها الأقصى تحرير الله من الطوبوفاجيين، آكلي لحم البشر ورفع الوصاية على كلّ كينونة حرّة ومقاومة كلّ هيمنة ذكورية. أمّا غرضها الأوّل خوض تجربة الفنّ في زمن الإرهاب خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور. ألم يستلطفنا نيتشه ذات مرّة “لنا الفنّ لكي لا تميتنا الحقيقة“. ومادام الموت ليس أعدل الأشياء توزعا بين الناس، بل لا يتخطف إلاّ الفقراء والبؤساء والمعذبون في الأرض تحت راية الله و”لا يأتي أبدا في الوقت المناسب، إنّه حيوان ربيّ على الغدر[79]. لذلك كان الفنّان كوشمار يقتفي أثر الرسام فان غوغ، فيرسم لوحة “حلم ينزف“” ثمّ يرسم لوحة “طفلة الحلوى” مدركا جيّدا ما تساقط من عبارات جيل دُلوز في كتابه “ألف مسطّح“: “من أجل تحرير الرغبة من الدولة والمكان من الطغاة والحياة حينما يتمّ اعتقالها من طرف المدمنين على ثقافة الموت[80]” من أجل تحصين قلعته “معبد الجماجم” وتخليد الأسماء الذين وقع قطع رؤوسهم وذبحهم ذبحا مريعا وعنيفا ثمّ نثرهم في الطريق من طرف الإرهابيين المتحصنين بجبل المغيلة وداخل العقول الصُوّانيّة. كذلك لوحاته تتسع للنساء الكادحات اللاتي أضعنا بعد موتهم “فولاراتهم” وأصواتهم وأغاريدهم في حصادهن اليومي وضحكاتهن عند جنيهم للزيتون وحتى الأطفال الذين وقع شطبهم من سجل الحياة فتح لهم الباب للدخول إلى لوحته.

فما أبشع وجه الحقيقة حينما تتعرّى بالفنّ؟ إنّه الفنّ زمن الإرهاب جماعة عقبة بن نافع صارت عقبة ونافع لم يعد نافعا في عصر “الكلبيات” بتعبير سلوتردايك والقاعدة وداعش تقتل الأبرياء وتروض الشباب العاطل لتحويلهم إلى أجساد تفجيرية وقطع متناثرة وتعدهم بحور العين وجنات عرضها السموات وتحوّل الله إلى بنك متفجر والإنسان إلى بعوضة في ذيل الزمان أو حشرة مقيتة، لذلك استوعب عماد أو كوشمار أو عبد الباقي الدرس جيّدا من “مدرسة الحياة” بتعبير سلوتردايك بأنّ الملاذ الوحيد للخروج من العدم إلى الوجود لا يكون إلاّ بالفنّ والفنّ وحده ولا شيء غير الفنّ ملاذا وتقول الراوية: “انصرف منذ تلك الواقعة إلى تسليح عقله بالثقافة التشكيلية علّه يفلت من أن يتحوّل إلى مجرد حشرة..”[81]  وهو يعلم علم اليقين أنّ الحياة لا تكسب إلاّ غلابا بعد مصارعة مع القوى الإرتكاسية و”أن اعتقال الحياة أخطر من القضاء عليها[82].

ولكن اللافت للنظر أن شخصية “غريب” أو “خازوق” التي ترمز للعدم والإرهاب ولتعطيل عقارب ساعة الحياة وهو الذي “سمته داد نجمة العرعار حتى يكون ذا بأس..تحوّل إلى جهاز لذبح الأبرياء[83]. وهو الذي عرف بقتل أهالي القرية وأولاد السلطاني في جبل المغيلة يطلب من الفنّان كوشمار كي يعلّمه فنّ الرّسم. أ هو تكفير عن ذنبه أم تخطفه سحر الفنّ تحت تأثير كوشمار؟ نستشف من ذلك أنّ غريب يحاول الخروج من دائرة العدم نحو دائرة الوجود. فحينما تعلّم خازوق فنّ الرسم قام برسم لوحة عن نفسه تنبئ بـ”نهاية العالم[84] وعاد إلى جبل المغيلة. وبعد نهاية العالم “يتجه نحو الديستوبيا..كل شيء ينبئ بالاختلال[85] حينما بدأت الشيخوخة تدبّ في العالم ومالت شمسه نحو الأفول، حينئذ قرّر كوشمار مغادرة القرية، لأنّه أصبح يشكّل خطرا على الإرهابين من خلال أعماله الفنيّة.

فإذا كان كوشمار الفنّان المرهف الحسّ يخلع على لوحاته جمالية الوجود رغم قبح العدم برسم الرؤوس المقطوعة وحفظها في “معبد الجماجم“، فإنّ العدم لا ينفك يتجسد من خلال شخصية “خازوق” أو “غريب” الذي فقد ضميره ولم يستطع أن يكون فنّانا، بل آلة بمثابة المقصلة مجعولة لقص الرؤوس من الأجساد البريئة، “طوفان من الحلوى” ينسكب عل سفح جبل المغيلة الرابض هناك في تونس الأخرى. وهو يحوّل الموت إلى مهنة وحرفة يمارسها تحت راية الله مسنودا بفتاوى فقهية داعشية وثقافة عربية تربت على تاريخ مليء بالدّماء والاغتيالات، ثقافة الهيمنة الذكورية التي تعشق السلطة ونكاح الجهاد والاخصاء والغلمان والجواري. ونتيجة لهذا “البنك الغضبي” بتعبير سلوتردايك والدموي تحوّل “غريب” إلى إرهابي خطير وجنس من نوع البشر المعدم والمعطل فكريا “مهمته قطع الرؤوس التي أينعت في تربة الرعاة[86] وتحويلها إلى “زهاميلتتقاطر دما” تملأ الوجود رعبا.

واسم “خازوق” اسم بلا لقب، قد أبدعت الكاتبة أم الزين بن شيخة في نحته في أوّل الرواية وسينسل منه اسما على مسمى “غريب”. وهو فعلا غريبا عن الواقع التونسي المتجذر في عمق التاريخ وهو رمز للعدم وللشر الجذري وتصفه الكاتبة على لسان كوشمار”كان يعتبر الغريب فيروسا خطيرا[87] وهو “الغريب” الذي “كان يسمى الخازوق في السجن[88]. أمّا قصته فهي من الأدب الغريب، لكنه أدب يجسّد واقعا معاشا في تونس بعد الثورة وفي العالم العربي الذي نخره الإرهاب وفتك به مثله مثل الفيروس الذي حذرت منه ميارى. وهو المبشر بنهاية العالم وبكتابة قصة أبوكاليبس مرعبة تنتمي إلى “جنس روايات الديستوبيا“. لذلك يعتبر كوشمار الفنّان والإنسان أنّ “خازوق قنبلة موقوتة لا أحد يعلم أين سينفجر[89]. ولكن رغم وكْوَكَة العدم وخسران جنس بشري يحب الحياة كما لا يحبها أحدا، فإنّ الوجود يتلعثم في لغته، ولكنه لا يفقد لسانه وهسهسته وحديثه. أليس “الوجود يحدّث“؟ بتعبير هيدغر.

شاهق هذا النوع من الأدب، ساخر إلى حدّ اللّعنة، تونسيّ وعربي وكونيّ في عمق أعماقه صوت الإنسان وبراءة الصيرورة وتتخلّله موسيقى شعرية وفي منتهى أبعاده جميل مثل اسم صاحبته ولقبها أم الزين بن شيخة المسكيني، ويمد جذوره في عمق التاريخ وبدء الخليقة حيث “في البدء كانت الكلمة” ومنها ينسل الكلِم ومن الكلم يتفتق الجرح جراحات وينهمر طوفان من الحلوى، طوفان من الدم في معبد من الجماجم على ركحها يصلب فيها الإنسان ويقتل ويقطع كما قطّع الحلاّج إربا إربا وهو الذي عدّ شهيد الإنسانية المفقودة بتهمة الكفر، ولكن براعة الكاتبة في الرواية “طوفان من الحلوى في معبد الجماجم” أنّها نقلت هسيس الوجود إلى اللغة وبلغت الشأو في تحرير الله من جبّة الحلاّج واطلاقه من سجنه حتى لا يعيد القتلة الإرهابيون تلبيسه وتدنيسه والإحتماء تحت رايته. فلفظتهم الرواية وثمّ لفظهم الواقع كما يلفظ البحر أمواجه. فلا أرض تحتملهم ولا سماء بعد الطوفان من الحلوى ستظلهم. وكما يقول الشاعر صغير أولاد أحمد “ارحلوا عنا” وكما تقصّ علينا الراوية أدب المناجاة أنّى ترسل برسائلها إلى الله “رسالة إلى الله رقم 71” و”تكتب إلى الله آخر قصائدها غزليات إلى العدم”[90]. وهو أدب شامخ أوّل من اختبره أبو حيّان التوحيدي في “الإشارات الإلهية” وليس ذلك إلاّ اقتدارا من الكاتبة وبراعة منها في صهر الأدب بالفلسفة والتصوّف، وهي التي خبرت الفلسفة خُبرا وتمرّست بها تمرّس اللّطفاء.

أليس رواية “طوفان من الحلوى في معبد من الجماجم” لأم الزين بن شيخة من الأدب الغريب الذي تتداخل فيه المأساة مع الملهاة، ويتعالق فيه الوجود مع العدم وتفضح الإشارة فيه صَدفة العبارة فتحطمها وتتصارع فيها الأطياف والأشباح “ياسمين” و”ميارى” و”خديجة” في دنيا من الأكوان مصنوعة من الخيال والحقيقة في تنافر وتلاقي كتلاقي ميارى مع عبد الباقي/كوشمار الرسام والفنّان الذي عشقته عشق الشياطين للشّر وشهد على حبّهما الوشم على زند كوشمار الذي فقد ذاكرته[91] إثر حادث مرور من “سيارة تهريب” أودت به في مستشفى الرازي لمعالجته. وتنجح ميارى الخيال والحلم والإنتظار السعيد في تضميد جراحه وتذكيره باللّيالي الخوالي، ثمّ بموتها ترحل عنه تاركة طيفها يحرسه مع خديجة. وفي النهاية تعود ذاكرته و”هويته السردية” ويكتب على لوحته الأخيرة “معبد الجماجم[92] ويلقف جمجمة خازوق المقتول من طرف الإرهابيين في جبل المغيلة، لتكون آخر جمجمة في المعبد. وخازوق القاتل تحوّل إلى مقتول لمّا قرّر أن يكون رسّاما مقتفيا أثر صديقه الرسام كوشمار أو عبد الباقي السلطاني أو عماد. ويقف النصّ السردي شامخا بإنهاء كوشمار “بناء معبد الجماجم لتحرير الله من القتلة[93]. وتسدل الرواية ستارها برحيل “دادا زعرة[94] ويكف الطوفان عن السيلان وتوصد اللّغة أبواب النّحو في وجوه المتطفلين. ويبقي معبد الجماجم منتصبا شامخا لا تزعزعه صروف الحدثان مثل آية من آي الوجود تعبّر عن انتصار الفنّ على العدم أو بالأحرى الفنّ على الإرهاب.

******

[1] – الأديبة والفيلسوفة أمّ الزين بن شيخة المسكيني تدير اليوم برنامجا إذاعيا فلسفيا من إنتاج الإذاعة الثقافية في تونس “نزهة المشتاق؛ ترحال في عالم الفلسفة” تريد النزول بالفلسفة إلى الجمهور تمرّنا على آداب النقاش والحوار بين الذوات العاقلة في فضاء عمومي يشبه ساحة الأغورا في أثينا تلتقي فيه العقول المتنورة للنظر في قضايا العصر وفيما يشغل الناس ويضنيهم. كما للفيلسوفة مجموعة من الكتب الفلسفية والروائية والشعرية وترجمات ومقالات عديدة بمجلات دورية أو مجاميع صادرة في تونس أو في الأقطار العربية وهي كالتّالي: كانط راهنا أو الإنسان في حدود مجرد العقل، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، والفنّ يخرج عن طوره، أو جماليات الرائع من كانط إلى دريدا، دار جداول، الطبعة الأولى، 2011، والثورات العربية- سيرة غير ذاتية (بالإشتراك مع فتحي المسكيني)، دار جداول، بيروت، الطبعة الأولى، 2013، والثورة البيضاء، (بالإشتراك مع فتحي المسكيني)، تونس، 2013، وهنا تباع الشعوب خلسة..مقالات في التهكم الأسود، تونس، 2013، وتحرير المحسوس، لمسات في الجماليات، دار ضفاف، بيروت، الطبعة الأولى، 2014، وكانط والحداثة الدينية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، الطبعة الأولى، 2015، والفن في زمن الإرهاب، منشورات ضفاف، بيروت، الطبعة الأولى، 2016، والفنّ والمقدّس، نحو انتماء جمالي للعالم، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، بيروت، الطبعة الأولى، 2019،  وجرحى السّماء، (رواية) دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، الطبعة الأولى، 2012. ولن أجنّ وجيدا هذا اليوم، (رواية) دار النشر ضفاف، بيروت، الطبعة الأولى، 2013، وديوان شعر: أضحك أيّها الدهر الشرقي، الجزائر، 2013، وطوفان من الحلوى في معبد الجماجم، (رواية) دار التونسية للكتاب، الطبعة الأولى، 2020. وترجمة لـ: شارل بودلير، ما وراء الرومنطيقية، كتابات في الفن، ترجمة كاظم جهاد وأم الزين بن شيخة المسكيني، مشروع كلمة للترجمة في دائرة الثقافة والسياحة-أبو ظبي، الطبعة الأولى، 2020.

[2]– أمّ الزين بن شيخة المسكيني،طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، دار التونسية للكتاب، الطبعة الأولى، 2020.

[3] -Peter Sloterdijk, Nach Gott, Suhrkamp, Verlag Berlin, 2017, S, 28 : „wie eine diesseitige Seelenwanderung die metaphysische Götterdämmerung überlagert“.

[4] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق.

[5] – المرجع نفسه، ص.27.

[6]– ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة، ولادة السّجن، ترجمة على مقلد، مراجعة وتقديم مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى، 1990، ص.47:” الفصل الأوّل، جسد المحكوم عليهم“.

[7] -Peter Sloterdijk, Colère et Temps. Essai politico-psychologique, traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, éditeurs, Libella-Maren Sell, 2007, p.302 : « Dans un premier temps, les islamistes n’ont pas semblé être plus que des parasites insolents de la constellation post-communiste ».

[8] – جاك دريدا واليزابيث رودينيسكو، ماذا عن الغد؟ محاورة، ترجمة سلمان حرفوش، تقديم د. فيصل دراج، دار كنعان، الطبعة الأولى، 2008، ص.115:”وتقوم الضيافة الخالصة على ترك البيت مفتوحا لإستقبال القادم غير المتوقع، والذي يكون طفيليا، بل قد يكون طفيليا خطيرا، يمكن له أحيانا أن يحدث أذى“.

[9]– فتحي المسكيني، الإيمان الحرّ أو ما-بعد الملّة؟ مباحث في فلسفة الدين، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، المملكة العربية- الرباط، الطبعة الأولى، 2018، ص.219: “في معنى المقدس أو الإيمان في الزمن العلمانيتجارب ما-بعد لاهوتية عن الله”.

[10] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.149.

[11] – Peter Sloterdijk, Nach Gott, O, S, 15:“Die jungen Mörder und Selbstmörder, die zum äußern Dschihad aufbrechen, haben ohne jede Theologie erfasst, wie sehr ein Gott vom Typus Allah eine unmögliche Figur abgibt“.

[12] – تقي الدّين المقريزي، النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم، حققه وعلق غلى حواشيه الدكتور حسين مؤمن، دار المعارف، القاهرة (دون تاريخ)، صص.30-31: “وأكلت هند كبد حمزة، فهم آكلة الأكباد ومنهم كهف (النفاق) ونقروا (بالقضيب) بين ثنيتي الحسين ونبشوا زيدا وصلبوه، وألقوا رأسه في عرصة الدار تطؤه الأقدام، وتنقر دماغه الدجاج … وقتلوا يحي بن زيد، وحملوا قاتله ثائر مروان وناصر (الدين) وضربوا علي بن عبد اله بن العباس بالسياط مرتين…ضرب الأمويين الكعبة إبان ثورة عبد الله بن الزبير مرتين بالمنجنيق.”

[13] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.222.

[14] – بول ريكور، الزمان والسرد، الحبكة والسرد التاريخي، الجزء الأول، ترجمة سعيد الغانم وفلاح رحيم ومراجعة الدكتور جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2006، ص.135.

[15] – المرجع نفسه، ص.135.

[16]– أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني، شرح المعلقات العشر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع-بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2005، ص.34.

[17]– ماركوس أوريليوس، التأملات، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع-القاهرة، الطبعة الأولى، 2010، ص.18.

[18]– أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.17.

[19]– محود المسعدي، السدّ، دار الجنوب للنشر- تونس، 1992، ص.45.

[20]– أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.26.

[21] – المرجع نفسه، ص.33.

[22] -Martin Heidegger, Qu’est- ce que la métaphysique ?, in : Questions I et II, Editions Gallimard, 1968, p.61: « C’est le Néant lui-même qui néantit (das Nichts selbst nichtet) ».

[23] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.25.

[24] – المرجع نفسه، ص.23.

[25] – ابن عربي، ديوان ترجمان الأشواق، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2005.

[26] -Peter Sloterdijk, Colère et Temps, Op.cit., p.198.

[27] – بديع الزمان الهمذاني، المقامات، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الثالثة، 2005، ص.89:”المقامة الجاحظية“.

[28] – المرجع نفسه، ص.112: “المقامة السّاسانية”.

[29] – محمود المسعدي، حدّث أو هريرة قال، تقديم توفيق بكّار، دار الجنوب للنشر-تونس، الطبعة الأولى، 2000، ص.11.

[30] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.33.

[31] – المرجع نفسه، ص36.

[32]-Jean-Paul Sartre, Qu’est-ce que la littérature ?, collection Folio/Essais, Editions Gallimard, 1948, p.45 : «Pourquoi écrire ? ».

[33] – محمود المسعدي، السدّ، مرجع سابق، ص.143.

[34] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.32.

[35] -Peter Sloterdijk, Critique de la raison cynique, traduit de l’allemand par Hans Hildenbrand, éditeur, Christian Bourgois, 1987, p.277.

[36]-Peter Sloterdijk, Réflexes primitifs, contre le cynisme généralisé, Considérations psychopolitiques sur les inquiétudes européennes, Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Payot, Paris, 2019, p.9. sq.

[37] – آلان دونو، نظام التّفاهة، ترجمة وتعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، لبنان- بيروت، الطبعة الأولى، 2020، ص.59: “الهدف النهائي: إسباغ التفاهة على كلّ شيء“.

[38] -Edgar Morin, L’entée dans l’ère écologique, Editions de l’Aube, 2020, p.46. sq.

[39] – فتحي المسكيني، الفلسفة والكورونا: من معارك الجماعة إلى حروب المناعة. را: الموقع الإلكتروني: فئة مقالات عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2020.

[40] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.17.

[41] -المرجع نفسه، ص.17.

[42]القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 74:”وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون”.

[43] -Peter Sloterdijk, Dites oui à la vie sous toutes ses formes, in revue ; Académie Magazine 2010.

[44] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.40.

[45] ملحمة قلقامش، ترجمة وتقديم فراس السواح، دار الكلمة للنشر، بيروت، الطبعة الثّانية، 1983.

[46] – أم الزين بن شيخة، طوفان من الحلوى في معبد الجماجم، مرجع سابق، ص.62.

[47] – المرجع نفسه، ص.82.

[48] – المرجع نفسه، ص.83.

[49]– المرجع نفسه، ص.93.

[50] – المرجع نفسه، ص.231.

[51] – فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانية، منشورات ضفاف، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2016، ص.19.

[52] – المرجع نفسه، ص.80.

[53] – المرجع نفسه، ص.89.

[54] – المرجع نفسه، ص.97.

[55] – المرجع نفسه، ص.105.

[56] – المرجع نفسه، ص.118.

[57] – المرجع نفسه، ص.118.

[58] – المرجع نفسه، ص.120.

[59] – المرجع نفسه، ص.133.

[60] – المرجع نفسه، ص.127.

[61] – المرجع نفسه، ص.170.

[62] – المرجع نفسه، ص.170.

[63] – المرجع نفسه، ص.171.

[64] – المرجع نفسه، ص.177.

[65] – المرجع نفسه، ص.178.

[66] – المرجع نفسه، ص.183.

[67] – المرجع نفسه، ص.215.

[68] – المرجع نفسه، ص.216.

[69] – المرجع نفسه، ص.220.

[70] – المرجع نفسه، ص.132.

[71] – المرجع نفسه، ص.87.

[72] – المرجع نفسه، ص.92.

[73] – المرجع نفسه، ص.94.

[74] – المرجع نفسه، ص.93.

[75] – المرجع نفسه، ص.101-103.

[76] – المرجع نفسه، ص.111.

[77] – المرجع نفسه، ص.113.

[78] – المرجع نفسه، ص.117.

[79] – المرجع نفسه، ص.120.

[80] – المرجع نفسه، ص.178.

[81] – المرجع نفسه، ص.148.

[82] – المرجع نفسه، ص.178.

[83] – المرجع نفسه، ص.197.

[84] – المرجع نفسه، ص.191.

[85] – المرجع نفسه، ص.225.

[86] – المرجع نفسه، ص.31.

[87] – المرجع نفسه، ص.154.

[88] – المرجع نفسه، ص.168.

[89] – المرجع نفسه، ص.230.

[90] – المرجع نفسه، ص.58

[91] – المرجع نفسه، ص.261.

[92] – المرجع نفسه، ص.261.

[93] – المرجع نفسه، ص.262.

[94] – المرجع نفسه، ص.265.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This