من العصر الحجري الجديد … إلى عصر الليبيراليّة الجديدة الإنسان والطبيعة والأوبئة

يعيش العالم منذ نهاية سنة 2019 تحت وطأة جائحة الكورونا التي تأخر إنتاج اللقاح الضروري للتوقي منها، في حين عرف الفيروس المتسبب فيها تحولات جينية قد تعصف بالآمال المعلقة على اللقاحات التي تم التوصل لاختراعها قبل أن تروج بما يكفي لوقف انتشار الوباء. وأيا كان مآل هذه الجائحة وإمكانيات إيجاد علاج لها ولمضاعفاتها الصحية، فإن تلاحق الأوبئة في العقود الأخيرة يفرض علينا أن نفكر في أسبابها العميقة، حتى لا نتوصل إلى الخروج من مسلسل الرعب الذي ينتقل بنا من وياء إلى أخر أكثر فتكا وأكثر تهديدا لمستقبل البشرية. وهدفي من هذه المحاولة لا يعدو أن يكون رصدا لأهم محطات تاريخ الأوبئة وأسبابها منذ العصر الحجري الجديد الذي ظهرت معه أول الأوبئة في ارتباط بما صاحبه من تحولات كبرى في حياة الإنسان وفي علاقته بالطبيعة، عسى أن يكون ذلك حافزا لاستخلاص ما يمكن أن يساعد على تلمس طريق للخروج من هذه الدوامة.

    ثورة العصر الحجري الجديد وظهور الأوبئة

 بعد أن كان الإنسان، قبل العصر الحجري الجديد ، جزءا من الطبيعة يقتات منها كباقي الحيوانات، يقطف ما أمكنه من نباتات وثمار ويصطاد ما يقدر عليه من حيوانات، وهو مهدّد في وجوده من طرف ظواهر طبيعية تتجاوز إدراكه وقدراته، ومن طرف حيوانات أشرس وأدهى منه، طوّر الإنسان تقنية نحت وصقل الحجر ليجعل منه سلاحا أكثر فتكا حتى بالحيوانات التي كان فريسة لها، ووسيلة لصناعة أدوات لقطع الأشجار، ومواد لبناء مساكن ومدن يحتمي فيها من تهديد البرد والحرّ والأمطار والرياح وغيرها من الظواهر التي ما كان بإمكانه الحدّ من أخطارها على وجوده. وتميز هذا العصر باكتشاف الإنسان للزراعة وتدجين الحيوانات، فلم يعد يكتفي بقطف واصطياد ما يجده في الطبيعة، وصار ينتج ما يلبي حاجاته المتزايدة من أغذية ولباس وسكن، بواسطة تقنيات الزراعة وتربية الحيوانات وما يحتاجه لصناعة الأدوات الضرورية لذلك. وفي ارتباط بذلك ظهر تقسيم العمل والتبادل بين المتعاطين لأنشطة مختلفة، وتنامي عدد أفراد الجماعات التي تحولت على هذا الأساس إلى مجتمعات يربط بين مكوناتها الوعي بمصيرها المشترك وبحاجتها للتعاون، وظهرت المدن، الخ. وهكذا تشكلت كل عناصر الحضارة التي ما انفكت تتطور وتتسع إلى كل أنحاء الأرض على غرار ما نراه اليوم في كل المجتمعات الإنسانية شرقا وغربا، جنوبا وشمالا.

وترجع أقدم الآثار الشاهدة على هذا التحول إلى الألف التاسع قبل الميلاد، وكان ذلك في بلاد ما بين النهرين. وفي الألف السابع قبل الميلاد ظهرت نفس التحولات في اليونان والبلقان، فضلا عن باقي منطقة الشرق الأوسط، قبل أن تظهر في الصين وأوروبا وساحل الأطلسي خلال الألف السادس والألف الخامس قبل الميلاد، لتتسع لاحقا إلى باقي أنحاء العالم.

وقد كان منطلق هذا التحول  »إرادة الحياة«، حسب تعبير شوبنهاور، في عالم لم يكن فيه للإنسان ما يميزه عن غيره من الكائنات التي تستمد مقومات وجودها من الطبيعة وتحاول، ما استطاعت،  أن لا تكون فريسة لمن هو أقوى منها، في الوقت الذي لا تتورع  فيه عن افتراس من هو أضعف، وفق قانون» تنازع البقاء«  كما يقول داروين، وما تقتضيه  »إدارة الوجود والاستمرار في الوجود« على حدّ تعبير سبينوزا.

 الثورات الحديثة وأوبئة الرأسمالية

مع تطور مهارات الإنسان وتنامي العلوم والتقنيات التي ضاعفت من قدرته على التحكم في الطبيعة وفي مختلف مكونتاها – بما فيها أبناء النوع البشري الذين يختلف عنهم بأي نوع من أنواع التمايز الثقافي والعرقي والديني أو الجنسي والاجتماعي – تحولت  إرادة الحياة إلى» إرادة للقوة « وفق تعبير نيتشه، بل وإلى» إرادة للإرادة « كما يعرف هيدجر التقنية باعتبارها تجسيدا لجوهر الحداثة التي يرى فيها تحولا للإرادة من كونها وسيلة لإرادة الحياة إلى غاية في حدّ ذاتها.

ويحمل هيدجر مسؤولية هذا التحول إلى ديكارت حين أعلن في »مقالة المنهج« مشروع تملك الإنسان للطبيعة وسيادته عليها. ويعتبرهيدجر كلا من غاليليو وكبلار شريكين لديكارت في هذه الجريمة بتحويلهما للعلوم الحديثة إلى مجرد »مشروع رياضي«  هدفه الهيمنة على الطبيعة. وفاته أن ينتبه إلى أن المشروع النازي الذي انخرط فيه لم يكن سوى توسيع ل »إرادة الإرادة« أو»التقنية «لتشمل إدارة المجتمع والعلاقة بين الشعوب. كما فاته أن يرى في الثورات التي تمت في سياق النهضة الأوروبية امتدادا  لتحولات العصر الحجري الجديد. ولم يفعل ديكارت وغيره من مفكري الحداثة سوى إعادة صياغة مشروع   سيطرة الإنسان على الطبيعة  وفق مقتضيات الفلسفة وأنماط التفكير في عصرهم.  وكان ذلك منطلقا للثورات الفكرية والعلمية والصناعية والاقتصادية والسياسية التي تعولمت ودفعت بنتائج هذا المشروع  إلى ما تعرفه اليوم سائر المجتمعات الإنسانية.

ومع هذا التطور، اتخذ التحول في علاقة الإنسان بالطبيعة أبعادا جديدة، خاصة مع تعميم نمط الإنتاج الرأسمالي في أوروبا وأمريكا الشمالية ثم في باقي أنحاء العالم، بما في ذلك البلدان التي تبنّت الاشتراكية بأنواعها المختلفة كبديل للرأسمالية. وقد تحقق هذا التعميم مع الإمبراطوريات الاستعمارية التي نقلت مع حروبها الأوبئة الناجمة عن تطور الإنتاج الرأسمالي في مجالات الفلاحة وفي ظهور الوحدات الصناعية لتربية الأبقار والطيور والخنازير إلى المستعمرات، كما في إفريقيا في القرن التاسع عشر، ومن قارة إلى أخرى كما كان الأمر مع ما سمي بالحمى الإسبانية التي انتقلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى مع الجنود الأمريكان من الضيعات الرأسمالية في كانشاس وفي مناطق أخرى من الولايات المتحدة، حيث تكثف بسرعة الإنتاج الصناعي للأبقار والخنازير والدواجن، إلى أوروبا ومنها إلى باقي القارات.

عولمة  الليبيرالية الجديدة وتسارع  موجات الأوبئة

الليبيرالية الجديدة تسمية تشير إلى السياسات التي تم اتباعها منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين مع انتخاب ريغن في الولايات المتحدة وتاتشر في بريطانيا وياسوهيرو ناكاسون في اليابان و بريان مولروني في كندا. وقد جاء انتصار هذه السياسات في إطار الأزمات المترتبة عن انهيارالنظام المالي العالمي المعتمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على أساس اعتبار دولار الولايات المتحدة  عملة التعامل التجاري بين الدول مقابل التزام واشنطن  بتعويضه ذهبا للدول التي تطالب بذلك عندما يكون ميزانها التجاري رابحا إلى درجة توفر لها مخزونا من الدولارات تفوق ما تحتاجه للتوريد من الولايات المتحدة أو من غيرها من البلدان، على غرار ما حصل مع ألمانيا الغربية في ظرف تفاقم فيه عجز الولايات المتحدة نتيجة النفقات العسكرية جراء حرب فيتنام وسباق التسلح مع الاتحاد السوفياتي. وأمام تضاءل مخزون واشنطن من الذهب، قرر نيكسون وقف العمل بهذه القاعدة التي كانت تضمن حدا أدني من استقرار النظام المالي، فدخل العالم في دوامة من الأزمات المالية المستفحلة نتيجة تواصل اعتماد الدولار كعملة دولية دون أي ضمان لاستقرار قيمته. وانتصرت الليبيرلية الجديدة على أساس الوهم بأن ما تقترحه من حلول كفيل بتحقيق الخروج من ألازمة، وكذلك على أساس فشل الخيارات البديلة، سواء منها الشيوعية والاشتراكية بأنواعها، أو سياسات دولة الرفاه، أو الدولة الراعية، كما نظر لها كاينز وغيره من القائلين بضرورة الدور الاجتماعي للدولة. ويعتبر ميشال فوكو (في كتابه “ولادة سياسة التحكم في الحياة”(  Naissance de la biopolitique, Gallimard/Seuil, Paris 2004) أن الليبيرالية الجديدة، خلافا لليبيرالية السائدة منذ القرن الثامن عشر، تعطي الأولوية لضمان التنافس، أو المزاحمة، على حرية المبادلات، فالأساسي ليس التبادل على أساس التكافؤ،  وإنما هو التنافس وعدم المساواة بين المتنافسين. وإذ يعتبر النيوليبيراليون أن جوهر السوق أصبح المحدد الأساسي فيه هو التنافس، فإنهم يعترفون بأن هذا المحدد ليس قانونا طبيعيا يتحقق من تلقاء ذاته أو بفعل القوانين الطبيعية لتبادل ما ينتجه البعض ويحتاجه الآخرون، كما تقول الليبيرالية الكلاسيكية التي تؤمن بفعل “اليد الخفية” للسوق، وإنما يجب  على الدولة توفير وضمان شروط  التنافس، ومنع ما يمكن أن يعوق تحققه أو يؤثر سلبا على سيرورته.  ومن ثمة فإن الدولة، أو الحكومة، عليها أن تصاحب اقتصاد السوق وترعاه من البداية إلى النهاية ولكن دون أن تتدخل بصورة تؤدي إلى توجيهه، بل عليها أن تحكم من أجله وأن تخضع لقوانينه. وهذا اختلاف جوهري آخر مع الليبيرالية الكلاسيكية. فالعلاقة بين اقتصاد السوق والدولة لم تعد علاقة تقوم على استقلال كلا الطرفين، في إطار استقلال مختلف الفضاءات. بل إن الليبيرالية الجديدة تريد أن تجعل من قوانين اقتصاد السوق، التي جوهرها التنافس أو المزاحمة، أساسا لكل شيء : لسياسات الحكم ولسير المؤسسات في مختلف المجالات، وللعلاقات الاجتماعية ولسلوك الأفراد الموجه وفق مبدأ التنافس في مجال الاستهلاك كما في مجال العمل : فإن نجح فلأنه الأقدر، وإن فشل فهو المسؤول الوحيد عن فشله. وهذه القوانين لا تقبل بالدور الاجتماعي للدولة  وبكل ما ترى أنه يؤثر سلبا على سير المنافسة. ولذلك كانت الدولة الاجتماعية – دولة الرفاه – أول ما استهدفته السياسات النيوليبيرلية حال انتصارها : ” الدولة  هي المشكل وليست الحل” كما قال ريغن طوال حملته الانتخابية وفي خطابه عندما دخل البيت الأبيض، معلنا الحرب على الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، على أساس أن دولة الرفاه، أو الدولة الاجتماعية، لا يمكنها إلا أن تؤدي إلى هذا الشكل أو ذاك من الدولة الكليانية أو الشمولية – النازية أو الفاشية أو الشيوعية – كما روج لذلك منظرو الأردو والنيوليبيرالية ( من أب الأردوليبيرالية والتر أوكن إلى ملتون فريدمان وفريديريك هاياك)، وكما ردد ذلك ترومب وأنصاره طوال الحملة الانتخابية الأخيرة بسبب بعض الإصلاحات الاجتماعية التي وعد بها بايدن.  وبعد انتصار الليبيرالية الجديدة، في الولايات المتحدة وفي بريطانيا العظمى واليابان وكندا، بدأت تتعولم عبر مسارات متوازية ومتداخلة : انهيار الاتحاد السوفياتي والنظم المرتبطة به، وسياسات التعديل الهيكلي و”حقيقة الأسعار” في البلدان الخاضعة لتعليمات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وبناء الاتحاد الأوروبي على أساس التوجهات الأردوليبيرلية التي هي الصيغة  الألمانية للنيوليبيرالية، إضافة  إلى حرية تنقل الأموال والبضائع التي فرضتها منظمة التجارة العالمية، ومن ورائها الولايات المتحدة التي لم يعد لها منافس قادر على الحد من تأثيرها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

ومع عولمة الليبيرالية الجديدة وارتفاع ضغط الإنتاج، للاستجابة إلى نهم مجتمع الاستهلاك وجشع أصحاب المؤسسات العابرة للدول المتحكمين في شرايين الاقتصاد العالمي، ظهرت في العقود الأخيرة أوبئة جديدة. ويؤكد العديد من المختصين في الدراسات المتعلقة بالبيئة وبالأوبئة على العلاقة بين تنامي وحدات الإنتاج التابعة للشركات الزراعية العابرة للدول – خاصة في المناطق الاستوائية، كما في البرازيل وأندونيسيا وإفريقيا الوسطى – في الخمسين سنة الأخيرة، من جهة، و ظهور أوبئة السيدا وأنفلوانزا الطيور والخنازير وغيرها من الجوائح المتلاحقة خلال العقود الأخيرة، من جهة أخرى. فقد تسارع نسق انتقال الوحدات الصناعية لإنتاج اللحوم والزراعات الآحادية المكثفة إلى أدغال المناطق الاستوائية في أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا،  وإلى البلدان التي تتضافر فيها شروط  الاستغلال الفاحش لليد العاملة مع غياب متطلبات الوقاية من انتقال الأوبئة من حيوانات الأدغال إلى الأحياء السكنية المتاخمة ومنها، مع السلع الموزعة في كل أسواق العالم، إلى مختلف البلدان حيث يقبل عليها من لا طاقة لهم باستهلاك بضائع الإنتاج الذي يحترم كل شروط الحماية الصحية. ومن العوامل التي ساعدت على انتشار الأوبئة، القضاء على الغابات التي كانت تشكل حاجزا طبيعيا أمام انتقالها من بيئة إلى أخرى ومن صنف من الكائنات الحية إلى صنف آخر. فقد أدى هذا التطور إلى تحولات مناخية خطيرة انقرضت بمفعولها أعداد متزايدة من النباتات والكائنات الحية، من حشرات وحيوانات كان وجودها يساهم في التوازنات الايكولوجية أو البيئية الضرورية لاستمرار الحياة. وهكذا تلاحقت خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين موجات جديدة من الأوبئة يمكن تسميتها أوبئة النيوليبيرالية المعولمة، كالتي تعيشها كل بلدان العالم منذ نهاية 2019.  ويحذر جان فرنسوا قيقان Jean François Guégan – الباحث في معهد الدراسات المتعلقة بالزراعة والتغذية والبيئة INRAE والأستاذ في معهد الدراسات العليا للصحة العمومية في فرنسا – من أخطار الاستمرار في هذا النظام قائلا :»  إذا لم نغير من أنماط حياتنا (…) فإننا سنواجه حلقات جديدة من مسلسل الرعب  (المتمثل في هذه الأوبئة ( وسوف تكون أبطال هذه الحلقات وحوش أكثر بطشا من فيروس كورونا«.(أنظر الحوار الذي أجرته معه جريدةLe Monde   بتاريخ 17 أفريل   2020). ويشير إلى أن مصدر الأوبئة والأمراض المعدية  التي نواجهها اليوم لا يختلف عما كان عليه الأمر منذ بداية الحضارة الإنسانية، مع العصر الحجري الجديد، في علاقة بالزراعة وتدجين الحيوانات وظهور المدن، حيث توفرت مع هذه التحولات شروط تعايش الإنسان مع حيوانات وحشرات تتقاسم معه أطعمته، مثل الذباب والصراصير والفئران، وتنتقل له بواسطتها الأوبئة والأمراض المعدية. (نفس الحوار في جريدة Le Monde ). فبعد انتقال الأوبئة من  الحيوانات إلى المتعايشين معها قرب المحيط الطبيعي للفيروسات، ساهمت التبادلات التجارية والحروب وتنقل الجماعات البشرية من مكان لآخر، بحثا عن مواطن عيش جديدة أو هروبا من الكوارث، في انتقالها بين البلدان والقارات – وكانت مسالك التجارة بين مكونات العالم القديم – آسيا وإفريقيا وأوروبا – من أهم الطرق لانتشارها من مكان إلى آخر. ومنذ أقدم العصور كان الحجر الصحي من الوسائل المتبعة  للحدّ من انتشارها. فقد أوصى أبقراط (460 ق م – 377 ) وابن سينا ( 980 – 1037 ) والعديد من الأطباء في العهود القديمة والقرون الوسطى، بالحجر أو الحبس الوقائي لمدة أربعين يوما للوافدين من بلدان موبوءة. ومع تطور الرأسمالية، ورغم تقدم العلوم والطب ووسائل الوقاية، تواصل ظهور الأوبئة وانتشارها مع توسع اقتصاد السوق وتنامي حاجيات مجتمع الاستهلاك على حساب كل شيء، بما في ذلك التوازنات البيئية الطبيعية. ولعبت الزراعات الأحادية المكثفة، بالاعتماد على الآلات والأسمدة الكيمياوية، إلى جانب التربية الصناعية للدواجن والحيوانات، دورها في القضاء على الغابات وفي مضاعفة الكوارث البيئية المساعدة على ظهور الأوبئة وعلى انتقالها من أعماق الغابات التي كانت تحول دون انتشارها، إلى الحيوانات المدجنة ومنها إلى الإنسان، عبر الأحياء السكنية المتاخمة للمزارع والمداجن والاصطبلات. وما نعيشه اليوم ليس سوى تكرارا لنفس المسلسل ولكن على صعيد معولم وبالوتيرة التي تميز سيرورات العولمة النيوليبيرالية وبتقنيات التواصل الجديدة التي تعتمدها لتحويل العالم إلى قرية تعيش مباشرة نفس الأحداث.

خاتمة

لقد بينت الأزمة الصحية الناجمة عن جائحة كورونا عجز الدول التي ضحّت بالمرافق العمومية – في مجال الصحة وفي غيرها من المجالات الاجتماعية –  بسبب تبنيها للسياسات الليبيرالية الجديدة، خضوعا لتوصيات المؤسسات المالية الكبرى. كما بينت أن كل البلدان تتهددها نفس الأخطار الناجمة عن نفس النظام الاقتصادي المعولم والقائم على قانون التنافس من أجل تحقيق أقصى الأرباح في أقصر الآجال بكل الوسائل لفائدة  أقلية من المضاربين الأسواق المالية الماسكين بشرايين الاقتصاد العالمي على حساب الأغلبية الساحقة والمسحوقة من سكان العالم ، دون اعتبار للتوازنات البيئية الضرورية لاستمرار الحياة ولضمان حق الأجيال الناشئة والقادمة في محيط آمن. ورغم ما بدا من وعي في بداية الأزمة الناجمة عن الجائحة ومن وعود بالقطع مع السياسات التي جعلت المؤسسات الصحية والمرافق العمومية عاجزة على مواجهة تبعاتها، تواصل العمل بهذه السياسات وكأن شيئا لم يكن. فما أن بدأت المخابر التي استفادت التمويلات العمومية لإنتاج اللقاح المعلقة علية آمال البشرية حتى عاد منطق المنافسة والسعي إلى تحقيق الأرباح على حساب مآسي الملايين من ضحايا الجائحة. فالأولوية في الحصول على اللقاح ليست على أساس الاحتياجات الصحية وإنما على أساس من يقدر على دفع أكبر الأثمان للمخابر المنتجة.

ولا سبيل للقطع مع مسلسل الرعب الناجم عن تسارع موجات الأوبئة إلا بالخلاص من المنظومة التي تريد فرضها الرأسمالية المتوحشة والليبيرالية الجديدة بإخضاع كل شيء لقوانين اقتصاد السوق الرهيبة : فلا مؤسسات الدولة، ولا المرافق العمومية المؤمنة للحقوق وللتضامنات الضرورية لاستمرار إرادة العيش معا، ولا مؤسسات التعليم والبحث العلمي، ولا العلاقات الاجتماعية، ولا السلوكات الفردية بإمكانها أن تكون في مأمن من صرامة هذه القوانين، فإما التأقلم معها والاستجابة لمتطلباتها أو الزوال وإفساح المجال لما هو أنجع وأقدر. ولا يمكن الخروج من دوامة هذا النظام المسعور إلاّ ببناء عقد اجتماعي- طبيعي يصالح بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والطبيعة، على غرار ما دعا له ميشال سار منذ بداية تسعينيات القرن العشرين في كتابه “العقد الطبيعي”( Le contrat naturel, Flammarion, Paris 1990 ).  وهو ما يقتضي الوعي بأنه لم يعد بالإمكان تصور مستقبل آمن للإنسان دون ضمان السلامة البيئية وإنقاذ الطبيعة مما يتهددها من أخطار بسبب الجشع الرأسمالي الذي بلغ مع عولمة الليبيرالية الجديدة درجة جنونية عادت بالبشرية إلى قانون الغاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This