الذّاكرة في رواية «رحيل الأقحوان» بثيمة الهروب

قد يكون الماضي زمنيّاً لحظة مشت واختفت. قد يكون ضرورة لبعض الأفراد أو المجتمعات أو القوميّات، وقد يكون لا حاجة له ولا أهمية بالنسبة لآخرين، فيستغنون عنه، ولا يفكّرون فيه حتى في روتينهم اليوميّ، لكن زمكانيّاً فهو يحمل سيرورة حياتنا ووهجها وآلامها وقدرته على الامتداد ومواكبته نحو حاضرنا التعيس ومستقبلنا المجهول ربما بالتعاسة أيضاً، في محاولة لأن يكون هذا الماضي درساً للأجيال القادمة، وذاكرة جمعيّة لهم، عبر آلية التذكّر والاستذكار.

إن الذاكرة التي تعني كلّ ما فارق الحاضر وارتحل، هي روائيّاً أمر مختلف؛ إذ لها عدّة معان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمشاعر وظروف كلّ روائيّ على حِدَة، فهي عند الكاتب الكرديّ السوريّ «علي مسلم» تعني حنيناً دافئاً تجعله يقاوم جشع الحرب السوريّة المستمرّة، محاولاً من خلالها وعلى طول خمسة عقود من الزمن رصد عمق التحوّلات الاجتماعيّة التي رافقت ولا تزال الصراع الدائر بين المكوّنات السوريّة من خلال السلطة البعثيّة الأسديّة الحاكمة، محاكياً هذه التحوّلات الواقعيّة التي لم تأتِ في سياقها الاجتماعيّ الطبيعيّ بل جاءت بصيغة أقلّ ما يقال عنها أنها كانت صيغ مفروضة من الأعلى، وبالتالي وُلد الإنسان السوريّ مشوّهاً هشّاً لا يقوى على تناول مصيره كإنسان خارج تلك السلطة، التي اختصرت الوطن في ربطة عنق أو حتى أدنى رتبة عسكريّة.

ربما التفكير في ذاكرة رواية «رحيل الأقحوان» ودورها المعرفيّ بدأ في الفصل الأول «ما قبل الهروب»، حيث سرد بلغة رصينة تداعيّات الحرب السوريّة ولعنة اللجوء، مقاوماً النسيان والتلبّد من خلال ذاكرته الحركيّة، حيث تمتّعت بأنها نشيطة في مجال الأسماء ووصف الأمكنة والأحداث الزمنيّة، فينتقل بها من الماضي، عندما كان طفلاً في إحدى قرى ريف مدينة الباب وأحداثه وحيثيّاته إلى الحاضر، بين تركيا وإقليم كردستان، مستبصراً المستقبل الذي هو مجهول بالنسبة له.

«ألف هروب ولا نزال مع الموت، فللهروب وجهان على كلّ حال، وهو ليس كالهزيمة تأتيك بوجه واحد، قد يكسبك وجهه الأول بعض المَهانة، لكنه قد يكسبك فرصة أخرى للمواجهة». هذا ما يقوله شخصيّة البطل في الصفحة (25)، وهو في حالة هروب من مرارة الواقع وبحث عن شيء ينقصه، فالهروب هو الذي تتولّد عنه الذاكرة الخصبة لأحداث الرواية ويحدّد مسارها، لتطلق العنان لروح التحدّي ذاتيّاً وخارجيّاً، والذي يحركّها، فعملت هذه الذاكرة على تخليص البطل من قيود الماضي ومن أخطائه ومن العُقد البيئيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، ناهيكم على أن الذاكرة هنا وكذلك الهروب يعطياننا فرصة إعادة التفكير بالوقائع وصياغة حياة قليلة الخسارات والخيبات.

تفتتح رواية «رحيل الأقحوان» على أربعة فصول:

الفصل الأول: ما قبل الهروب: يسرد بدايات الحرب وتداعيات لعنة اللجوء.

الفصل الثاني: ثورة الذاكرة: وفيه يعود الروائي إلى ماضي طفولته في ستينيات القرن الماضي حيث ريفه وبراعم تشكلّه.

الثالث: ثورة وطن: يتعمق في أحداث الحراك الشبابي وتسلّح الشارع.

والأخير: الهروب: اللجوء إلى دول الجوار، والإقامة البعيدة عن أصوات الحرب.

الرواية الصادرة عام 2020م عن دار «فضاءات» في الأردن، تتضمّن سرد سيري ذاتيّ عن يوميّات واقعيّة، عاشها كاتبها طفلاً متّشحاً بأسئلة قابعة في ذهنه، وعاشقاً يقدّس الحبّ النقيّ بضميره الحيّ، وطالباً جامعيّاً ثائراً، وأخيراً سياسيّاً لاجئاً يمتطي الحنين لوطنه مرّة، والهروب منه والهزيمة أمامه مرّات ومرّات، ليحاول من خلال شخوصها توثيق سيرة أجيال عانت من ويلات سلطة استبداديّة، حيث يقول في مطلع الفصل الثاني: «وحدها الجبال بقيت على وئام دائم مع الذاكرة، وحدها كانت قادرة على لملمة آلام الوطن وأحزانه في جرنها الأزليّ، وقهرت أسطورة الموت في لحظة استسلم الجميع لسطوته على أنه قدر».

تميّزت «رحيل الأقحوان» بأنواع عديدة للذاكرة، كالذاكرة الصريحة وذاكرة السيرة الذاتيّة، والمكانيّة، حيث تجسّدت الصريحة في التذكّر الواعي، أيّ بشكل طوعيّ لمجموعة حوادث وقعت في ماضي الروائيّ البائس والسعيد معاً، انطلاقاً من هروبه نحو تركيا، وعلاقته العاطفيّة غير المكتملة، إلى استقراره في حيّ «أكسراي» بمدينة إسطنبول. فيما ذاكرة السيرة الذاتيّة فقد تكوّنت من محطّات عديدة من حياة الكاتب، وتجاربه الشخصيّة وأشياء وأشخاص وأحداث مرّت معه، من حيث اصطحاب والده معه إلى خان «شامخان» الأثريّ في المدينة يوم كان طفلاً، وتأمّله لصورة جمال عبد الناصر، ومراهقة ميريام بيرقدار معه، ومن ثم اللقاء بها صدفة في مدينة هولير في أتون الحرب السوريّة، وعرضها الزواج عليه ولو على ورقة وبشكل سرّي، الأمر الذي أباه البطل وهرب منه، أما المكانيّة التي هي جزء من هويّة الكاتب وخريطته الإدراكية فظهرت الجزء الأكبر منها في وصفه للزيارة التي قام بها برفقة والده من القرية إلى المدينة، وتردّده لأكثر من مرّة إلى هناك.

إن الحكاية المروية هنا هي حكاية واقعيّة تاريخيّة وسياسيّة، على يد بطل/سارد مجهول، هو عاشق للحياة والوطن، مخلص لذاكرته التي تتدحرج بين الهروب والهزيمة، مثقّف ومناضل ملتزم. يعيش حياة قلقة محيّرة وغير مستقرّة في مدينته الحيّة على الجغرافية السوريّة (الباب). فبعد استلام حافظ الأسد سدّة الحكم السوريّ استمرّ إرثه أكثر شراسة في عهد ابنه (بشار)، فما أن قامت الثورة ضدّه وضدّ حكم أبيه حتى تنامت أكثر النعرات الطائفيّة والأحاسيس العنصريّة في ظلّ الفوضى المتعمّدة والممنهجة، عبر أجهزة أمنيّة متنوعّة وكثيفة، لينتجَا حياة مشوّهة لمواطنين مشوّهين بالخوف والجوع والنفي، يعيشون يوميّات هشّة مليئة بالهروب من الذات والواقع والظروف المأساويّة، وحتى الهرب من أدنى جنديّ/ شرطيّ أو رجل أمن.

في هذا الواقع الراكد الجافّ لم يكن أمام علي مسلم إلا أن يكتب سيرته الذاتيّة، سيرة إنسان ومواطن (بطل الرواية) أسقطها على شعب بأكمله، بهمومه العامّة المستفحلة في كلّ زاوية مكانيّة وزمانيّة وقضايا مكوّناته المضّطهدة، فيقدّم لنا البطل عبر سلسلة محاورات ذاتيّة وغير ذاتيّة لمجموعة قضايا حياتيّة (الذاكرة، الهروب، الهزيمة، الحنين، الوطن، الهويّة والانتماء)، تنتج عنها أسئلة تحاول أن تفرض كيانها السرديّ والشكليّ، فتتحوّل من أسئلة أدبيّة إلى وجوديّة، تفرضها على واقع الكاتب وبيئته، فيقول في الصفحة السادسة عشر: «الماضي ليس سوى حالة زمنيّة تتجدّد في ذاتنا، يتّبع خطواتنا لحظة بلحظة، وأن الحاضر هو الزمن الوحيد الذي يمنحنا مفاتيح سعادتنا، لأننا ما زلنا نعيش على قيده»، ويقول أيضاً في صفحة أخرى مندّداً بعار الهزيمة كقضية جوهريّة تعترض مفاصل حياة المواطن السوريّ: «لا عار فوق عار الهزيمة، ولا مَهانة أبلغ من مَهانة أن تهرب من وطنك مهزوماً، تجرّ خلفك ذيول الخيبة، فما قيمة الذكرى حين يكون بينك وبين حاضرك دهر؟! ويلاحقك طيف الهزيمة من حين إلى آخر؟!».

لقد تعالى صوت وصدى الذاكرة الملتاعة بفعل ثيمة «الهروب» الإجباريّ أو الاختياريّ من الواقع في مواضيع كثيرة، كالسلطة المستبدّة وتحكّمها برقاب الشعب، ورسم الأقدار القاسية لهم، ليكشف تجلّيات الفعل الذاكراتيّ المهموم بتلك الثيمة أن سيل البوح في ذاكرته (علي مسلم) الجارفة لم تقف عند حدّ معلن، بل تجاوز بشكل سرّيّ من خلال ما هو مسكوت عنه عبر آليات التداعي والمنولوجات الداخليّة والخارجيّة والاعترافات الذاتيّة، ليكون أمام مسؤولية أخلاقيّة هي مهمّته في إسدال الستائر عن خفايا الواقع السوريّ والكرديّ المظلومَين بكلّ صوره، فيترك لنا رسالة واضحة ضمن التأويلات المتعدّدة في أن الوطن السوريّ بكلّ مكوّناته قد فَقَد عذريّته من نظام بالغ في عشق أمجاده الهشّة على حساب تعاسة الآخرين، وأن الحلم به صار ضرباً من الخيال، وتحقيقه يحتاج إلى معجزة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This