في السّياسة الاجتماعيّة: الجزء السّادس: المرأة

تهدف الدولة الاجتماعية إلى القضاء على الآثار السلبية للفاعلين الاجتماعيين، من أجل خلق المزيد من المساواة في المجتمع والقضاء على التفاوتات الموجودة فيه؛ وهذا يشمل التأمين الاجتماعي وبرامج المساعدة التي توفر تأمين الدخل في حالات البطالة أو الإعاقة أو التقاعد أو المرض أو الوفاة أو غياب رب الأسرة أو الفقر! ويضيف الخبراء أنه يجب توفير الخدمات التي تؤثر على حياة المواطنين مثل رعاية الأطفال والتعليم والصحة والمزايا المنزلية.. لكن عند عدم وجود نظام شامل للضمان الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية، تحل الروابط التقليدية مكان الدولة؛ فتنال المرأة دورا اجتماعيا مبنيا على أساس الجنس وعلاقتها بالذكر وقراباتها الأخرى؛ ويبقى دورها محدودا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

وقد ذكر العديد من المفكرين أنماطا وتصنيفات لدول الرعاية الاجتماعية والتي بنظرهم قد تكون واقعا أو تكون تخيلا، إلا أنها تبقى مغفلة لوضع المرأة! فعلى سبيل المثال يصنف “إسبينج أندرسن” من خلال نموذج تصوري أنماط دولة الرعاية الاجتماعية؛ ويتم التمييز فيه بين أنظمة الليبراليين، والديمقراطيين الاجتماعيين، والمحافظين النقابيين، من خلال أربعة مفاهيم مختلفة: بنية الأسرة، والطبقات الاجتماعية، والعلاقة بين الدولة والسوق، والفرص المادية التي توفرها الدولة الاجتماعية. ويضيف أنه في نظام “الدائرة اللاتينية” التي تشمل دولا في جنوب أوروبا؛ يقوم توزيع الخدمات الاجتماعية على أساس علاقات القرابة/ الألفة.. بسبب الضعف النسبي للدولة الاجتماعية، ويتم توفير التضامن الاجتماعي غالبا من خلال المؤسسات التقليدية كالكنيسة والأسرة. وقد انتقد النسويون بشدة هذا النموذج لتجاهله الجندر، وإخضاع الدول الاجتماعية للتصنيف من منظور جنساني.

إحدى النماذج الأخرى كانت لـ “لويس” وتستند إلى تصنيف الأسرة الذي ينقسم إلى قوي ومتوسط ​​وضعيف وفقا لدخل رب الأسرة الذكر. بينما تصنيف “سينسبري” قدم تمييزا ثلاثيا بناء على أن دور المرأة في الأسرة يُنظر إليه على أنها أم أو زوجة، فضلا عن كونها عاملة! وفي هذه الحالة، تم إنشاء تصنيف ثلاثي حيث ينظر إلى النساء على أنهن أمهات وزوجات وموظفات. طريقة تصنيف أخرى وهي لـ “أورلوف” ويميز فيما إذا كانت التسهيلات المقدمة للرعاية تقدم في شكل خدمة، أو دعم مالي لشراء الخدمة، أو مساعدة مالية للمرأة للبقاء في المنزل أو شراء منزل. النقطة المشتركة بين كل هذه التصنيفات هي أنها تتناول دور المرأة في تقديم الخدمات المنزلية والرعاية بمساعدة الدولة، و مقدار ما يُسمح لها بالمشاركة في سوق العمل كعاملة، وكأنها شريكة أو يُسمح لها بالاشتراك، لا على أساس أنها من أصل المجتمع والدولة ولا يمكن منحها دورا أو السماح لها، لكونها من الفاعلين الاجتماعيين.

في الدول النامية عموما تعمل المرأة بشكل غير رسمي وفي العمل المنزلي في المناطق الحضرية والريفية. ومعظم النساء العاملات في بعض القطاعات تكون محددة على أنها عمل للمرأة فقط! وتظل النساء إلى حد كبير خارج الضمان الاجتماعي والنظام الصحي، والذي لا يمكن إدراجها به إلا من خلال التوظيف الرسمي. بينما في أوروبا يتأثر وضع المرأة بشكل عام بشكل كبير بهيكل الدولة الاجتماعية وانتشار الخدمات الاجتماعية. وتميل المنظمات والدول في الاتحاد الأوروبي إلى اتباع سياسات المساواة بين الجنسين حسب قانون الاتحاد الأوروبي. وتحاول التركيز على المساواة في سوق العمل من خلال الترويج لسياسات من شأنها أن تشجع التوزيع المتساوي للعمل المأجور وغير المأجور بين الجنسين. حيث توجد عموما ثلاثة تصورات تتعلق بالمساواة بين الجنسين:

أولا: مفهوم المساواة الذي تم إنشاؤه على افتراض أن الرجال والنساء متماثلون.

ثانيا: التصور الذي يؤكد على الاختلاف بيولوجيا بين الرجال والنساء ويقترح تقييم النساء بشكل مختلف لأنهن يختلفن عن الرجال.

ثالثا: مفهوم المساواة بين الجنسين هو تغيير العلاقات القائمة بين الجنسين.

ويُنظر إلى هذه التصورات عمومًا على أنها تطورت من المعاملة المتساوية بين الجنسين إلى تصميم برامج من أجل المساواة المحددة، وبالتالي وضع السياسات الاجتماعية التي ستغير أدوار الجنسين.  وهذه الطرق المختلفة ليست منفصلة عن بعضها البعض، على العكس من ذلك، فهي مكملة وضرورية لبعضها البعض “كقاعدة ثلاثية”. وتعتبر دراسة نهج الاتحاد الأوروبي في آلية دمج المساواة بين الجنسين، أمرا مهما للدول النامية من أجل فهم أثر هذه السياسات على توظيف النساء وتقييم معدل التوظيف المتساوي، ومعدل البطالة المتساوي، والأجر المتساوي للمرأة والرجل.

وتوصى السياسة الاجتماعية بتنظيم وفتح المؤسسات التعليمية ودور الحضانة للأطفال في سن ما قبل المدرسة، في أماكن العمل التي توظف عاملات، بهدف تخفيف عبء النساء في رعاية الأطفال والتربية. وهي سياسة منهجية لرعاية الأطفال ما قبل المدرسة لكنها في الدول النامية مبعثرة ومحدودة للغاية. وفي حال التدقيق في هذه التوصية نلاحظ خللا فيها! لأنها تعتبر الأطفال وكأنهم يخضعون فقط لرعاية النساء وتتجاهل مسؤوليات الرجال في ذلك! وهذا القانون يثني الشركات عن توظيف الموظفات! والمؤسسات تُفضل دفع الغرامة التي ستدفعها في حالة أي تفتيش على أن تقوم بفتح هذه الخدمة، لأنها ستكون أوفر ماليا عليها، علما أنه يمكن شراء هذه الخدمات من القطاع الخاص! عدى عن الضغط الذي سيسببه الأمر للنساء المرضعات واللاتي يملكن أطفالا في الحضانة، من حيث اصطحابهم والاهتمام بهم؛ حتى أن توظيف النساء عموما قد يشترط العزوبية أو عدم الانجاب!

يمكن القول أن تأثيرات السياسات والممارسات التي من شأنها تسهيل مشاركة المرأة في أسواق العمل تكاد تكون معدومة في الدول النامية وهي الجيل الأول من السياسات في هذا الخصوص، وتهدف سياسات الجيل الثاني بشكل رئيسي إلى تمكين النساء من الجمع بين أدوارهن المنزلية وأنشطة سوق العمل، وزيادة أدوار الرجال في رعاية الأطفال والمنزل. بينما أصبحت سياسات الجيل الثالث التي تمت صياغتها تقوم على أساس تنظيم العمل بدوام جزئي ومرن، وخلق أشكال العمل البديلة التي تشمل إجازة الأمومة واحتياجات الوالدين والرعاية. على سبيل المثال يمكن للموظفين الحصول على إجازة الوالدين وتتضمن إجازة أمومة مدفوعة الأجر ويمكن أن تكون بدوام جزئي، لما مجموعه 16 أسبوعا، 8 أسابيع قبل الولادة و 8 أسابيع بعد الولادة، مدفوعة الأجر وتستخدم بين الوالدين بالتساوي من قبل الرجال والنساء العاملين، بما لا يتجاوز فترة محددة خلال العام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This