“الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا”.. انتهاكات الجسد في الحياة والممات / دعد ديب

في مشهدية سينمائية ضاجة بالتوتر، يدخلنا حازم كمال الدين في صلب الحدث، الحدث العاصف المتوتر والمثير شبه الهوليوودي، ساحبًا أحاسيس المتلقي لأقصى حالات التحفز والانتباه، ليحكم وثاقه إلى عجلة السرد، ويبقيه في خانة الانتظار والترقب في خط تشويقي متصاعد، لعله يروي فضوله في معرفة ما حصل ولماذا، وذلك في روايته السادسة “الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا”، الصادرة عن دار فضاءات ـ الأردن عام 2020، وهو الأديب المتعدد، أو الشامل، إذا جاز لنا التعبير، صاحب النتاجات الأدبية والفنية المتعددة، من شعر ورواية ومسرح وسينما، ولا غرابة أن يظهر توظيف هذه الفنون في غالبية أعماله.

“يتلاعب حازم كمال الدين بتصورات تلقي القارئ للمشهدية المسرحية التي تتم في الغرفة المجاورة لغرفة داليا رشدي، بحيث يحتار، أهو سيناريو يتم في لاوعي البطلة، أم هو موجود حقيقة في الجوار؟”
يطالعنا الفعل العنيف الموجه ضد امرأة تروي حكايتها بأسلوب السرد المتشظي المناسب لحالة شبه الغيبوبة التي ترزح تحت وطأتها تلك البطلة ساردة العمل، مما يجعل مهمة لملمة وإعادة ترتيب الوقائع في الذهن، وتخيلها من جديد، على عاتق القارئ، ويجعله شريكًا في لعبة السرد المحيرة، من خلال هلاوس الساردة، داليا رشدي، التي تعرضت للاختطاف، ولتنويمها بالحقنة المستخرجة من أخطبوط ذي حلقة زرقاء يعيش في المحيط الهادي، لتحاكي حالة جثة فاقدة القدرة على الكلام والحركة، ولكنها تشعر وتحس بما يجري، وهي تكون استثمارًا عالي المردود لعالم الشواذ، عالم الشخصيات المهتزة الذي تستمتع بجماع الموتى، فئة من البشر صاحبة خيال منحرف لم يسبقها إليه أحد، يرصدها الكاتب بدقة متميزة بتصوير عالمها والتشوه الذي أصاب ملكاتها البشرية وضعفها الصميمي في العجز عن مواقعة امرأة طبيعية، مما تحاول استرجاعه من فحولتها الغائبة على جسد لا يعي ولا يدرك. وارتباط الجنس لديها بالغرائبية والقذارة من دون وجود شريك قادر على المواجهة والرفض ومتفاعل، يعيدنا الى الماركيز دوساد في كتابه “أيام سدوم المائة والعشرون”، في تقصي الرغبة الشاذة المنفلتة من كل المعايير في تداعي جمالية القبح، وما غرابة وجود هذه الفئة في مجتمع الحريات الفردية سوى دليل على وجود انتقاص وخلل ما يخفي في طياته عالم الاستلاب وعزلة الفرد وتغول المادة، ولا نغفل عن إشارته إلى مساءلة المقدس بالفتوى التي تبيح للرجل مواقعة زوجته المتوفاة خلال ست ساعات من وفاتها لما فيه من تشييء المرأة، وقوننة متع الجنس الشاذة.

“ثمة ازدواجية موقف عند اللاجئ الملقب بالرئيس، الذي استباح وأباح لنفسه كل شيء، ولكنه عند اللحظة التي تتصرف فيها زوجته بما يشابه سلوكه، يستيقظ موروثه الذكوري ورواسبه البطريركية كلها”
يتلاعب حازم كمال الدين بتصورات تلقي القارئ للمشهدية المسرحية التي تتم في الغرفة المجاورة لغرفة داليا رشدي، بحيث يحتار، أهو سيناريو يتم في لاوعي البطلة، أم هو موجود حقيقة في الجوار؟ مما يشحذ انتباهه وشعوره ورغبته بأمل إنقاذها مما هي فيه، علمًا أن التردي الذي وصلت إليه قد طال الروح قبل البدن، فالمناضلان الثوريان الهاربان من جحيم القمع في بلادهما يقعان تحت رحمة اللجوء المدمر، حيث يمتد خط السرد على محورين: ماضي مقارعة الديكتاتور في العراق، وحاضر في بلجيكا ليرسم فيها وضعية اللاجئ الحالم بديمقراطية وجنة الغرب مصدومًا بالوجه الآخر الذي لا يعترف بإمكانياته الفكرية وشهاداته، ويرى فيه رقمًا يبرمجه في آلته الإنتاجية وحسب، مما يهيئه لامتهان الجريمة والأساليب الممنوعة، وغير القانونية، وهو الفرد “البالع السكين على الحدين” في انسداد سبل الحياة.
ثمة ازدواجية موقف عند اللاجئ الملقب بالرئيس، الذي استباح وأباح لنفسه كل شيء، ولكنه عند اللحظة التي تتصرف فيها زوجته بما يشابه سلوكه، يستيقظ موروثه الذكوري ورواسبه البطريركية كلها، ومعها ما تطور وتناسل من أشكال التعذيب والإهانة، التي يمكن أن يتفتق عنها العقل الذي استوحش وتغول، ظهرت في إضاءة الكاتب لشخصية المناضل السياسي الذي يتقمص ملامح الدكتاتور الذي ثار ضده، ونفي إلى خارج بلاده، هربًا من جبروته. ماذا نقول في ذلك؟ وهل كل فرد يخبئ في ذاته ديكتاتورًا مع وقف التنفيذ، حتى تلتئم شروطه وظروفه، ويحوز على المال والسلطة، أو أن الملك هو الملك، على حد تعبير سعد الله ونوس، ما إن يكون في موقع السلطة حتى يتماهى وينسجم في الدور الذي يعطيه امتيازات وإمكانيات لا حدود لها.
حواريات المرأة ذات الصوت المبحوح هي أشبه بمشاهد تمثيلية لمسرحية تدار نصوصها على مقربة من أسماع الساردة، تتجسد فيها قدرة الكاتب على رصد وتمثل شخصية أنثوية تجعلنا ننسى للحظة أن الكاتب رجل، مما يؤكد أن الروائي خالق لا جنس له، ولكنه يسأل عن مخلوقاته، لأنه يستولد شخصياته من خزينه الثقافي والمتخيل الإبداعي الذي يحمله، ولا وجود لسرد أنثوي، أو ذكوري، إلا بما يقتضيه تنامي العمل وشخوصه، وهناك مبدع وحسب. فالإنصات إلى صاحبة الصوت المبحوح نافذة للدخول إلى ماضي الشخصية، والكشف عن تاريخها، ومعرفة حكايتها، وأحداث طفولتها المؤثرة في ذاكرتها، “زنى المحارم”، وعبر توازي القصص بين الماضي والحاضر يتلاعب كمال الدين بمنطوق الشخصيات في هذيان الساردة، خاصة عند هجرة النفس خارج البدن، كراوية للحدث بسبب من تعطل صاحبته الجزئي عن الحياة، لتتكثف الاستعارات المسرحية والفلاشات السينمائية عبر نصوص تتوالد من نصوص، حيث الأخير منها يتربع على جثث تلك النصوص الماضية، ويقتات من تفاصيلها، مثل العبارة الشكسبيرية “تلك هي العلة يا نفسي” التي تتكرر عبر الجدار، في مشابهة رد فعل المناضل المستنكف عن نضاله على خيانة زوجته، مع عطيل وديدمونة.
إن التشكيك بالحقائق، والارتياب، من أهم تجليات ما بعد الحداثة، وهذا ما يشتغل عليه حازم كمال الدين، ويجعل المتلقي في حالة شك، وعدم يقينية من شيء، ليصل إلى نتيجة أن كل شيء وارد الحدوث، وأيضًا من الممكن عدم حدوثه إلا في خيال الكاتب، الذي زاد دخوله باسمه الشخصي إلى مسرح السرد من بلبلة وتشتت مدركاتنا الحسية في التقاط المعنى مما يوازي العوالم الافتراضية لقدرة كل فرد على انتحال عدد كبير من الشخصيات، كما أنها محاولة منه للتماهي بالأساليب المسرحية البريختية، لكسر الإيهام عند المتلقي، وتنبيهه وإرجاعه إلى الواقع. كما أن المشهدية التشكيلية في توظيف لوحات رينيه ماغريت تؤكد “أن كل ما تراه يخفي شيئًا آخر ودائمًا نهتم بالمخفي الذي نراه”. وقد يكون من المناسب لو يحصرنا الكاتب بالمخفي الذي لا نراه، فتضمين اللوحة في صلب العمل يؤدي إلى تطابق توقع القارئ مع اللوحة الحقيقية، مما يصادر خيال القارئ في تصورها، وهذه التقنية استثمرها ماريو فارغاس يوسا في “مديح الخالة”، بجمالية متناهية، عبر وصف أعمال الفنان شيلي، وإن كان اتساع عالم الرواية، كجنس أدبي، يسمح بتداخل الفنون وتمازجها، ولكن قد يكون وصف اللوحة يغني عن إدراجها، وليترك للقارئ مهمة البحث عنها في مكان آخر.

“لم يعد أمام إنسان العصر، تحت وطأة الخراب الذي يتهاوى إليه بصورة شبه حتمية، غير أن يبقى شاهدًا لعذاباته، الأمر الذي جعل من داليا رشدي جثة حية تشهد جحيمها المتكرر في كل آن”
لا ينسى حازم كمال الدين، وهو يمضي بتلاوين ما بعد الحداثة، أن يطرق أبواب الرواية الرقمية، لما فيها من اشتغال على التفاعل بين المتلقي والنص والوسائط الرقمية، لإيصال المعنى، كونها تعتمد رابطًا، أو أيقونة، لندخل بابًا آخر من أبواب الرواية التي تلتمس شبكة الإنترنت رديفًا أساسيًا لعوالمها المتعددة، وهي التي ما زالت ملتبسة في تجنيسها والاعتراف بها لغاية اللحظة، إذ يترك لنا رابطًا للدخول إليه كجزء لم يتوفر في النسخة المطبوعة، لنسمع سردًا عن فلسفة الجسد، والرغبة، كطقس له فنونه وألوانه، لما فيه من الغوص بعوالم النفس من الجانب الإيروتيكي، والبحث عما يجعل تلك الجذوة متقدة، وعلاقتها بالألم الجالب للمتعة، والأيروسية المتعلقة باللذة المحض، وليس التناسل، حيث أن الكائنات غير المكتملة تتوق دومًا للاكتمال، في سعي كل جنس إلى الآخر، وفي هذا التجاذب تتولد المتعة الكلية، حيث التكامل بالاختلاف والتناقض، مما أعادنا إلى كتاب “اللهب المزدوج” لأوكتافيو باث، خاصة في لقاء ذات الوميض والأشقر على حافة البحيرة.
الرواية الرقمية كشكل متجدد للمنجزات الحداثية كان له أن يمنحها مساحة أكبر ويعطيها أبعادًا أكثر، وهو الذي يجيد توظيف التقنيات السينمائية والمسرحية في مشهديات متعددة، مما يجعل من تمازج هذه الأساليب فسيفساء لوحة جديدة ومتفردة في السرد، وهو المسرحي الذي قارب عدد مسرحياته التي أنتجها أكثر من عشرين مسرحية، وفازت مسرحيته “السادرون قي الجنون” بجائزة أفضل نص عن الهيئة العربية للمسرح.
لم يعد أمام إنسان العصر، تحت وطأة الخراب الذي يتهاوى إليه بصورة شبه حتمية، غير أن يبقى شاهدًا لعذاباته، الأمر الذي جعل من داليا رشدي جثة حية تشهد جحيمها المتكرر في كل آن، وشاهدة على موتها المستمر، واغتصابها الدائم، وما زال الوطن أشبه بجثة، ومع ذلك ثمة من يستفيد من هذه الجثة مقطعة الأوصال، جثة حلوب وثمينة شأنها شأن بلاد الشرق: ميتة وثمينة.

عنوان الكتاب: الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا المؤلف: حازم كمال الدين

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This