ثمانون عامًا لميازاكي.. من يملأ هذا الفراغ الكبير؟

ثمانون عامًا لميازاكي.. من يملأ هذا الفراغ الكبير؟

ميازاكي في حفل توزيع جوائز في هوليوود (8/11/2014/Getty)

قبل شهر، بلغ الفنان والمؤلف والمخرج ومنتج الأفلام الياباني، هاياو ميازاكي، الثمانين. وصل فجأة إلى عمره، وسبقته إليه أفلامه، التي بدت في زمانها أكبر من صاحبها. ثمانية أعوام تقريبًا أيضًا مرّت على اعتزاله، ولا جدال في كونه ترك فراغًا كبيرًا. ورغم غزارة الإنتاج البصري في اليابان، الذي يتكّل على التحريك (Animation)، ما زال “عرّاب” هذا النوع من الأفلام بلا ورثة. حتى أن أعمال ابنه غارو، الجيدة نسبيًا، لم تستطع أن تنسي العالم الحضور الكثيف لعوالم والده في عوالمنا. مثل نزهات أومبرتو إيكو في غابة السرد، ما زالت أفضل النزهات الممكنة، في عالم السينما المتصلة بالطبيعة، هي النزهة في مجرات ميازاكي. هناك، حيث يمكننا الاعتراف، بتأنٍ شديد، بأن الحياة البشرية هي عبارة عن صراع نخوضه ضدّ الزمن، وأن الزمن ليس سوى حرب على الطفولة.

هاياو ميازاكي يتسلم جائزة فخرية على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز محافظي أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية في هوليوود (8/ 11/ 2014/Getty)

لعل أشهر أفلامه هو Spirited Away، الذي يمكن أن يترجم إلى “المخطوفة” بالعربية. في هذا الفيلم، قدّم ميازاكي للعالم تصوره عن المدينة الرأسمالية، وعلاقة السِحر بهذه المدينة بالذات. مدينة اليوم، إن كان مصطلح “اليوم” ممكنًا، لأن استعماله صار في غاية الخطورة. الوقت أسرع حتى من خيالاتنا. بعد عشرين عامًا على فيلمه الرهيب، أصبحت “جيوفن” أقرب إلى الحقيقة، مدينة أقرب إلينا من مدننا، بوصفنا كائنات توشك على الاستسلام. لم تعد مدينة القرن التاسع عشر تلك تقوم على السِحر، بل أمسكنا ميازاكي بأيدينا، وأخذنا إلى المستقبل عبر الماضي. تلك الرأسمالية الشنيعة هي الرأسمالية السببية. ليست مثل تلك الرأسمالية التي نقرأ عليها ضمن شروط رأسمالية صرفة، ولسنا أحرارًا في إرادتنا بخضوعنا إلى شروطها.

“شيهيرو” وحدها في المدينة المسحورة، المدينة التي لعنت نفسها. نحن في عالم ملعون، إذًا. يعتقد الجميع أن الخلاص فيه ليس داخل الروح إنما خارجها. ليس في الهواء إنما ببطاقات الائتمان. ما هو مبهر دائمًا أنه لم يبحث عن فِتنة الديستوبيا، ولا عن سطوة خطاب القوة. الخجل فقط هو ما ينقذنا. القدرة على الاستماع إلى صوت الطبيعة فقط هي التي تحررنا من أبوية العالم. متى فقدنا القدرة على التمييز، فقدنا المعنى.
سنجد عمال المناجم في “قلعة في السماء”، وسنعرف معنى “الرياح التي ترتفع”. لم يعد المصنع المسمم في كيوشو غارقًا لوحده. انفلش زئبق الستينيات على بقع كثيرة. صار سكان الأرض مثل سكان كيوشو في Nausicaa of the Valley of the Wind. جميعهم عرضة للمرض، لتفشي الوباء، الناتج عن عدم الاعتراف بقدرة الطبيعة على الردّ. نحن وحدنا في زمن كورونا. نواجه التحليل بالتحليل والتفسير بالتفسير. لكن ميازاكي بسّط الأمر سابقًا. أطلق واحدًا من إنذاراته الدافئة. كانت الأميرة، الرمز النسوي الحاضر دائمًا في أعماله، تحاول إنقاذ العالم المدمر منذ ألفي عام بالنفايات، ولكننا لسنا وحدنا كبشر في الفيلم. وضعنا في مواجهة قدرنا: حشرات عملاقة أنجبتها الكارثة، تحارب معنا وضدّنا. الساحرات لسن ساحرات. كل شيء يعتمد على فهمنا في النهاية. لقد ترك لنا الخيار دائمًا. يمكن دائمًا إعادة تقييم العلاقة مع الشرّ، عندما ننظر إلى الساحرة “كيكي”، وإلى الخير، عندما ننظر إلى الشرّ.
ميازاكي مثل هذا العالم تمامًا: إحدى أبرز نقاط قوته هي أبرز نقاط ضعفه، بحيث يمكن أن يكون مبهرًا تمامًا في جانبٍ واحد منه، وفي قصة واحدة، لكن لا يمكنك أن تفهمه من دون التعرف إليه عن قرب. ولعل هذا ما يفسر اعتزاله، التعب، الاكتفاء، السعادة، الحزن، أشياء كثيرة في عالم كثير لا يمكن الركض خلفه إلى الأبد. يجب الوقوف على سفح الجبل وتأمل النهاية. في شريطه الرابع، “الجار توتورو”، يحاول ميازاكي إنقاذ الريف من وحشية المدن التي تتذرع ببلادته لإبادته، كما يحاول إنقاذ الأشجار من الإهمال الطويل. لكن أحدًا مثله لم يكترث للعلاقة بيننا وبين الطبيعة في السينما إلى هذه الدرجة. وقد يكون هذا حكمًا متسرعًا، لكنه بالتأكيد أحد الذين رأوا العالم كبقع متصلة. أكوان لا تنتهي. هناك حدود لكل شيء، في كل فيلم من أفلامه سنجد حدودًا. لا يوجد شيء اسمه مطلقات. هناك مؤسسة كبيرة اسمها العالم، وهناك احتمالات لأن نروي ونحن نتجول. وربما هذا ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت: القدرة على الشك، أو الشجاعة في إعلانه. الغابة المسممة في “بوركو روسو” أكثر من غابة، الضوء في القلعة المتحركة في فيلم آخر ليس مجرد ضوء. الضوء هو الضوء والظلام، والغابة هي حياة الطبيعة ووسيلتها في اعلان الموت.

هنالك كثير من الأفلام اليابانية العظيمة بلا شك. ولكن ميازاكي كان استثنائيًا، لأنه يسمح لك بإقامة حوار هادئ وصاخب في آن مع الشاشة الكبيرة. ليس عليك إلا تتبع الإشارات. هنالك محطات يجب التوقف عندها، وهناك تفسخات يجب ألا يطأها المشاهد. السينما فخاخ. لعبة الماضي الحزين للجنس البشري ومستقبله. لا وجود للحاضر في السينما. كل شيء يمر سريعًا، وما يأتي ليس مستعجلًا. لا يحب ميازاكي التصفيق. المجتمع ليس هو الوِحدة، بل هو مجموع الانقسامات، وهو العلاقة بين الداخل (البشر ـ المصالح ـ المقدّس ـ المباني ـ الحضارة)، وبين الخارج (الجبال ـ البحر ـ الحيوانات ـ الأنهار ـ اليابسة). ليس المجتمع في أفلامه شيئًا يمكن دراسته. إنه ما يمكن النظر إليه برهبة، مثل المدينة التي ترزح تحت رحمة “قلعة في السماء”، أو المساحات الهائلة المنهوبة. أما العلاقة الطويلة مع البحر، ومع البحار، تحديدًا، فليست برنامجًا بيئيًا عاديًا، أو نزعة إكزوتيكية للانعزال عن الصخب. في إصراره على البحر، كما في “بونيو”، يصرّ ميازاكي على إنسانية لا تتورط في النزاعات فتتلوث بها تدريجيًا، لذلك فضّل أن يترك الأفكار للأمواج، ويترك السينما للسينما.
سيفتقد العالم إلى السلاحف العملاقة ذات الرؤوس الضخمة التي تعيش على السواحل. نحتاج إلى المشي في ياكوشيما، بصحبة “الأميرة مونونوكي”، والذئاب الطيبة التي تكاد تنقرض. وإذا كان ميازاكي يستعير من الطبيعة دلالاتها، كما فهمناها، فيبدو وكأنه كان في حسرة دائمة على موت الدلالات، من دون وداع لائق. يحتاج العالم إلى الذئاب لكي تكون رموزًا للحرية في الخروج عن القطيع، ولقوة القطيع في العثور على الطريق تحت ضوء القمر، وإلى السلاحف لكي تنظر بعينيها الحزينتين إلى كل شرّ: التغيّر المناخي، الشواطئ المحتلة التي لوثها زيت الاحتلال، جشع المضاربين الذين يحاولون ابتلاع البحر. الخنازير، أيضًا، مثل الذئاب والسلاحف، كائنات قابلة للتأويل. الجشع في عيني والدي “شيهيرو”، والكائن الضخم الذي كان مقاتلًا في الحرب العالمية الأولى. لم يكن مقاتلًا عاديًا، كان طيارًا، يلقي الموت من فوق. يستعيد ميازاكي السماء منه، ويعيده إلى الحظيرة في “بوركو روسو”: لا أحد يمكنه أن يحتكر السماء. لا أحد يعرف ما الذي كان يجول في رأس المخرج الياباني الكبير، عندما ذهب إلى سواحل كرواتيا ـ والبحر مثل السماء حاضر دائمًا في أعماله ـ لكي يصوّر هناك. أثناء بحثه عن الحرب كانت تحدث الحرب، وما زال هذا يحدث اليوم.
بلغ ميازاكي الثمانين، وهذا يعني أنه ولد أثناء الهزيمة اليابانية الكبرى في الحرب العالمية الثانية. لكنه لا يمشي على تقاليد المهزومين، بل يدعو إلى التطهر من القومية وإفرازاتها باستمرار تخيّلها، ويشاركه في هذه النزعة جيل عريض من اليابانيين. في أحيان كثيرة، تلتقي خيالاته الواسعة عن الطبيعة، مع خيالات كوراساوا عنها، وكلاهما يولي الكائنات المشاركة للبشر هذا الوجود أهمية قصوى في التمرد على السرديات المهيمنة، مثل الشهادة والبطولة والشجاعة والنجاح الفرداني عديم الفائدة من دون أرض ثابتة. ربما يعود كل هذا إلى نشأته المتأرجحة في بلاد أرجحتها الأحداث، وعبرّت الزلازل فيها عن مآلات العنف: الزلازل ارتدادية دائمًا، هكذا تحدث في أفلامه. شيء ما حدث في البداية، في طفولته الخارجة من خسارة فائضة عن الواقع، وفي جزيرة محاطة بالبحر هي اليابان. ولكن، أليس العالم كله محاطًا بالبحر في النهاية؟ اليابان ليس ربما سوى صورة مكثفة عن غابات الكوكب في نزاعاتها مع عربدة البشر، ليس سوى محاولة دائمة لتفادي الهزيمة التي ألحقتها الحداثة بالكوكب. اليابان هو صورة عن حزن العالم عندما ينفصل عن البحر، وعن فرحه عندما يتصل به.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This