عودة الحراك في الجزائر بين تحديات السياسة والفكر / بوعلام رمضاني

إذا أضحت قوة عودة الحراك الشعبي في الجزائر، في ظِلِّ استمرار كورونا، مَكْسَبًا تاريخيًا لا يختلف حوله اثنان، من منطلق أبسط المفاهيم السياسية والسوسيولوجية والسيكولوجية، فإن هذه العودة تبقى مفتوحة على تساؤلات عديدة على صعيد الدور الذي يجب أن يقومَ به المثقفون، ليس بالمفهوم الثوري الذي عرفته فرنسا في مايو/ أيار 1968 بالضرورة، لكنْ بمفهوم الفئات المُتعلمة القويّة التي كانت وما زالت تُعَدُّ روحَ ومحركَ حراك الجزائر، إلى جانب كتاب ومحللين يُمكن إدراجهم في خانة المثقفين الذين برزوا بشكل لافت، ومن بينهم المحلل الاجتماعي، ناصر جابي.
“ضفة ثالثة” التي ترصد ثقافيًا توجهات وقضايا المجتمعات العربية وغير العربية، بعيدًا عن الاستقطابات الضيقة، ترصد هذه المرّة عودة حراك الجزائر إلى واجهة الأحداث. وكما جرت العادة، لم تكن مهمتها سهلة، بسبب تردُّد بعض الإعلاميين والكتاب في الرد على سؤالي: كيف تَروْنَ عودةَ الحراك في ذكرى انطلاقته الثانية، وما هو الدور الذي يجِبُ أن يلعبه المثقفون، إن وُجد، بشكل أو بآخر؟
بعض الكُتَّاب المؤيدين لما أسموه بالحراك الأصيل والمعادين للحراك المُغرِض المنحرِف، على حد تعبيرهم، فضَّلوا فضائيات تلفزيونية للتعبير عن موقفهم، في حين فضَّل بعضُهم الصمت “المنهجي”، بعد خيبةٍ أَتَت على ما تبقى من آمالهم التي تتلاشى وتضيق من يوم لآخر، على حد تعبير أحد خصومهم الشرسين.

ناصر جابي (محلل اجتماعي، أستاذ وكاتب):
المتعلِّم العضوي كمحرك حيوي إلى جانب المثقف المنظِّر النادر
عودة الحراك كانت متوقَّعة، لأنّ مَطالب الشعب لم تتحقق باستثناء تنحية الرئيس بوتفليقة. بناء مؤسسات سياسية شرعية، وإطلاق سراح كل معتقلي الرأي، وحرية الصحافة، واستقلالية العدالة، مطالب جوهرية لم تتحقق. وخِلافًا لما كان يَطلُبه الشّعب، وَقَعت انتكاسة باستغلال السلطة توقف الحراك بسبب جائحة كورونا، لتكريس وهم تَغيير شكلي، والاستمرار في سَجن المخالِفِين المطالبين بتغيير سياسي حقيقي. سوسيولوجيًا، تنامت وتيرة التعبئة، وتبين ذلك جليًا في مُظاهرتي الذكرى الثانية لانطلاق الحراك، ويوم الجمعة الماضي.

أنا المحلل الاجتماعي، والمنخرط في الحراك، وقفتُ عند حقيقةِ اكتساح سكان العاصمة للنقاط الرئيسة، في غياب سكان المدن الأخرى، ومن بينهم سكان القبائل، بسبب غلق العاصمة، الأمر الذي يُؤكد أن مُستقبل الحراك سيكون أكثرَ زَخَمًا في الأسابيع المقبلة.
ثقافيًا، يجِبُ التنبيه إلى حقيقة تاريخية وسوسيولوجية وثقافية تؤكد قُوَّة الحراك من منظور ثقافي، بعيدًا عن الإسقاط التَّعَسُّفي الذي تفرضُه مُقارنات غير سليمة. في الجزائر، يجب الحديث عن الفئات المتعلمة والواعية بخلفيات ومرامي النظام الفاسد، وأنتَ تعرِف، بِحُكم موقعك، الدور الذي ما زال يلعبه المحامون والأطباء والأساتذة والناشطون الكُثُر والطلبة، في تحدي النظام جَنبًا إلى جنب مع كُتّاب وإعلاميين لا يمكن مُقارنة دورهم بما حدث مثلًا في فرنسا عام 1968.
الخيبات التي مُنِي بها الذين آمنوا بمسار التغيير الرسمي الوهمي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أعادت إلى الحراك عددًا كبيرًا مِمّن وقعوا في فخ أوهام النظام، ومن بينهم أفراد كُثُر من الفئات المتعلمة التي جِئتَ على ذكرها.
انطلاقًا مما قُلته سلفًا، يجب الخروج عن النمطية التقليدية التي تُصنِّف المـُثقف بِشكل ميكانيكي خارج إطاري الزمان والمكان وصيرورتهما، وبصمة المثقف حاضرة سوسيولوجيًا في الجزائر، كما أشرت، وستقوى أكثر من أي وقت مضى.

محمد قيراط (أستاذ جامعي وكاتب):
مثقفو الجزائر.. اتحدوا
أسئلة عديدة تَفرِضُ نفسها اليوم فكريًا، وليس سياسيًا، ومن بين أهمها: إلى متى يبقى الحراك بالشكل الذي انطلق به قبل عامين؟ هل هو في حاجة إلى خريطة طريق؟ هل هو في حاجة إلى طرح مشروع مجتمع، ووضع رُؤى إستراتيجية واضحة المعالم؟ هل حان الوقت لتقييم شامل للحراك، وتحديد الإستراتيجيات والرهانات؟ أين هِي النخب المثقفة التي من شَأنها وواجبها التَّدخل في مثل هذه الظروف التي تُخْرِج الحراك من التعبئة والتجنيد والمسيرات إلى التأطير والفعل ووضع الخطط لتحقيق الأهداف؟

“رحيل الرئيس بوتفليقة لا يمثل انتصارًا سياسيًا شعبيًا إذا ما استندنا إلى جملة المطالب التي ترادف التغيير الجذري المنشود”
أسئلة مُلِحَّة تَفرِض نفسها بعد عودته في الذكرى الثانية للحراك الذي تمكن من توقيف مسار العهدة الخامسة وخلع الرئيس بوتفليقة كرمز للفساد الشامل. الحراك الذي توقَّف بسبب الجائحة يعودُ اليوم مواجهًا جملة من التحديات الموضوعية المذكورة في الأسئلة المطروحة، وهي التحديات التي تُؤكد أن حصيلة الحراك الهزيلة المتمثلة في حوالي 10 في المئة (رحيل الرئيس بوتفليقة)، لا تُمثل انتصارًا سياسيًا شعبيًا إذا ما استندنا إلى جملة المطالب التي ترادف التغيير الجذري المنشود.
سياسيًا، الوضع ما زال يراوح مكانه، ولم تتحقق المطالب الكبرى فقط، بل لاحظنا انزلاقات وتجاوزات واختراقات لا تُحصى ولا تُعد، كإهانة بعض الوزراء للمواطنين على الهواء، وهم الوزراء الذين جاءوا من تحت جلباب السلطة السابقة، من دون خبرة وكاريزما. المضحك المبكي منذ تولي السيد تبون الرئاسة، والذي يعتبره كثيرون امتدادًا لرئاسة الرئيس بوتفليقة، هو تعيين السيد غوجيل صالح ذي التسعين سنة على رأس مجلس الأمة!
في ظل هكذا وضع تراجيكوميدي، يتحتم على الحراك الانتقال إلى مرحلة الفعل، ووضع الآليات اللازمة للتغيير، بعد فترة أكّدت أن التظاهر لم يَعُد كافيًا ومُجديًا لإرغام النظام على التغير. صحيح أن الحراك استطاع أن يُوقف العهدة الخامسة، لكنَّ الأصحَّ هو أيضًا تَراوح الوضع في مكانه، وكأّن الحُكم السابق يَعُودُ من جديد تحت أشكال مختلفة. في هذا السياق المحمل بتحديات مصيرية، يمسي دورُ النُّخب المثقفة، بكافة فئاتها، حيويًا وشرطًا حتميًا أكثر من أي وقت مضى.
السياسيون والأساتذة والمعلِّمون والجامعيون والإعلاميون والكتاب، وغيرهم، مطالبون بالتفكير في مرحلة الحسم لتحقيق التغيير المنهجي والمنظم والمبني على إجراءات عملية من أجل مصلحة الجزائر. مع الأسف، بدل ذلك، لاحظنا التخندق والابتزاز والانتهازية والنقد من أجل النقد.. مثقفو الجزائر اتحدوا!

محمد شلوش (إعلامي):
كُتَّاب كُثُر تنبَّأوا باستمرار الحراك
الحراك شعلة لم تنطفئ، وخاب ظنُّ الذين كانوا يراهنون على موته تحت وطأة كورونا. لقد عادت الهبَّةُ الشعبية في ذكرى انطلاقتها الثانية، وشهدت العاصمة تدفق حشود هائلة من النساء والرجال، من مختلف الفئات العُمرية، وَرَدَّدوا شعارات التغيير الجذري، ومن بينها إقامة دولة القانون والحق التي تصون الحريات وتضمن الاختيار الحر لممثلي الشعب والتداول على السلطة.
لقد تعاظَمَ وَهَجُ الحراك الذي لم يفاجئ أحدًا بعودة حافظت على السلمية المبهرة، وبتكريس مطلب التغيير الجذري الذي تنبأت به كتابات في أوسط مثقفين كُثُر، ولا أدلَّ على ذلك من إحصاء أزيد من سبعين كتابًا تتراوح مضامينها بين التحاليل والانطباعات، ورصد يوميات هذه الثورة الشعبية السلمية.

“الحراك لم يفاجئ أحدًا بعودة حافظت على السلمية المبهرة، وبتكريس مطلب التغيير الجذري”
إذا كان هنالك من يضع هذا النوع من الكتابة في خانة الكتابة الاستعجالية، تحت وطأة الأحداث الطارئة، أو في ما يصفه الروائي الكبير بـ”الأدب الإستعجالي”، بل ويقسو عليهم بوصف أعمالهم بأدب المعوَّقين، فإنه من المـُجحف التقليل من شأن هذه الإسهامات التي توثِّق لأحداثٍ فارقة في تاريخ الجزائر، وتدفع بالكتابة السياسية إلى الواجهة، مؤثرة بشكل إيجابي على الحركة الثقافية في بلادنا.
لقد فاجأ الحراك الكاتب الجزائري، كما فاجأ غيره، على حد تعبير الكاتب والشاعر المبدع، عبدالرزاق بوكبة. تجاوز الحراك، أيضًا، فِطنة الملاحظين، وحدس المراقبين، وروئ الفئات النخبوية، وكأنه هدير جاءنا من الأعماق حاملًا معه الهموم التي كانت تعبر عنها حناجر الجماهير الشبابية في ملاعب كرة القدم. “لاكازا المرادية” الأغنية التي اشتهرت بها فرقة “أولاد البهجة” هي الأغنية التي اختارها الإعلامي المعروف، محمد بن شيكو، عنوانًا لروايته الناقدة لفترة حكم بوتفليقة نقدًا لاذعًا.
النخبة المثقفة، وإنْ لم تَكُن قد واكبت الحراك بالمعنى النضالي للكلمة، فإنها ساهمت بخُروج العديد من الوجوه الثقافية والأدبية والفنية إلى الشوارع، في مُؤزارة الحراكيين، وإبداء إعجابهم بِهذه الثورة التي أبهرت العالم.
بهذه الطريقة، تكون النخبة المثقفة قد سايرت الحراك، وقدَّمت إضافة نوعية لوَهَجِ الهبَّة الشَّعبية التي لا يُمكنها الاكتفاء بالتظاهر، بل لا بُدَّ أن تتزاوج قُوتها مع قُوَّة الإنتاج الفكري للفاعلين في المجال الثقافي.

محمد بن شيكو (إعلامي وكاتب ومؤلف كتاب “بوتفليقة الخديعة”):
الحديث عن دور المثقف سابق لأوانه
عودة الحراك بقُوَّة، رغم جائحة كورونا، دليل على استمرار التّعبئة الشعبية التي أفشلت كل مخططات النظام. لا المشكلة الصحية، ولا الاعتقالات التعسفية والقمع، ولا المناورات الممكنة، حالت دون عودة الحراك بالشكل الذي يُثْبِت أن المطالب السياسية والاجتماعية عميقة ومتجذرة في الضمير الجمعي، الأمر الذي يَطرَحُ تحديًا حقيقيًا في وجه السلطة، ومن المتوقع في ظل استمرار الحراك بالشكل المذكور حُدوث عدَّة تطورات هذه السنة.

“عودة الحراك بقُوَّة، رغم جائحة كورونا، دليل على استمرار التّعبئة الشعبية التي أفشلت كل مخططات النظام”
قضية دور المُثقف لا تُطرَح اليوم في تقديري، لأنه دورٌ استراتيجي شريطة تعريف الاتجاه المبدئي الذي يُراد له. المثقف يمكن أن يكون ديمقراطيًا، أو جمهوريًا، أو إسلاميًا، أو مؤمنًا بالمؤامرة، وعليه يجب أن لا تَسْبِق صفة المثقف على التوجه الأساسي الذي يريده الشعب.

العربي رمضاني (كاتب ومؤلف “أناشيد الملح.. سيرة حراك (ق)”:
العودة دليل وعي شعبيّ
عودَةُ الحراك، رغم توقُّفِه بِسبب كورونا، بقوَّةٍ لافِتَةٍ وَنَوْعِيَّة، تَزامُنًا مع الذكرى الثانية لانطلاقته، دليلُ وَعيٍ شعبيٍّ عَميقٍ ومستمر بِمَرامي سُلْطَةٍ أَعادت إِنتاجَ نفْسِها عبرَ القمع والاعتقالات، وسردية جزائر جديدة وهمية.

“الحراك مُستمرٌّ اعتمادًا على المشترك الوطني، كقيمة جامعة للجزائريين المتطلعين إلى حياة أفضل”
عاد الحراك بمصداقية أكبرَ تُفَسِّرُها السِّلمية الواعية، والاستقطاب الجديد لأفراد وجماعات اقتنعت بتبني مطالب الشعب الشرعية. عاد الحراك، أيضًا، باستعادة دور المثقفين في الحوار والتوجيه خدمة لمطالب الشعب، خلافًا لآخرين انتهازيين انتظروا سقوط بوتفليقة لركوب موجة الجزائر الجديدة، تعبيرًا عن تغيير تقُوده السلطة، وقاد قاطرة الترويج للتغيير الوهمي حَشْدٌ من الإعلاميين والأكاديميين المسايرين للسلطة الفاسدة المتجددة. في مُواجهَةِ هؤلاء، برز عددٌ لا بأس به من المثقفين والمتعلِّمِين الذين انحازوا منذ البداية للشارع رغم محاولات الترهيب والشيطنة والتقسيم والفتنة والتخوين.
الحراك مُستمرٌّ اعتمادًا على المشترك الوطني، كقيمة جامعة للجزائريين المتطلعين إلى حياة أفضل، بعيدًا عن التضليل والوصاية الأبوية وبقية السرديات البالية.

حميد العربي (إعلامي وشاعر):
الحراكُ تأكيدٌ على التعددية الثقافية
أعتقدُ جازمًا أن كل من تابع الحراك منذ انطلاقته، يُدرك أنه ثورةٌ مستمرة بشكلٍ غير مسبوق، لأنه أعطى للجزائريين فرصةً أولى من نوعها للتعبير عن سقوطِ سلطةٍ سياسيةٍ فاسدة لم تُجَسِّد آماله في حياة حرة وكريمة.
منذ البداية، عبَّر الحراك عن توليد سياسي مُتنوِّع سَمَح بالكشف في وضح النهار عن التعددية السياسية والثقافية الجزائرية التي طالما غُيِّبت لعقود.
الحراك أخرج إلى النور جزائر جميلة مزدانة بألوان زاهية موروثة من أجدادنا الذين ترَكُوا لنا تراثًا ثقافيًا وحضاريًا زاخرًا وجامعًا. الحراك أكَّدَ أن الثقافة هي الحرِّيةُ التي تجمع كل الجزائريين، في إطار سلمية رائعة، واكتشافها بشكل غير مسبوق هو اكتشاف لذاتنا التاريخية والحضارية الجمعية والمتنوعة. هذه الذات تُشكِّلُها المرأة جنبًا إلى جنْب مع الرجل، كما بيَّن ذلك الحراك العائد منذ البداية.

“الحراك أخرج إلى النور جزائر جميلة مزدانة بألوان زاهية موروثة من أجدادنا الذين ترَكُوا لنا تراثًا ثقافيًا وحضاريًا زاخرًا وجامعًا”
في طبيعة الحال، لا يُمكن تصور تغيير سياسي حقيقي وشامل من دون مُثَقَّفِين يَعكِسُون التنوُّع الحضاري والفكري الذي قام عليه تاريخ الجزائر، ومن دون مثقفين لا يمكن لمجتمع ما اكتساب الروح النقدية الضرورية لكلِّ جَدَلٍ حُرٍّ ومُثْمِرٍ، وهذا ما يجب علينا جميعًا العمل على تكريسه أكثر فأكثر مستقبلًا.

فتيحة بوروينة (إعلامية وكاتبة):
غالبية المثقفين ما زالت متردّدة في الانخراط
لم يكن يتوقع أكثر المتفائلين عودة السيول البشرية التي اخترقت الحواجز للتظاهر في الذكرى الثانية للحراك الشعبي، التي تعود هذه المرة في سياق يفرض على الشعب الإمساك بأسنانه باللحظة التاريخية الجديدة.
في اعتقادي المتواضع، هذه العودةُ تَستوجِبُ تنظيمَ الصُّفوف في أسرعِ وقتٍ، عَبْرَ التهيكُلِ في تنظيماتٍ تُوكل إليها مُهِمة التفاوض مع السلطة، وخاصة بعد أن أصبحت للحراك أسماء تحظى بتقديرٍ يَسمحُ بتقديمها مُمَثِّلة للسلمية.
اليوم، لم تَعُد أخطاءُ الطبعةِ الأولى مقبولة، والشارع لم يعد وحده مُجْدٍ من دون هيكلةٍ تكون لها الشَّرعيةُ لمفاوضة السلطة.
رغم حُضُورها غيرُ الكافي، سجَّلَت النُّخبة حضورها البهيّ، برَفْعِ سقف الخطاب المُطَالِبي، وتحديد الأهداف، وإدراك السياقات الجيوسياسية والاقتصادية التي تُجنِّب التَّهور، أو حماسة الشباب المبررة والمفهومة، في بلدٍ ما تزال زوارقُ الموت آخر الخيارات لديه طمعًا في حياة المنافي على مرارتها.

“لم تَعُد أخطاءُ الطبعةِ الأولى مقبولة، والشارع لم يعد وحده مُجْدٍ من دون هيكلةٍ تكون لها الشَّرعيةُ لمفاوضة السلطة”
عن المثقفين، يُمْكِن القول إن معظمهم ما زالوا مُتَرَدِّدِين في الانخراط العلني طمعًا في غنيمةٍ ورَيْعٍ، وعِوَضَ أَخْذِ بعضهم صور بتقنية السيلْفِي (التصوير الذاتي)، كان عليهم توجيه العامة وصناعة شعارات، بعد أن صارت مُعَرَّضَةً اليوم لكُلِّ أنواعِ الانتقادات، بل وتَتَّخِذُها السلطة ذريعةً لشَيْطَنَة الحراك، وصدور 70 كتابًا فقط عن الحراك غير كاف، ودليل تقاعُسٍ فكري. المثقف لم يلعب دورَه الكافي في صياغة الحلول وطرح البدائل، بعد ما أُغْلَقَ الإعلام أبوابه أمام الرأي المخالف.

عثمان لحياني (كاتب صحافي ومتابع للحراك):
قِلَّةٌ من النُّخَب قرَّرَت لعب دورها الثوري
عاد الحراك بنفس جديد بسبب العوامل القديمة التي تُبَرِّرُ استمراره، فضلًا عن عامل انقسام الكتلة التي آمنت بالتغيير مع السلطة القائمة، وتراجعها عن دعمها بسبب تلاعبها من خلال الدستور، وتعاملها مع وجوه بوتفليقية، ورفضها الانفتاح السياسي والإعلامي.
الموجة الثانية من الحراك ستكون أكثر نُضْجا وتَشَدُّدًا، كَوْن السُّلطة أخذت وقتها اللازم من دون أن تقدم أي عرضٍ سياسي مقبول. من جهته، الحراك يواجه تحديات كثيرة، ومن بينها الحفاظ على السلمية، باعتبارها أمرًا مهمًا جدًا، وصياغة أرضية سياسية يمكن أن تُشَكِّل البديلَ السياسي لخريطة طريق السلطة، ومُراجعة الخطاب والشعارات أمْرٌ مُهِمٌّ جدًا أيضًا، ومِن بينِها التي تضع الحراك مع مؤسسات حيوية.

“الموجة الثانية من الحراك ستكون أكثر نُضْجا وتَشَدُّدًا، كَوْن السُّلطة أخذت وقتها اللازم من دون أن تقدم أي عرضٍ سياسي مقبول”
تحدِّي النُّخب واردٌ هو الآخر، وعلى بعضها تجاوز الجدل حول الدين والمجتمع واللغة، ولعب دوره في استرشاد الثورة السلمية، وفي صياغةِ أرضيات سياسية تسمح بالتأطير الفكري للحراك. من جهة أخرى، هناك نُخَبٌ تُعاني من حالة عصبية غريبة سَجَنَتْها داخل مُربَّعِ السُّلطة وتشتغل على تبريره. قِلَّةٌ مِن النُّخب قرَّرت أن تَلعَبَ دورها الثوري والجماهيري الذي تَفرِضُه اللحظة التاريخية والمسؤولية الثقافية.

خليفة بن قارة (إعلامي وكاتب):
لا يجب أن نفقِد الأمل في بعض نخبنا المثقفة
الحراك ليس حدثًا عابرًا في تاريخ الجزائر، وهو نتيجة تراكمات تعود إلى توقيف المسار الديمقراطي في مطلع التسعينيات على أيدي كابرانات فرنسا (جمع كابران، وهي رتبة عريف في الجيوش الرسمية، ويقصد بها بعض ضباط الصف الجزائريين الذين كانوا ضمن الجيش الفرنسي إبان الثورة التحريرية وانضموا عام 1958 إلى صفوف جيش التحرير الوطني). هذا التوقيف، فتح باب جهنم على كافة المستويات، وأعادنا إلى الوراء، وتسبَّب في أَكلِ رُبُع مليون جزائري، وفي هجرة مئات الآلاف من العقول المفكرة، وفي بروز فساد وسقوط كل القيم الأخلاقية والاجتماعية والقانونية.

“تحدِّي الحراك لم يتمثل في جائحة كورونا فحسب، بل في جوائح سياسية فرملت الشارع، وأعطت السلطة مسافة أمان كافية لإعادة توجيه رياح الحراك”
بِسقُوط العصابة، كما أصبحت تُعرف، باعتبارها رمزًا للصوصية، تحت ضربات الشعب الذي توحد كما لم يحدث من قبل، تحققت بعض المكاسب التي نادى بها الشعب. تحدِّي الحراك لم يتمثل في جائحة كورونا فحسب، بل في جوائح سياسية فرملت الشارع، وأعطت السلطة مسافة أمان كافية لإعادة توجيه رياح الحراك، لكن عودته مؤخرًا بالإصرار نفسه، وبشعار مهم في تقديري “لا إسلامي ولا علماني… العصابة ما زالت تسرق عيناني (جهرًا)”، يبشر بالخير. الشارع يُدرك أن السّلطة الحالية هي المرحلة الانتقالية التي تُريدها السلطة، وتجاوز في تقديري بعض نُخَب النظريات العقيمة، وكثيرًا من الإعلاميين والسياسيين. هذا لا يجعلُنا نَفقِد الثِّقة في النُّخَب المُثقَّفة الصادقة، وأظن أنه باستطاعتها أن تكون معالمٌ في الطريق لشعبها وللسلطة معًا، بعيدًا عن الانتهازية والإغراءات والامتيازات التي جعلت بعضهم يُفَاخِرون بقولهم: (أنا مثقف السلطة). الحراك سيترُكُ بَصمته في المرحلة القادمة لا محالة، ولو أن قَطْفَ الثِّمار لن يتمَّ بِسُرعة، والحاجة إلى الوقت والإخلاص والجهد والصبر أمرٌ حتمي، وعلى النخبة حماية الحراك من الاختطاف، أو الأدلجة، أو التمييع والتقزيم، الأمر الذي سيُحَدِّدُ مصير الجزائر المتحركة.

نصر الدين بن حديد (كاتب صحافي):
على النخبة تأصيل روح الحراك فكريًا
يُمكن اعتبار انطلاق الحراك بمثابة الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، والخامس من يوليو/ تموز 1962، ومحطات مماثلة أخرى. وعليه، فهو نَتاجُ تراكمات وتجارِب نِضالية تاريخية. من ذلك يأتي البعد الفكري شديد الأهمية حين لم ينخرط الحراك ضمن سَيرورة منازعة السلطة بالتحول إلى طرف سياسي من بين عدد من الأطراف الأخرى التي تُمسك الحكم، وتعتبره مَغْنَمًا، أو هي تنازع من يملك.

“يجب على الحراك تجاوز طابعه الفرجوي، حتى لا يصبح إدمانًا، وأن يتحول إلى حراك فكري بانخراطه ضمن الأحزاب السياسية القائمة لتغييرها من الداخل”
السلمية التي انطلق واستمر وعاد بها الحراك مؤخرًا، في بلد عاش إحدى أعنف ثورات القرن العشرين عشرية دموية، تَعبيرٌ فِكري مُتَقدم جِدًّا، بل هو قطيعة إبستمولوجية مع الفكر السياسي، سواء الحاكم، أو المعارض، الأمر الذي يتطلب تأسيس وترسيخ فكر سياسي غير الذي كان سائدًا.
انطلاقًا مما ذكرت، يجب على الحراك تجاوز طابعه الفرجوي، حتى لا يصبح إدمانًا، وأن يتحول إلى حراك فكري بانخراطه ضمن الأحزاب السياسية القائمة لتغييرها من الداخل، وتأسيس كيانات سياسية تعمل وفق عقل الحراك، وتعميم هذا الفكر على عموم الجزائريين بدرجات. ولأنه لا يُمكن للحراك أن يتحوَّل إلى فاعلٍ سياسي بالمعنى المباشر للكلمة ـ باعتباره مُجرّد وِعاء يُحَدِّدُ الفاصل بين ما وجب المطالبة به مقابل ما وَجَب تَرْكُه ـ فإن على النخبة الثقافية والفكرية أن تَتَكَفَّلَ بتأصيل روح ومَرامِي الحراك. عجز الحراك حتى الآن عن التَّحول إلى تيارٍ فكري، وعن تجاوز بُعْدَه الفَردي، وإلى رافدٍ ثقافي للفاعل الأيديولوجي أُسوة بما يجري في أوروبا، تَرَكَه أسيرَ التوصيف والتباهي، مما جَعل الخروج إلى الشارع يَنفَصِلُ عن روح الحراك، ويتحول إلى طقس مطلوبٌ لِذاتِه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This