رحلةٌ إلى البصرة

استيقظتِ المرأة على صوتِ ريحٍ عنيفة تطرقُ الأبواب والنوافذ ورعد يضيءُ السماء. ارتجف قلبها كشجرة ٍمحملة ٍبالثمار ومن الخوف، سقطت أطرافها فزعاً، فلم تعد تميز بين يديها وقدميها وشهقتْ: يا الله.!. التجربة في الحلم، ليست كالتجربة في الواقع

أن تنهضَ من الكوابيس، يعني إّنك تحملُ ثقلاً يُضني كاهلك، فالأحلام هي رجعُ الذات المظلمة إلى الضوء. هكذا حدثتِ المرأةُ نفسَها، كانت تفهم ُ ذاتها وتدركُ تلك الأسرار التي تحملها لذلك كان عليها أن تذهب في رحلة الكشف إلى البصرة.

جسدها وعقلها، في سرٍّ يضيئان، واحدٌ يتوهج وآخر يخبو ويضيء.

مرتْ بأرضٍ غليظةٍ وبأرضٍ لينّة، ترشفُ الماءَ وتحيّرها الأسئلة.

في رحلةٍ كانت بين الصّحو والنوم وجدت المرأة نفسها على قبر رابعة العدوية، ونادتها: يا رابعة، من بلاد الشام جئتُ إلى زيارتك.

فردت عليها رابعةُ: عودي من حيث جئت يا امرأة .!

ضحكتِ المرأة بصوت عالٍ، ونظرت حولها، لا أحدٌ سوى قبرٌ وامرأتان بين الظلمة والنور.

.. نادتها المرأةُ ثانيةً: يا رابعة، يا رابعة..يا رابعة

فردت عليها رابعة: اتركيني في خلوتي يا امرأة.!لا حديث بيننا .

قالت لها المرأةُ: يا رابعة جئتُ إليك من بلدٍ بعيد ٍ، أحمل جسدي، فيه مغارة كبيرة من الشهوات، وفي عقلي بئرٌ من أسئلة، فهل لنا من حوار بيننا يضيء يا رابعة.؟

انقطع الصوت في أعماق الظلمة فلا رابعة أجابت المرأة، ولا صوتها أتى من أية جهة. لا شيء سوى ماءٌ يلمعُ من بعيدٍ تحت سماء امتلأت بالنجوم.

المرأة عطشى والماءُ بعيدٌ، فما ارتوت من أّيّ مكانٍ شربتْ منه.

وعندما لم يأتْ صوتٌ من رابعة، نادتهها المرأة قائلةً

يا رابعة، كيف، وصلت إلى الله؟

فردتْ : من أنت يا امراة ؟ هل أرسلك الشيطان؟

فأجابت المرأة، لا،  لا،  نحن في خلوة الصمت المهيب يا رابعة،   حيث كل واحدةٍ منا تحمل ضوءًا وظلمة.

حدثيني عن جسدكِ يا رابعة:  كيف هو في الضوء؟

وكيف هو في الظلمة.؟

ألست أنت القائلة: “أقول الصدق لأني أحبه، لا أخاف النار ولا أطمع في الجنة”

فردت رابعة: نعم، نعم،أنا من قالت هذا .!

قالت المرأة:

إذا حدثيني عن الجسد يا رابعة، كيف عبرتِ نهر الرغبات؟  كيف نجوتِ من عقرب الحب، وهيام الرغبة؟ كيف نجوتِ من عناق الحبيب، ومن طيران الجسد، أليس الجسد مثل الطائر وفي عناقه محبوبه يطير؟

كيف كانت الرغبة في صناديق جسدك؟

كيف عبرت إلى الخلوة دون أن تحرّريها ؟

وفي أعماق الظلمة سمعتِ المرأة نحيباً عميقا آثار  قلقها وخوفها من أن تكون قد ارتكبت جرمًا بحقِ رابعة.

وظهر ضوء ٌمن أعماق السماء، كان نجماً ساطعاً قد سقط من السماء ونادى في العراء المهيب: يا رابعة، أنا نجمُ الرغبات ، سطعتُ في جسدكِ  وكنتُ أنيرُ ما تغطيه الظلمات.

واهتز القبر من النواح وجاء صوت رابعة: أيها النجمُ المنير كم سطعتَ في جسدي لكنني لا أدري كيف تهتُ بغفلة، ظّل فيها شيء مني ناقصٌ لا ينير ُ.!

عند سماع هذا الكلام ارتاحت ِالمرأةُ وشعرتْ بنعاس شديدٍ وتمددتْ على قبرِ رابعة وأخذتا، تنشدان معا ًقولاً أعادتا صياغته معاً:

“إن الزهد في الدنيا ليس راحة ًللقلب والبدن، وكل جسدٍ لا يحققُ رغبته لا يعرف إلا الهمَ والكدر”

ونادت رابعةُ، المرأةَ، من أعماق الظلمة، يا امرأة: “والله من ذاقَ عَرِف” والله  ما حملتُ معي: إلا حيرةً تُوقفُ الجبان عن الإظهار”. عودي إلى ديارك، فقد نلتِ مني ما لم ينله أحد. اتركيني هنا في  القبر، وأنت أنشدي في الطريق أشعاري، لعل الحمام من جسدي يطير، فقد صارت رغباتي فانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This