أصوات صارخة وغير مسموعة

 إلى الإنسانيّة الطّازجة والمغمّسة بالنّور.

إلى اليوم الّذي يغدو به الحلم حقيقة.

إلى الحبّ والضّوء والسّاقية الّتي تسكب ماءً سلسبيلاً يغسل أرواحنا ونفوسنا باستمرار.

………………………………….

في واقعٍ رقميٍّ لا مكان فيه لمتعة ثقافة ماركيوز* ثنائيّة البعد، يستيقظ حمدي ليفتح هاتفه المحمول ويحاول تقصّي أحوال الطّقس خارجاً دون أن ترى عيناه الضّوء، فيعلم بأنّ الجوَّ غائمٌ جزئيّاً، فيبدأ بالتّساؤل: عندما تأتي السّاعة الّتي حلمت بها في سرّك، كيف ستكون؟ ما هو ذاك الشّعور الّذي سينتابك؟ يفكّر حمدي باستمرار؛ حيث لا تني الأسئلة الوجوديّة تقرع ذهنه ولا تتركه سالماً دون أن تعبث به، فحمدي هو ذاك الشّابّ الّذي ولد في مكان يعجّ بالتّناقضات، وهو يحاول ألّا يبتلعه النّهر، ألّا يشرب من نهر الجنون بتاتاً، ألّا ينجرف معه على الإطلاق، فيختار الانسحاب حلّاً.

يتذكّر حمدي أنّ الانسحاب يزيد من الاغتراب، وأنّ النّفس الإنسانيّة المغتربة أمامها ثلاثة بدائل حتميّة: إمّا الانسحاب أو التّغيير لكلّ مّا هو سائد أو القبول والإذعان علناً والرّفض ضمناً لواقعٍ جارفٍ لا يستطيع أحدٌ أن يهرب منه…. أصمتي أيّها الفلسفات اللّعينة الّتي لا عمل لكِ إلّا تجريف تلافيف الدّماغ… يصيح بعصبيّةٍ غير مألوفة ثمّ يفكّر فجأةً بالانتحار، فهذه الفكرة لا تني تستمرّ في نخر رأسه، لكنّه لا يستطيع تفسير هذا الارتباط السّاذج بالحياة وعدم قدرته على القيام بهكذا فعل، فيحاول أن يهزأ من وجوده ومن كلّ من حوله ثمّ يأخذ وضعيّة المعتدل ليعدّل من موقفه، فالمثقّف الموضوعيّ لا يجب عليه أبداً أن يتسرّع في إطلاق الأحكام، المثقّف الموضوعيّ لا يعمّم أبداً…. المثقّف الموضوعيّ…. كلمة مضحكة حقّاً.. مثقّف في مكان لا ثقافة فيه! يطلق قهقهة خفيفة وشامتة متهكّماً كعادته.

آمان لهذه العبارات الرّعناء الّتي تثبّت الواقع، ولا تغيّر شيئاً.

لم يستطع حمدي أن يرى أمام عينيه إلا التّعميم.. الجميع نسخ.. نسخٌ جميلةٌ ودودةٌ وشريرةٌ تلبس أقنعة الإنسانيّة والخير والحبّ، لكنّها تنزعها بعد انتهاء المسرحيّة؛ شكراً إرفنغ غوفمان*.. نحن ممثّلون بارعون على خشبة المسرح –الحياة، لكنّ التّمثيل في جوهره ليس شيئاً سيّئاً على الإطلاق؛ فهو محاكاة للواقع إلّا أنّه عندما يُستحال التّمثيل ركناً مفصليّاً من مفاصل الحياة برمّتها ويغدو النّفاق سيّد الموقف يُصبِح التّمثيل عندها إثماً وخطيئةً.

عذراً أيّها السّادة، فحمدي تلك الشّخصيّة الفنتازيّة الحالمة بواقعٍ أفضل، شخصيّةٌ تبلع الحياة يوميّاً وتتقيّأها على هيئة قاذورات لا مناص منها، إنّه إنسان عاديّ توفيقيّ يتقبّل الشّقاءات والكوارث برواقيّة بقرةٍ تحت المطر؛ كإنسان ويلسون* تماماً، تراه تارةً كميرسولت* وتارةً كسيزيف* وتارةً أخرى كسامسا* الحشرة القذرة الّتي تكنسها الأسرة في نهاية المطاف… لكنّ الغريب في الأمر أنّه لا يزال حالماً.

يفتح حمدي عينيه في كلّ صباح حتّى يرى، فيمنعه ضباب الواقع من الرّؤية ليمشي ببلادة علقةٍ لا تكترث لأيّ شيء… علقةٍ تمضغ الواقع وتقهقه ضاحكةً على مهازله، لكنّها علقةٌ تحمل صراخاً مكتوماً لا يستطيع أحد سماعه. حمدي العلقة… وهي هو، في معادلةٍ لا تترك أحدهما بمعزلٍ عن الآخر… ربّما لا يمكن أن ينفصل الإنسان عن أخوته من الكائنات الأخرى، وربّما هذا التّعالي الإنسانيّ عن غيره من الكائنات هو هراء لا طائل منه.

لقد مضى عامين على البعد، فحمدي لم يعد لديه أيّ أصدقاء.. كان هائجاً كنهرٍ متدفّقٍ في زمن الخير.. منطلقاً للحياة، محبّاً، حالماً، عابثاً، مغامراً، يفتح جناحيه ليضمّ الوجود برمّته، إلّا أنّ الحياة لن تسمح له بأنّ يكمل القصّة بأكملها، لن تسمح له بالاستمرار بعد، فتقصّ أجنحته وتشذّبها، وينزع الأصدقاء –بدورهم- أقنعتهم/ن ويبرزون وجوههم/ن الحقيقيّة ويصفعون وجه حمدي الصّافي الّذي لا أقنعة له… يصفعونه بكلّ ما أوتوا من قوّة وخباثةٍ.. فيبقى حمدي وحيداً كنهرٍ جفّت به الحياة، وتبتر أطرافه.. ويتقلّص كلُّ شيء. وعندها يتحوّل الجموح إلى إذعان، والهيجان إلى انصياع، ويُلجَم حمدي ويُختزَل ليبقى في غرفته المنكبّة في إحدى حارات بيوت الصّفيح، حيث لا يُسمَع هناك إلّا صياحُ الفقراء وصرخاتهم الّتي تخترق مسامات جسده وتفتّته.

هكذا هو الحال، فكلّ الأشياء تنبري وتُشذَّب: الأحلام، الصّبوات، الواقع، الرّؤى، الطّموحات، الجنوح… ويبقى حمدي قابعاً في زاوية الغرفة هناك، حيث لا صوت ولا رائحة ولا طعم، عندها يصبح الكلام سِكيناً جارحاً وناخراً لكياننا الوجوديّ، ويصبح الصّمت بديلاً لا مفرّ منه، فلم يعد في الإمكان قول أيّ شيء، فكلّ ما يجب أن يُقال قد قيل…

تحضن يدّي حمدي بعضها البعض لتختبرا وحدته الكاوية والجوفاء، ولتتحسّسا مرارة المضي قدماً دون أحد، فيبدأ بالدّبول والأفول… فاسمه الّذي كان، لم يعد كما هو من قبل، فهو الآن مجرّد فراغٍ وجوديّ غير موجود، مجرّد كائن يعيش بلا صوت أو حراك.. يمشي على مهل حتّى لا يُسمَع دبيب مشيته خشيةَ الضّجيج… لا صوت لحمدي، لا وقت، لا كلام.. لا زمان له ولا مكان..

يقهقه حمدي ضحكاً على مهازل العالم، يفتح فاهه ويتلوّى كأفعوان، كشخص يضحك على الوجود، كشخص فاقدٍ لعقله أو كشبه إنسان ربّما… آمان لحمدي الشّابّ… آمان للقفزات.. للسّير اللّيليّ.. آمان لأضواء المدينة اللّيليّة.. لرقصة زوربا والسّعادة الغامرة، لبيت دانا الحرّ، لحائطها الحرّ، للوحاتها المفعمة بالانعتاق… آمان للفنّ والفنّانين… وكم من آمان!

لا مناص، فالزّمن لا يعطينا كلّ ما نريد، ولن يسمح لنا دائماً بأنّ نكمل كلّ شيء، فدانا غادرت بنصف قلب وحياة مكتملة، وشبّان المقاهي والحانات لم يعودوا قادرين على الشّرب أكثر ممّا مضى، والشّارع الأثريّ لم يعد كذلك، والحديقة الّتي تجمع تنوّعات الصبية المتمرّدين ذوي العيون البرّاقة اللّامعة والحالمة بعالم أفضل لم تعد على حالها… إنّ أحلامهم بِيَدٍّ طريّة تضمّ قلوبهم الحائرة وأحلامهم المبعثرة وبزمانٍ أفضل أصبح شيئاً من الماضي.

لا صوت للواقع إلّا صوت الجشع والبؤس، لا مكان لحمدي ولهيبيي* العصر.. فالواقع يبتلع الأحلام والصّبوات والرّؤى.. الواقع صخرةٌ جارفة، صخرةٌ بائسة مضحكة لا أهمّيّة لها على الإطلاق، ولا جدوى لها إلّا قتل أحلام الصّبية… الواقع أمٌ جافية ورحمٌ قاسي يغرز سكاكينه في أحشاء الأحلام ويبقر بطون الحالمين… لا وقت للواقع، ولا منطق… لا لون له ولا عمل…. الواقع؛ ما أحقر هذه الكلمة!

في نهاية المطاف لا يمكن القول إلّا أنّ الواقع يبقى واقعاً وتبقى رياحه الخشنة تهبّ على وجه حمدي العدميّ في كلّ صباح، لكنّه يبقى متعجّباً من قدرته على الاستمرار والمضي قدماً، آملاً بيومٍ ما، تدرُّ فيه السّاقية ماءً سلسبيلاً لا ينضب، فهل هي الأيّام تحمل في طيّاتها شيئاً سوى الشّفاء؟ هل يتغيّر الواقع؟ هل تتحقّق الأحلام؟ هل يأتي ذاك اليوم الّذي يضمّد جراحنا؟ وهل لهذه الأسئلة البديهيّة- المعضليّة من إجابات؟

………………………………..

  • هربرت ماركيوز Herbert Marcuse: فيلسوف وعالم اجتماع ألمانيّ، من روّاد مدرسة فرانكفورت.
  • إرفنغ غوفمان :Erving Goffmanعالم اجتماع كنديّ، يشتهر بنظريّة التّمثيل المسرحيّ في علم الاجتماع.
  • كولن ويلسون :Colin Wilson كاتب إنجليزيّ، له مجموعة كبيرة من الكتب والرّوايات، من أشهرها كتاب اللّامنتمي.
  • ميرسولت :Meursault الشّخصيّة الرّئيسة في رواية الغريب لألبير كامي.
  • سيزيف Sisyphus: إحدى شخصيّات المثيولوجيا الإغريقيّة.
  • غريفور سامسا Gregor Samsa: الشّخصيّة الرّئيسة في رواية المسخ لفرانز كافكا.
  • هيبيي: أيّ الهيبيّين، من الهيبية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This