عبد العزيز المقالح.. صوت الحداثة في توثبه / صدام الزيدي

بعيدًا عن سرد ما أنجزه الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح (1937)، من الكتب والإصدارات الأدبية والنقدية، وسواها، منذ ديوانه الأول “لا بد من صنعاء”، مرورًا بـ”عودة وضاح اليمن”، و”أبجدية الروح”، و”الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة”، وغيرها، وبعيدًا، أيضًا، عن الشائعات التي تعرض لها بشكل لافت في الآونة الأخيرة، سواء شائعات تفيد بموته، وأخرى تنسب إليه قصائد هو بريء منها، نحتفي هنا بقصيدة المقالح وحضوره في مشهد الثقافة والإبداع العربي كواحد من رموزه ونجومه الكبار، عبر مداخلات خاصة لنقاد يمنيين وعرب.

انفتاح على كل الأجناس
الناقدة العراقية وجدان الصائغ، الأستاذة في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة ميشيغان الأميركية

تنوه الأستاذة في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة ميشيغان الأميركية، الناقدة العراقية وجدان الصائغ، التي عملت أستاذةً في جامعة ذمار اليمنية (2000 ـ 2009)، أن من يتصفح منجز المقالح النقدي والشعري الضخم، سيجد بسهولة عدم انتمائه إلى مدرسة شعرية بعينها، وانفتاحه على كل الأجناس الأدبية، وعلى كل أشكال القصيدة، بضمنها قصيدة النثر، وسيلمح قدرته على أن يتحرك بين الأجيال الشعرية بسلاسة، ودوره الفاعل في التقريب بينها، إذ طالما كانت الإبداعات الشبابية مزينة بتقديماته، مثلما لم تخلُ دراساته من تركيز واع على جيل الريادة الإبداعية اليمني خصوصًا، والعربي عمومًا.

“الصائغ: علاقتي بالمقالح توطدت أكثر خلال إقامتي اليمانية التي قاربت العقد من السنوات: “حظيت، كما حظي غيري من المقيمين العرب، برعاية المقالح الأبويّة والإنسانية””
وتذهب الصائغ إلى القول إن من يتجول في فراديس المقالح الشعرية المترعة بالدهشة فإنه سيكون أمام سجلٍ للصور المتحركة الضاجة بالحياة، فتارة أنت في حضرة الأصدقاء والشخصيات التي لعبت دورًا مهمًا في المشهد الإبداعي العربي والإنساني، فضلًا عن دورها في حياة المقالح في ديوانه (كتاب الأصدقاء، 2002)، وتارة أنت داخل تفاصيل سيرته وطفولته المكبلة بالفاقة، والمظللة بأفياء الأشجار، وحنو الأم، التي تتداخل ملامحها مع ملامح القرية في ديوانه (كتاب القرية، 2000)، وتارة أنت أمام صنعاء، بزهوها وألقها وشوارعها المستلة من عمق التاريخ في ديوانه (كتاب صنعاء، 1999)، وتارة أنت أمام المدن التي جاستها مخيلته في ديوانه (كتاب المدن، 2005)، ولا تعدم اشتغالًا واعيًا على القناع الشعري الذي يتحرك من عمق الذاكرة العربية الجمعية، ليعكس فجيعة الحاضر، ويتنبأ بالمستقبل، كما في دواوينه (رسالة إلى سيف بن ذي يزن، 1973)، و(هوامش يمانية على تغريبة ابن زريق البغدادي، 1974)، و(عودة وضاح اليمن، 1976)، و(الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل، 1978).
وفي حديثها لـ”ضفة ثالثة”، عدّت الصائغ فترة عملها في اليمن، ولقاءاتها المتكررة بالمقالح، رئيس جامعة صنعاء يومئذ، ونقاشاتها معه حول قضايا الشعر والأدب والنقد، نقطة فارقة في مسيرتها النقدية، وذكريات مضمخة ببخور صنعاء: “لم تكن معرفتي بالشاعر تمر مر الخاطر، بل كانت باستمرار مضمخة ببخور صنعاء ونوافذها الملونة المطلة على شوارعها المعجونة بالتاريخ… ونقطة فارقة في مسيرتي النقدية”.
وتضيف: لم يكن لقائي بالمقالح عابرًا.. فقد كان يومًا بهيًا، إذ التقيته أول مرة في مكتبته الأثيرة، مكتبة مركز الدراسات اليمنية، بعد أن أوصلني إليه أحد موظفي المركز. كنت أسمع عنه كثيرًا.. عن شهامته في مساندة الأساتذة العراقيين الذين تناهبتهم الأمكنة، ووقفت في وجههم تأشيرات الحدود، فلاذوا باليمن وبأهلها… مرت ببالي كل تلك الأفكار وأنا أعبر الدهليز المؤدي إلى مكان المكتبة المتكور على نفسه في إحدى زوايا المركز القصية… دفع الموظف الباب لندلف معًا في اتجاه زاوية من زوايا المكتبة المزدحمة برائحة الكتب، وأعدادها الضخمة التي تربعت على الأرفف وهو يدمدم: جئتِ في وقت الكتابة، مضيفًا: “هذا هو وقت الدكتور للكتابة، لكنه قال لي بأنه ينتظرك”.
وعلى الصعيد الشخصي، تقول الصائغ إن علاقتها بالدكتور المقالح توطدت أكثر خلال إقامتها اليمانية التي قاربت العقد من السنوات: “حظيت، كما حظي غيري من المقيمين العرب، برعاية المقالح الأبويّة والإنسانية”.
وتنوه الصائغ أن علاقة المقالح الإنسانية بمن حوله لم تكن أقلّ من علاقته الإبداعية بالمشهد الإبداعي اليمني خصوصًا، والعربي عمومًا… وهنا تقول: لا أدري لماذا تتدافع الكلمات حين أريد أن أكتب وصفًا لهذا الإنسان الشاعر؟… لماذا أجدني أعجز عن تسطيرها وتصفيفها؟… إذا قلت إنني لم أجد من يجهله، أو من لا يعرفه، في اليمن السعيد، من شماله إلى جنوبه، صغارًا وكبارًا، قبل شيوع وسائل التواصل الاجتماعي، فلن أفيه حقه… وكذا إذا قلت إنه الأب الروحي للشعراء اليمانيين، فإني لن أسقط رعايته الأبوية لكل المبدعين العرب الذين تزاحموا على بابه حين كان رئيسًا لجامعة صنعاء، فشملهم برعايته الأبويّة تارةً، وبتقديماته الأنيقة لمطبوعاتهم الجديدة… وإذا قلت إنه رأس حركة إبداعية أنزلت الشعر من قمقمه العاجي فبدا سلسًا سهلًا رقراقًا، حين ناقش بجرأة، جراحات الإنسان اليمني، ولمس عن كثب معاناته، وقارع الظلم والتجبّر، فحفظ قصائده الشباب اليمانيّ عن ظهر قلب… وإذا قلت إنه جعل من صنعاء قبلة للشعر والإبداع بأنشطته التي احتفت بالأسماء العربية، مثل أدونيس، وليلى العثمان، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وكمال أبو ديب، وصلاح فضل، وغيرهم، فضلًا عن الأسماء العالمية، مثل الروائي غونتر غراس.

صوت حداثيّ في توثباته
الناقد والأكاديمي اليمني عبد الحميد الحسامي

يشير الناقد والأكاديمي اليمني، عبدالحميد الحسامي، إلى ارتباط اسم المقالح بحركة الحداثة الشعرية، وارتباطها به كذلك، منوهًا أنه تمكن من تجديد قصيدته باستمرار في شكلها ومضمونها.

“القصيدة لدى المقالح ظلت في حالة إصغاء متمثلة لهذين الصوتين، الصوت النقدي، والصوت الإبداعي: “ومن خلال متابعة تجربة المقالح الشعرية في دواوينه المختلفة، نجد هذا الارتباط، حتى لتغدو قصيدته ترجمة أمينة لصوت الحداثة في بعديه: النقدي، والإبداعي””
ويوضح الحسامي أن موهبة المقالح كانت تشكلت في فضاء القصيدة الإحيائية بمزاجها، وتقنياتها، “بيد أن انفتاحه على التجربة الشعرية الجديدة، بحكم دراسته في مصر، وتمكنه من متابعة الجديد والمتجدد في الحقل النقدي المتصل بتجديد القصيدة، واطلاعه على التجربة الشعرية الحديثة، لدى جيل الرواد، كل ذلك مكنه من الاتصال بحركة الحداثة التي استدرجته إلى عوالمها”. وهنا يشير الحسامي إلى أن القصيدة لدى المقالح ظلت في حالة إصغاء متمثلة لهذين الصوتين، الصوت النقدي، والصوت الإبداعي: “ومن خلال متابعة تجربة المقالح الشعرية في دواوينه المختلفة، نجد هذا الارتباط، حتى لتغدو قصيدته ترجمة أمينة لصوت الحداثة في بعديه: النقدي، والإبداعي”.
ويقول الحسامي في هذا الصدد إننا، في قصيدة المقالح، نسمع السياب، وأمل دنقل، وصلاح عبدالصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي، إبداعيًا، وفي قصيدته نسمع الثابت والمتحول لأدونيس، ونسمع أيضًا (الكتاب) ودواوينه الأخرى، “لكن المقالح وهو يصغي، يعمل على تمثل التجربة بوعي، فـ(يُيَمْنِنَهَا)، ويجعلها تنطق بصوت اليمن، تاريخًا، وواقعًا، ومستقبلًا، وتظل تجربة في جوهرها مقدودة من الصوت الحداثي في توثباته، وفي قلقه الذي لا ينطفئ”.
تحت ضغط الصوت الحداثي العربي، والأدونيسي منه بوجه خاص، كانت تجربة المقالح تمارس تحولاتها، وتنسج عوالمها، تغادر (الثابت)، وتعانق (المتحول)، ولم يغب عنها كل مظهر للتحول من المظاهر التي تعينت في كتاب أدونيس، ولا غابت عنها عناوين أدونيس، فـ(الكتاب) الأدونيسي تمظهر في عدد من الكتب لدى المقالح: (كتاب القرية)، و(كتاب المدينة)، و(كتاب الأصدقاء)، و(كتاب صنعاء)، والمتحول الصوفي فرض حضوره في قصيدة المقالح (أبجدية الروح)… وهذا يدل دلالة واضحة على أنه أخلص لتجربة الحداثة الشعرية، وتمكن من تمثلها بشكل لافت للنظر، فهل حقق ذلك ارتقاء لقصيدته؟ أو أن ذلك الإصغاء أدى إلى ترويض التجربة، وكبح جماح انطلاقها التلقائي؟ يتساءل الحسامي معتقدًا أن الأمرين جائزان، فحركة الحداثة قدمت للتجربة الشعرية عمومًا، في رؤاها وتقنياتها، في المنجز النقدي والإبداعي الشيء الكثير، وفي الوقت نفسه فإن تمثل التجربة الحداثية للمقالح، ونزوعه الدائم نحو التجريب في شكل القصيدة (من الشكل الخليلي، فالتفعيلة، فقصيدة النثر)، وفي رؤاها (من الوطني إلى الإنساني، ومن الصوت الجهير المقاوم، إلى الصوت التأملي الروحي، برسيسه، ومناجاته)، كل ذلك قد جعلنا نقف على فضاء متعدد، في التشكيل، والرؤيا.
ومستطردًا، يرى الحسامي أنه إذا نظرنا إلى شتلة أخرى من شتلات التحديث في القصيدة لدى المقالح، فإننا يمكن أن نتلمسها في رؤاه النقدية المبثوثة في كتبه النقدية، بدءًا من رسالة الماجستير (الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن)، ومرورًا بأطروحة الدكتوراه (شعر العامية في اليمن)، وسياحة في مؤلفاته النقدية (الشعر بين الرؤيا والتشكيل)، و(قراءة في أدب اليمن المعاصر)، و(أصوات من الزمن الجديد)، و(أزمة القصيدة الجديدة)…إلخ. نجد المقالح مسكونًا بحركة التحديث، وطامحًا إلى الانتقال بالقصيدة إلى فضاءات الحداثة، والحداثة بشكلها الأدونيسي، على وجه الخصوص، وهذه الشتلة المتمثلة بجهوده النقدية تتصالب ومسألة تمثله لحركة الحداثة العربية إبداعيًا، وحركة الحداثة العربية نقديًا.
ويمكن القول إن هناك مظهرًا آخر لحفاوة المقالح بالحركة التحديثية للقصيدة يتجلى في استقطاب رموز الحداثة من النقاد للعمل في جامعة صنعاء، أثناء رئاسته الممتدة لها، وهذا من شأنه (وفقًا للحسامي) أن يحفر في الوعي المحلي الرؤيةَ الحداثية للشعر، من ناحية، ومن احتكاك هؤلاء بالقصيدة اليمنية، والمشهد الشعري في اليمن، فكتبوا عن تجربة المقالح، وعن الشعر المعاصر في اليمن، وحاولوا إبراز التجارب الجديدة. فضلًا عن المؤتمرات والندوات والمجالس النقدية، ومنها (مجلس الثلاثاء)، التي تخصصت لهذه القضية، وكل ذلك من شأنه أن يفرض حضورًا لرمزية المقالح في المسار الحداثي بشكل أو بآخر، فضلًا عن استقطاب الجيل الجديد من الشعراء لحركة الحداثة.
وينوه الناقد الحسامي أن المقالح، في امتداد مسيرته، قدم التجارب الشبابية على اختلاف مساراتها: “كانت كتاباته التصديرية لتلك التجارب مفعمة بروح التشجيع، والتنوير، والأخذ بأيدي شداة القصيدة إلى فضاء الإبداع، بغض النظر عن المستوى الإبداعي للتجربة التي يقدمها، فالبعد الإنساني، ورمزية الأبوة الإبداعية، وبحكم موقعه، كل ذلك يفرض عليه شيئًا من (التنازل عن المعيار) في تقديم تلك التجارب”.
وختم الحسامي حديثه بالقول إنه كان ممكنًا للمقالح أن يتسلق المجد من بوابة السياسة، وكان قادرًا على حيازة المال، “لكنه ترك ذلك كله، واختار القصيدة، والقصيدة وحدها مبرأة من كل شيء، إلا من الحب، والنقاء، لتكون القصيدة مسكنه، وسياسته، ورأس ماله”.

“إلى النهر”
الناقد والأكاديمي اليمني قائد غيلان العلوي

“المقالح هرم من أهرامات اليمن، هكذا قال لي أحد أساتذتي في لجنة مناقشة أطروحتي للدكتوراه”- يقول قائد غيلان العلوي (ناقد وأكاديمي يمني). ويتذكر: “وأنا طالب في كلية الآداب، احتضنت القاعة التي بجانب قاعة الزعيم عبدالناصر معرضًا للوحات الفنية، كانت إحداها (بورتريه) لوجه الشاعر المقالح، مكتوبًا عليها في الركن: (إلى النهر)، ومن يومها لا أرى وصفًا أجمل له من وصف النهر”.

“المقالح هاجم القصيدة العمودية بشدّة، واعتبر من يكتب القصيدة التقليدية كمن يسبح في بركة عمرها أربعة عشر قرنًا لم يتغير ماؤها”
ويضيف: عُرِف المقالح كواحد من أهم الشعراء المعاصرين، وواحد من النقاد العرب اللامعين، كتب القصيدة المعاصرة ودافع عنها، ويعد كتابُه “أزمة القصيدة العربية.. مشروع تساؤل” من أهم المراجع النظرية لقصيدة الحداثة، أو القصيدة الأجد، حسب تعبيره.
واستطرد العلوي قائلًا إن المقالح هاجم القصيدة العمودية بشدّة، واعتبر من يكتب القصيدة التقليدية كمن يسبح في بركة عمرها أربعة عشر قرنًا لم يتغير ماؤها، أي أن شاعر القصيدة العمودية كأنما يسبح في مستنقع. غير أن العلوي يستدرك في هذا الصدد بقوله إن من يعرف ظروف القصيدة العربية في فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات يعرف لماذا صبّ المقالح كل ذلك الهجوم، فقد كانت القصائد كلها متشابهة، ليس فيها إبداع، ولا تأتي بجديد، تخوض في الموضوعات نفسها، وتستخدم المفردات والصور والأساليب ذاتها.
لكن موقفه تغيّر في السنوات العشر الأخيرة، يتابع العلوي، بعد مجيء جيل من الشعراء اليمنيين الجدد الذين استطاعوا أن يجددوا من داخل القصيدة العمودية، فاعترف بإبداعهم ضمنا وتصريحا، وهو تراجع نعدُّه تراجعا إيجابيا لصالح الشعر ولصالح الإبداع، لأن الإبداع لا يتحدد بشكل القصيدة بل بما يودعه فيها الشاعر من روح جديدة ومن طرح مغاير للمألوف، إنه الجنون النبيل، فالشاعر مجنون نبيل حسب تعبير المقالح: (وإذا كان الشاعر هو المجنون النبيل فإن الشعر هو الجنون النبيل أيضًا، فهو يطلق الإنسانية من أسر سياقها المنطقي المألوف، ويحاول أن يسعى بها لتستنشق الهواء النقي بعيدًا عن كل ما تواضع عليه الآخرون).
غير بعيد، يأسف غيلان لما يقول عنه بأن “الباحث يتفاجأ وهو يقترب من عالم المقالح بندرة المعلومات عنه وشحة المصادر”، وهي حقيقة صادمة؛ ذلك أن الشائع أن كتاباته قد استحوذت على جل اهتمام الباحثين والنقاد. “والمؤسف أن كل ما كتب عنه ما زال مُفرّقا يحتاج إلى جهود توثيقية تصنف تلك الكتابات وتجمعها في مكان واحد، أو على الأقل توفر قاعدة بيانات لتراث الشاعر والناقد والمفكر الكبير”.

***

يشكو المقالح من انزلاق غضروفي في عموده الفقري، أقعده أخيرًا، وبسبب ذلك، ولتشظيات كثيرة تحفرها الحرب في الروح اليمانية، لم يعد المنتدى الأسبوعي، الذي ينعقد نهار كل ثلاثاء، ينتظم في ديوان المقالح، الشاعر الذي يأبى اليمنيون حينما يتحدثون عنه إلا الإشارة إليه بوصفه: “شاعر اليمن الكبير”. إنه نجمة وحيدة تضيء في الأرجاء، وقصيدة أحزان البلاد المحاصرة بالحرب من كل حدب وصوب.

أنا والمقالح
* “أهداني الشاعر صدام الزيدي ديوانه الأول (صوب نخّالة المطر)، وأثار إعجابي ما يتمتع به الشاعر من قدرات في التقاط مفردات الطبيعة في صورة شعرية بالغة الرهافة”. بهذه الكلمات استهل المقالح انطباعه عن باكورتي الشعرية، الصادرة في أواخر 2010، ضمن فقرة اعتاد تخصيصها متبوعةً بمقاله الأسبوعي “يوميات الثلاثاء” على الصفحة الأخيرة من صحيفة “الثورة” الحكومية الصادرة في صنعاء.

* في عام 2018، حملت إلى المقالح أسئلة لحوار صحافي، ثم عدت ثانية بعد أسابيع، لأتفاجأ بأن أسئلتي ضاعت منه. صباح اليوم الثاني، تركت الأسئلة لدى سكرتيرته في مركز الدراسات والبحوث، كما طلب مني، لتأخذني رحلة غياب طويلة في المحويت، حيث أقيم (111 كم شمال غربي صنعاء).

* يوم الثلاثاء 19 يناير/ كانون الثاني 2021، كنت (وحيدًا) في ديوان المقالح، في منزله في قلب مدينة مشغولة بغنائيات الحرب ومناحاتها. حتى ما قبل الخامسة عصرًا، كان يحيى الحمادي ما زال في الطريق، ثم وصل، ليأتي علي طاهر (أحد مرتادي المنتدى)، ثم متأخرًا وصل زين العابدين الضبيبي. كان شغلي الشاغل الحوار، وهل أجاب الدكتور على أسئلتي؟ تركت العدد 102 من مجلة نزوى، (وفيه ملف اليمن) فوق الثلاجة في الحجرة التي تتوسط الديوان، وممر الدرج الذي يفضي إلى فناء البيت، ثم غادرت رفقة زين على متن سيارته. وقبل ذلك، التقطت أكثر من “سيلفي” في منتدى لطالما امتلأ كل ثلاثاء في ما مضى. أمانتي الصحافية منعتني من التقاط صورة (من دون إذن مسبق من أصحابها) لمحتوى دولاب خشبي بزاوية الديوان تُعرض فيه أهم شهادات وجوائز الدكتور المقالح، من بينها أيقونة (آخر جائزة ذهبت إليه طوعًا) جائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري، التي منحها اتحاد كتاب مصر للمقالح (2019) تتويجًا لمسيرته الشعرية المضيئة، مناصفةً مع أحمد عبدالمعطي حجازي. جدار كان يفصلنا عن المقالح، ولضرورات من بينها احترازات في ظروف كورونا، لم أتمكن من لقائه والسلام عليه، لكننا غنينا من سماعة بلوتوث موصولة بموبايل الحمادي: “يا غائبًا لا يغيبُ” لميادة الحناوي، و”سلّم لي عليه” للسيدة فيروز.

“يشكو المقالح من انزلاق غضروفي في عموده الفقري، أقعده أخيرًا، وبسبب ذلك، ولتشظيات كثيرة تحفرها الحرب في الروح اليمانية، لم يعد المنتدى الأسبوعي، الذي ينعقد نهار كل ثلاثاء، ينتظم في ديوان المقالح”
قليلة هي زياراتي للدكتور المقالح، ولقاءاتي به: لا تزيد على 15 لقاء على الأرجح، حين أزوره في مكتبه في مركز الدراسات اليمني لأسلم عليه، أو في بيته، ضمن منتدى الثلاثاء، غير أنني في كل مرة أمنّي النفس بصورة معه، لكن في حضرته تحضر أجنحة ملاك فتطير بك في فضاءات جميلة موشاة بنبرة صوت هو قصيدة في رهافتها وحزنها. وعلاوة على ذلك، فالمقالح مجرات من نقاء وهدوء، وفجر خريف يمطرك بحديث ينسكب في الروح فيغسل آهاتها.
قدّم المقالح الإبداع اليمني إلى العالم، مادًا جسور محبة لكل من تواصلوا معه، وتواصل معهم، وكل الذين وقفوا على بابه، لا سيما جيل الشباب من الشعراء والمبدعين في اليمن، فهو صديقهم الأول، ذائقة تصغي لأشعارهم، ويدًا حانية تأخذ بهم إبداعيًا، وعبر كتابته مقدمات لمئات الكتب والإصدارات هنا وهناك.
منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، تشبث المقالح بصنعاء (حين عاد من القاهرة)، وهي المدينة التي جاءها لأول مرة وعمره ست سنوات، لتتملكه شغفًا ومحبةً، وله في عشق صنعاء “كتاب صنعاء”، باكورة سلسلة كتبه التي تحتفي بالمدن والأم والأصدقاء والقرية، وحاليًا بات جاهزًا لديه “كتاب الحرب”. ويقول المقالح إنه سيصدر حين تضع الحرب أوزارها.
وعن دار “عناوين” في القاهرة، ستصدر قريبًا جدًا طبعة جديدة من باكورة المقالح الشعرية “لا بد من صنعاء”، الذي كان صدر عام 1971. وقبل أشهر، كتب إليّ الصديق، الشاعر الأردني، عمر شبانة، صاحب العائدون للنشر، معبرًا عن أمنيته ورغبته في طباعة مختارات لعبد العزيز المقالح. وفورًا، أرشدته إلى القاص والناقد الدكتور همدان دماج، سكرتير المقالح الأدبي، وكم كان جميلًا إعلان شبانة ودماج في منتصف فبراير/ شباط المنصرم عن قرب صدور المختارات، بعنوان “حروفٌ مبرّأة من غبار الكلام”، من إعداد وتقديم همدان دماج، وشارك في اختيار النصوص الشاعر يحيى الحمادي (أحد أصدقاء المقالح المقربين).
لا أحتفظ بصورة مع المقالح، وكلما أردت ذلك، أمعنت في عوالم “الدهشة الصامتة” أمام شلالات صوته الشاعريّ، موقنًا بأنه أمام الكبار عليك أن تصغي باهتمام لا أن تطلب التقاط صورة للذكرى، لكني ما زلت أتمنى ذلك.

***
من أجواء شعر المقالح:
هذا زمنُ التغييرِ
إذا لم تتغيْر تتعفنْ
تتخطّاك مواقيتُ الصحوة
لا تدري السرَ الكامن
في أن الأرضَ تدور
وأنك إنسانٌ
من حقك أن تحيا وتموت
بأمرِ الله
وليس بأمرِ مليكٍ أو سلطان.

(فبراير/ شباط، 2011)

***

أنا هالكٌ حتمًا
فما الداعي إلى تأجيل
موتي
جسدي يشيخُ
ومثله لغتي وصوتي
ذهبَ الذين أحبهم
وفقدتُ أسئلتي
ووقتي
أنا سائرٌ وسط القبورِ
أفرُّ من صمتي
لصمتي.

(أبريل/ نيسان 2018)

***

أَبعدوا الشعر عني
خذوه بعيدًا،
بعيدًا
فقد رابني،
أثقلتْ روحي الكلمات
وأجهدني البحث عن لغةٍ
لا تموت إذا هطلت
في سطور الكتابةِ.
من فضلكم:
أَبعدوا الشعر عني
لقد حال بيني
وبين الفضاء الذي
كنت أمشي عليه بقلبي
وأصطاد ما أشتهي
من نجومٍ،
ومن سُحبٍ شاردةْ.
أَبعدوا الشعر
هذا الذي كاد يسلمني للهلاك
حين خانتنيَ الشطحات
وألقت ظلال كلامي
إلى حيث ما كنتُ أدري
ولا أَشتهي.
يا لخوفي من الليل
ليلِ النفوس المليئة بالشك
تلك التي ليس تدرك ما الشعر!
ما الكلمات!
وماذا وراء المعاني
وخلف شرود الكلام.
يا لخوفي من الشعر
في زمنٍ حاقدٍ
يذبح الشعراء.

 

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This