الإدراك في المنظور الفلسفي  

تساؤلات مفتاحية

كيف ندرك وجود الأشياء؟ هل الإدراك معرفة بذاتها أم هو وسيلة معرفية؟ ما الفرق بين الإدراك المثالي عن الإدراك المادي؟ هل الإدراك إحساسات تصدر عن الموجودات المادية ويستلمها الذهن؟ هل الذهن عامل تغيير لما يدركه من أشياء خارجية أم عامل محايد مهمّته التفكير بما يدركه فقط؟ هل الإدراك وعي يتقدّم ترجمته في تعبير الفكر واللغة؟ كيف تكون علاقة الإدراك الذاتي للأشياء مع قوانين الطبيعة الثابتة؟ من الذي يتغّير في جدلية إفتراضية الإدراك أم الاشياء المدركة وكيف؟ ما علاقة الإحساسات الصادرة عن الحواس بالإدراك؟ هل الإدراك إنطباع ذهني صامت أم فكر تعبيري لغوي عن الاشياء في وجودها المادي؟

ما هو الإدراك؟

لا يختلف الفلاسفة الماديون ولا المثاليون على حقيقة توّحدهم أن الإدراك إستجابة لما تثيره الإحساسات المادية عن الاشياء في واقعها الخارجي. والإدراك ميزة نوعية إنفرادية يختّص بها الانسان تختلف عن إدراك الحيوان، كون ما يدركه الحيوان من موجودات الطبيعة هو المثيرات الخارجية منها التي تجعله يتخذ ردود أفعال فورية غريزية في مواجهة تلك المثيرات دفعا للخطر الذي يتهدد حياته. وكذلك إدراكه ما يحفظ بقاءه حيّا بما توفره الطبيعة له من غذاء. يمتلك الحيوان وعيا محدودا مشروطا بالإدراك المحدود لما يصادفه في الطبيعة. وعي الحيوان هو وعي غريزي يسعى الحيوان إشباعه وليس وعيا مقصودا مخترعا بذهن الإنسان لمعرفة ما يدركه من موجودات طبيعية وظواهر عديدة في معنى الوجود… من جنبة أخرى نجد الانسان يدرك ما هو موضع استثارة إدراكية له، لذا اعتبر بعض الفلاسفة أننا ندرك من عالمنا والأشياء ما نستطيع التعبير لغويا عنه، أي ما هو محدود وجودا في إمكانية إدراكه.

الإدراك بالمنطوق الفلسفي الذي يبدأ بالإحساسات هو أولى درجات سلم معرفة الشيء في حقيقته المادية الموجودية، والإدراك مرحلة أولى في عملية المعرفة التي تتوزّعها منظومة العقل الإدراكية التي تبدأ بالحواس ولا تنتهي بالدماغ. بهذا المعنى يكون الإدراك ماديّا يدخل في علاقة جدلية متبادلة بين الشيء ومدركه الانسان. وهذا الفهم للإدراك يتعارض مع النظرة المثالية التي ترى في الإدراك شخصا يحمل أفكارا بذهنه لا علاقة تربطها بموجودات العالم الواقعية. وإدراك الشيء لا يدخل بعلاقة جدلية مع ذاك الشيء.

ورغم التّطرف المثالي الذي يتبّناه بيركلي في فلسفته المثالية فهو يعرّف علاقة الإدراك بالشيء قوله (أن يوجد معناه أن يدرك) وما لا يدرك بالفكر والذهن لا وجود له في عالم الواقع والأشياء. والإدراك يقوم على مثيرات الإحساسات الصادرة عن الموجودات بالعالم الخارجي بل ويقوم الإدراك على الأحاسيس الإستبطانية أيضا التي تستثيرها الذاكرة والخيال في خلقها مواضيع غير مادية للإدراك. بهذا المعنى يتبادر للذهن أن الادراك هو علاقة مشتركة بين وجود الشيء المادي مع تلقي الإحساسات الصادرة عنه تجاه الذهن مستودع التفكير بالأشياء كما نفهمه خطأ. فالذهن ليس مستودع التفكير بل هو وسيط ناقل لإنطباعات ذهنية مصدرها المثير المادي الحسّي في وجود الاشياء في العالم الخارجي. لكن التفسير المثالي يرى أن الإدراك هو تفكير ذهني يتخّلق وينبثق عنه تصوّرنا الموجودات من الاشياء التي يتم إدراكها في وجودها الحقيقي الواقعي. من دون معرفة مصدر انبعاث ذلك الإدراك في ذهن الانسان، وإذا كان الإدراك هو محض تفكير مستقل بالذهن فكيف تكون علاقته بالمواضيع التي يخترعها ذهنيا من مصدري الخيال والذاكرة وليس من الواقع الخارجي المادي؟

الإدراك معرفة

يرى الماديون أن الادراك مرحلة بدئية أولية في معرفة الشيء المدرك، وإدراك  الشيء لا يعني معرفة ذلك الشيء في حقيقته. فالمعرفة عملية معقدة لا يتم حسمها بإدراك إنطباعات الذهن لموضوع، فالإنطباع الذهني هو الآخر لا يمنحنا معرفة حقيقية عن موضوع يجري التفكير به بالدماغ. كون التفكير هو ماهية العقل وليس ماهية الذهن. وبيركلي يرى في الإدراك حسب فهمنا له من فلسفته المثالية:

  • الإدراك ومخرجات العقل عنه لا تغيّر شيئا من واقع الأشياء في وجودها الطبيعي بإستقلالية مخلوقة من الله. التي تكون محكومة بقوانين طبيعية ثابتة تلازم الوجود، لذا تكون إنتاجية الذهن والتفكير حول مدركاته هي تفكير هامشي لتجريد معرفي لا علاقة له ولا تأثير بتلك الموجودات في وجودها المادي المستقل في الطبيعة وعالم الأشياء.
  • إدراك الشيء موجودا من عدم إدراكه لا يغيّر من حقيقة وجوده الثابت المستقل. والفكر كتجريد إدراكي لا يتداخل جدليا مع مدركه المادي.
  • فحوى الذهن الإدراكي التفكيري الانطباعي بالأشياء والمواضيع هي علاقة خارجية تخص فاعلية الذهن أكثر من علاقتها في مهمة تغيير وتبديل علاقات الاشياء والموجودات وتبديلها في الواقع جدليا.
  • الذهن إدراك إنطباعي محايد فعندما ندرك كتابا موجودا على منضدة، وننصرف بعد برهة زمنية لإدراك غيره من موجودات عديدة داخل الغرفة فهذا لا يرتّب على الذهن رد فعل تفكيري يضيف شيئا لوجود الكتاب في إستقلاليته المادية دونما تأثير مخرجات الذهن به.. فالإدراكات المتتالية للأشياء تدخل الذهن وتخرج منه دون تأثير يجري عليها في وجودها المادي الخارجي المستقل. والإدراك صورة تجريدية لغوية بمعنى أنه يبقى صمتا معرفيا لا تعبّر عنه اللغة قبل البت الفكري عنه عقليا. والإدراك سلسلة من التداعيات الإنطباعية العشوائية التي لا يمتلك الذهن إمكانية السيطرة عليها ورد الفعل الإنعكاسي عنها قبل رد الفعل الصادر عن الدماغ في تحليله لها.

الإدراك والذّهن

حين اعتبر بيركلي الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة تعني شيئا ذهنيا فقط. يجد منتقدوه أن الموضوع الواقعي ليس ذهنيا على الإطلاق بما يلغي أهمية وتأثير وجوده المادي على تفكير الذهن، وبخلاف بيركلي أيضا الذي يرى (الذهن مجرد علاقة يدخل فيها الموضوع ويخرج منه دون أن يتغيّر على الاطلاق) 1، هذا يعني حسب فلسفة بيركلي:

  • إدراك الشيء صدفة طارئة زائلة وليس فعلا قصديّا يحدده تفكير العقل مسّبقا. بمعنى الإدراك ليس وعيا قصديا معرفيا بل هو إنطباع أولي مؤقت عن الأشياء في وجودها المادي المستقل.
  • الذهن ليس مستودع الإدراكات بل هو علاقة تواصلية وحلقة وسطية ترتبط مع منظومة الإدراك العقلية الأخرى، وكما يدخل الموضوع في الذهن يخرج منه بلا مؤثر ولا تأثير. وتبقى خاصية التفكير وتحليل الإستجابات الإدراكية هي من عمل الدماغ حصرا.
  • الإدراك فهم إحساسي إستبطاني لا ينوب عن الوعي في تعبيره الفكري اللغوي عن مدركاته التي يحددها الذهن وليس إدراكات الحواس. والوعي يتقدّم الإدراك الحسّي في تعبيره عن الاشياء بالفكر واللغة. بمعنى الوعي هو تفكير العقل أما الإدراك فهو تفكير الذهن في إنطباعات وتداعيات تغادره سريعا وليس أفكارا أنجزها العقل ويعّبر عنها الوعي باللغة.

ديفيد هيوم والإدراك

يذهب ديفيد هيوم 1711- 1776 في تعريفه الإدراك pereception، على أنه “فكرة ” وهي نفس تسميّة المصطلح المتّفق عليه عند جون لوك وجورج بيركلي طبعا بإختلافات فلسفية جوهرية. هيوم يذهب إلى تجزئة الإدراك إلى “إنطباعات” و”أفكار” فالإنطباع عنده يطلق على أي أحساس مثل عاطفة أو إنفعال عندما يظهر لأول مرة في حياتنا، أما الفكرة فهي نسخة “باهتة” من الإنطباع حسب تعبير هيوم. واضح هيوم يعتبر إنطباعات صور الإدراكات في الذهن أسمى مرتبة من تشكيل الذهن لمدركاته الخارجية بالفكر واللغة. دليل قوله الفكرة نسخة باهتة من الإنطباع. والانطباع إدراك اولي لا يمثل مخزونا ذهنيا بل مخزونا معرفيا بالذاكرة.

يقول هيوم “كلما توّغلت داخل ما أسميّه نفس، فإني أعثر بإستمرار على إدركات جزئية مثل الحرارة والبرودة، النور والظلام، الحب والكراهية، الألم واللذة، ولا أستطيع الإمساك على الإطلاق على هذه النفس في أي وقت دون إدراك ولا أستطيع ملاحظة غير الإدراك ” 2.

هنا هيوم لا يستطيع إنكار حقيقة النفس إنها تجريد في التعبير عن مدركات شعورية هي الأخرى تجريدية في إدراكها، فتجريد النفس يخلق إدراكات لا يمكن التحقق منها سوى في مرجعية النفس ذاتها. النفس تجريد إفصاحي عن إحساسات ماديّة إستبطانية فردية لا معنى ولا قيمة إدركية عند غير صاحبها، مثلا إننا لا نشعر بالألم كما يشعر الفرد الواقع عليه مسّبب الألم ولا نشعر به في التعبير عنه بكلام صاحبه عن ألمه. وكذا الحال مع جميع إفصاحات النفس مثل الشعور بالحزن والفرح والكراهية والحب واللذة وغيرها.

من المهم التنويه أن ديكارت اعتبر النفس جوهرا خالدا يوازي جوهر العقل ويلتقيان معا بالخلود ولا يفنيان بعد موت الجسم. برأينا النفس حتى وإن كانت جوهرا فهي لا تعلو على العقل وتبقى وصاية العقل عليها قائمة لا خلاص منها. النفس تابعة للعقل ولا يتبعها العقل في أي نشاط تقوم به على أنها تمّثل جوهرا منفردا لوحدها. مخرجات النفس العاطفية بمجملها تجريدات تعبيرية لا تصدرها النفس من غير مرجعية الإدراك العقلي لتلك الإفصاحات النفسية.

ومن أخطر صفات التفكير المثالي هو أنه يدرك الوجود المادي وإفصاحات النفس وموجودات الطبيعة في عملية تجريد ذهني لا يتداخل مع تلك المدركات بعلاقة جدلية التأثر والتأثير مع الموجودات المادية. لذا نجد فلاسفة التفكير المثالي يتجاهلون حقائق عديدة منها على سبيل المثال:

  • التفكير المثالي لا يجيب على أسئلة هامّة مثل لماذا ندرك الاشياء وموجودات الطبيعة وظواهر الحياة التي نعيشها؟، في وقت يصبّ التفكير المثالي كل اهتمامه على “كيفية ” إدراكنا لهذه العوالم. ولا توضّح المثالية في التفكير كيف وبأية آلية تتطور مداركنا وندرك تطورات الموجودات الواقعية من حولنا؟.
  • الثابت الذي لا ينكره التفكير المثالي هو أن الإدراك ليس هو واقع التعبير عن حقيقة الأشياء. التفكير المادي هو إدراك إنطباعي في الذهن ولا يمثّل الوجود المادي للأشياء تأثيرا في جدلية غير قائمة ولا متحققة بين الذهن والإدراك عنها.
  • جميع الإدراكات الناشئة عن الإحساسات الخارجية يكون تخليق تعبيراتها اللغوية في الذهن وليس مصدرها الوجود المادي في التعبير عن موجودات العالم الخارجي.
  • يعّبر هيوم أننا ندرك ذواتنا من “حزمة أو تجمّع إدراكات مختلفة، يعقب بعضها بعضا بسرعة فائقة لا يمكن تصورها، والإدراكات المتعاقبة هي التي تؤلف ويتكون منها الذهن ” 3. تعبير هيوم هذا ينسف الخطأ الفلسفي الشائع أن الذهن مصدر التفكير في معنى الإدراكات الواصلة له عبر الحواس. ويؤكده فهم بيركلي الذهن حلقة توصيل المدركات الخارجية للدماغ مركز التفكير ومصدره. بمعنى كل تفكير ينسب للذهن منفردا هو أمر لا أساس له من الصحة المعرفية وليس من خصائص الذهن.

الإنطباعات والأفكار

رغم عبارات ديفيد هيوم السابقة وصفه الإنطباعات لا تشّكل ماهيّة الذهن لأنها إدراكات سريعة تمّر بالذهن بما لا يمكن التثبّت منها. نجده يصّر على أولوية إنطباعات الذهن على أفكار الذاكرة. معتبرا الإنطباعات أكثر وضوحا من الأفكار، ونحن نستمّد الأفكار على حد تعبيره من الذاكرة بوصفها إستعادة حقيقية لإنطباعات خبرناها بالماضي، كون هذه الإنطباعات أكثر حيوية من أفكار الخيال الأكثر خفوتا وأقل تماسكا. 4

وتعقيبنا نبدأه بالتساؤل لماذا تكون الإنطباعات أكثر وضوحا من الأفكار. نعتقد هيوم يبني هذا الترجيح على أن مكمن الإنطباعات هو الذهن الذي يقوم بتخزينها بالذاكرة. لذا هو يعتبرها أكثر وضوحا من الأفكار لأنها -الأفكار- اِكتسبت في تخزين الذاكرة لها موثوقيتها الصادقة في الإعتماد عليها. من المهم قولنا الذهن لا يرتبط بالذاكرة في تخزينه الانطباعات الواصلة له عن طريق الإدراكات.

أما المسألة الهامة الأكثر غرابة هي في إعتبار هيوم الإنطباعات خبرة متراكمة بالذاكرة وليس بالذهن وهذه حقيقة يمكن اعتمادها. لذا فهي أي الإنطباعات أكثر حيوية من الأفكار لأننا خبرناها بالماضي قبل تخزين الذاكرة لها. هذه المسألة تحتاج الكثير من المناقشة التي ترى الانطباعت ليست مخزونا بالذاكرة.

فالإنطباعات الذهنية تصبح هي الأفكار التي اتخذت حقيقتها الوثوقية من تفكير العقل بها قبل تخزينها كخبرة متراكمة بالذاكرة. فالإنطباعات هي إحساسات قلقة وغير واضحة شبحية قبل تحويل تفكير الدماغ لها الى أفكار خبرية ويتم تخزينها في الذاكرة.

الإنطباعات هي إدراكات أولية للذهن ومن بعده تصل العقل لتحليلها وإعطائه ردود الأفعال الدماغية عنها.. فالإنطباعات ليست حقيقية أكثر من الأفكار التي يصفها هيوم بالخيالية التي تكون مهزوزة قلقة غير واضحة كما هي الإنطباعات في صدقيّتها الموثيقية التي لا تحتاج برهنة تجريبية لها. العكس هو الصحيح بدلالة أن الانطباعات هي مخزونات ذهنية زائلة في حين الافكار مخزونها الذاكرة التي استمدت وثوقيتها من العقل.

الإدراك والفعل الإستبطاني

دأبت الفلسفة عبر تاريخها الطويل اعتبار أن الإدراك هو إنعكاس الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي، وأن الإدراك علاقة جدلية تبدأ بين الحواس والموجودات المادية الشيئية في عالمنا الخارجي، ولم يتبادر إلى ذهن الفلاسفة قبل هيوم أن الإدراك هو فعل استبطاني ناتج عن إحساسات العالم الخارجي، وهنا أدخل هيوم الفلاسفة في معضلة كان هيوم أعطى حّلا لها  في توضيحه القضايا المتداخلة التالية التي ندرجها نحن وتمثّل رأينا وليس هيوم:

  • إنطباعات الذهن هي ليست أفكارا
  • الإنطباعات تمر بسرعة مذهلة متجاوزة الذهن
  • الذهن ليس مستودع الإدراكات المتغيّرة على الدوام
  • الذهن ليس خاصّية تفكيرية ولا يمتلك خاصّية تخزين المعارف.
  • الإدراكات تستمّد مصدرها من مخزونها الذي هو خبرة متراكمة في الذهن.

هيوم هنا أوقعنا في تناقض حول حسم مصدر الإدراك خارجيا أم داخليا إستبطانيّا وكيف؟ بالحقيقة أن الإدراك في نظر هيوم هي عملية متداخلة المصدر في إحساسات خارجية من الواقع، بنفس وقت الإدراك يكون إستبطانيا داخليا حينما يكون مستمدا من الخبرة التراكمية بالذاكرة. والأهم من ذلك تفريق هيوم بين الإنطباعات التي هي إدراكات متغيّرة، وهي ليست الافكار المستمّدة من الخيال التي وصفها بالأفكار الخاملة الباهتة مقارنة لها مع الإنطباعات المتجددة بإستمرار في تداعيات عشوائيتها الذهنية.

هيوم يصف الإدراك كما ذكرنا أنه فعل (إنطباعي) إستبطاني داخلي، وهو في تغيير دائم دليل تعبيره “أننا لا نجد على الإطلاق أي شيء في أذهاننا سوى إدراكات تتغير بإستمرار” 5، مما مر بنا شرحه أن هيوم يعتبر الإدراك إنطباعات ذهنية متغيرة متبدّلة، وليست أفكارا إدراكية تصورّية. والإنطباعات أكثر حيوية من الأفكار الخيالية التي غالبا ما تكون خاملة، والسبب أن الإنطباعات هي متحركة دوما في تجدد مستمر دائبة الحركة بالذهن الذي هو في حقيقته مجموعة من الإدراكات. بينما يكون مصدر الأفكار هو المخيّلة التي تتعالق بالذاكرة قبل تحويلها إحساسات المدركات التي تردها الى العقل ليحوّلها أفكارا تعتبر نسبية الثبات في مقارنتها بالانطباعات الحركية.. عشوائية الإنطباعات الواردة للذهن ومغادرتها له بسرعة فائقة إنما يقوم تنظيمها وتحوّلها إلى أفكار تختزنها الذاكرة هو تفكير الدماغ بها وليس تفكير الذهن الذي لا يمتلك استقلالية تفكيرية غير مرتبطة بالعقل..أهم ما جاء به هيوم متفردا عن فلاسفة آخرين اِعتباره الإدراك إنطباعات إستبطانية تتم داخليا هي في تغيير مستمر، وهذا إنفراد نوعي أن الإدراك حسب فلسفته يستمد مواضيعه من خزين الذاكرة، بعد أن يكون اِستمدّها من الإحساسات بموجودات العالم الخارجي. بمعنى آخر الإدراكات لا يتم البّت بها تفكيرا داخل الذهن بل خارجه داخل المنظومة الإدراكية العقلية. فالإدراك هو رد فعل إنطباعي لا يمتلك قابلية الوعي بمدركاته في التعبير الفكري واللغوي عنها. وقام هيوم بربط الإدراك بالنفس وليس ربطه بالوجود المادي. وفي أن الإدراك هو بدئيا إحساسات حسيّة مصدرها موجودات العالم الخارجي إلا أنه يتّم فرزه وتمحيصه داخل منظومة العقل قبل تشكيل الوعي به وتشكيل الفكر وتعبير اللغة عنه.

******

هوامش:

  1. وليم رايت: تاريخ الفلسفة الحديثة، ت: محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم: إمام عبد الفتاح إمام، ص 200.
  2. نفسه، ص 212.
  3. نفسه، ص 211.
  4. نفسه، ص 215.
  5. نفسه، ص 216.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This