حوار مع طوماس بيكيتي

وقوفا على أصول عدم المساواة والتفاوت[1]

 

في كتابه “رأس المال و الإيديولوجيا” يَنْقُل  طوماس بيكيتي السَّردية الكُبرى للتاريخ الإنساني، مع  وجود خيط هادٍ داخلها [وموحِّد لأجزائها]هو المتمثل في الإقرار بأن عدم المساواة[أو التفاوت] بناءُ إيديولوجي محْض، وأن الرأسمالية، بنظره، تبقى ممكنَةَ التَّجاوز، إن لم نقُل أن تجاوُزَها أمر واجب. وقبْل المُسارعة إلى إطلاق الأحكام لابد لنا أولا من فهم رؤية الكاتب، تلك التي يُمَكِّنُنا من مفاتيحها في هذا الحوار.

  • تقترح في كتابك الأخير “رأس المال والإيديولوجيا” لوحة ممتدة لتاريخ التفاوت أو عدم المساواة وما تمَّ تقديمه من تبريرات له عبر العصور،  فكيف عبرنا من إيديولوجيا قائمة على التراتبية الطبيعية إلى التفاوتات أو الأشكال المعاصرة لانعدام المساواة، التي نقول بأنها مؤسَّسةُ وقائمة على الاستحقاق والجدارة؟

إن العديد من المجتمعات، سواء في أوربا النظام القديم أو في الهند إبَّان المرحلة السابقة على الاستعمار أو في الصِّين تحت الحُكم الإمبراطوري، عاشت تبعا لنظام تفاوتات ثلاثي الطبقات ؛ حيث نجد من جهة طبقة المحاربين  التي تؤمِّنُ احترام النظام وتسهر على الأمن، وطبقة الإكليروس والمثقفين، التي تقترح تأطيرا مذهبيا وعقائديا روحيا للمجتمع. وكلتا الطبقتان كانتا تهيْمِنان على طبقة عاملة هي التي تؤَمِّنُ  وظائف الانتاج بالنسبة للمجتمع، أي الغذاء وانتاج الملابس…. وتمثلت الصعوبة التي واجهتها هذه البنية في إيجاد التوازن  بين طبقتين مُهَيْمِنتيْن أو سائديتين، كل واحدة منهما تتمتَّعُ بمشرُوعِيَّتها الخاصة، وبالتالي كان  من اللازم عليهما القبول بأن تضع كل واحدة منهما حدا لِسُلطتها.. ففي الهند على سبيل المثال الكشاترية (les Kshatriya)،التي هي طائفة المحاربين كان في الغالب من الواجب عليها الاعتراف بنوع من السُّمو والرِّفعة  للبراهمة (brahmanes) أو الكهنة، والهدف من وراء هذا البناء المعقد والمرَكب هو إتاحة المجال أمام نموذج للاستقرار والتطور له ما يكفي من القُدرة على الإقناع حتى تكون هيمنة هاتين الطبقيتين مقبولة من طرف طبقة العمال. وفي ظل المجتمعات الأوربية، هناك محاولة لبناء انسجام اجتماعي، تراتبي قائم على عدم المساواة من طرف الخطباء  les oratores (أولئك الذين يصلُّون) والمحاربين les bellatores  (من يتولون القيام  بالحرب)، ثم العمَّال les laboratores(من يتولون الشغل أو العمل). أما على مستوى الممارسة فنجد  تاريخ هذه المجتمعات مليئا بالاستثناءات والاصطدامات. وابتداء من العصور الحديثة، لاسيما مع الثورة الفرنسية،  ستَحُل المجتمعات التي أسَمِّيها بالمجتمعات التملكية [القائمة على الملكية] prioritaires  محلَّ المجتمعات القائمة على التقسيم الثلاثي إلى ثلاث طبقات. وعند هذه اللحظة صارت الإيديولوجيا مختلفة؛ فبدلا من التأكيد على أن الاستقرار إنما ينتج عن ضرب من التكامل بين الأدوار داخل انسجام تراتبي، صار الثقل ينتقل إلى التأكيد على أن حق الملكية مفتوح في وجه الجميع  وأن المهمة الأساسية  المُلقاة على عاتق الدولة المركزية هي تلك  المتمثلة في حماية هذا الحق. وهذا التقديس لحق الملكية   في القرن التاسع عشر، الذي تفوَّق الروائي بلزاك في وصفه بأتَمِّ بلاغة، سيؤدي إلى أقصى درجات عدم المساواة لصالح البعض فقط. وهي الظاهرة التي شَجَّعها التوسُّعُ الاستعماري والتنافس المتوحش [والمتحرر من كل ضابط أو عُقال] بين الأمم الأوربية. وهذه الدينامية الخاصة بعدم المساواة ستنتهي بالتقويض والهدم الذاتي للمجتمعات الأوربية خلال الفترة الممتدة بين سنة 1914و 1945. غير أن الإيديولوجيا التي أسميها بالإيديولوجيا المتمحورة حول نزعة التملًّك « propriétariste » ستُخلي المكان تحت وقع هذه الأزمات  لحقبة جديدة لصعود المساواة ونموها، والتي  ستنتقل، عبر الارتفاع المطرد بقوة للضريبة بنسب  بلغت  70% و80%  على العائدات العليا  وعلى المواريث منذ العشرينات من القرن العشرين،  إلى ظهور السياسات الاجتماعية الأكثر اتصافا بالمساواة (نفكر هنا في الصفقة الجديدة (New Deal) مع روزفلت  Roosevelt بالولايات المتحد الأمريكية)، دون الحديث عن ظهور الشيوعية بالشرق. لكن التاريخ لم يتوقَّف عند هذه المحطة ما دام هناك منعطف آخر سيشهد ظهوره خلال الثمانيات من القرن العشرين مع السياسة  الجديدة ذات المَنزع التَّملُّكي néopropriétariste  التي تم إرساؤها في الولايات المتحدة  والمملكة المتحدة  والتي ستتبعها دول أخرى عديدة.

  • ما الذي حدث في الثمانينات من القرن العشرين حتى تنهار بقسوة المرحلة الطويلة الأكثر اتصافا بالمساواة في القرن العشرين؟

إن السرديَّة التي اقترحها كل من رونالد ريغان في الولايات المتحدة الأمريكية ومارغريت تاتشر بالمملكة المتحدة  تبقى مُتَّشِحة بالمعقولية وهي سرديَّة تشرح  كيف أن التطوير المفرط لدولة الرعاية انتهى بنا إلى “إضعاف” المقاولين وأصحاب المشاريع،  وبالتالي فالوقت قد حان من أجل تقليص حجم الدولة بُغية إعادة حقْن الاقتصاد بالدينامية المطلوبة. وقد استبد الرعب بكل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من رؤية كل من ألمانيا و اليابان، وهما الدولتان اللتان انهزمتا في الحرب العالمية الثانية، تلحقان بهما. لكن الحدث الذي أعطى بحق المعقولية للخطاب النيوليبرالي أو الليبرالي الجديد هو انهيار الشيوعية مع نهاية الثمانينات من القرن العشرين، فالدلالة العميقة  للفشل والمأساة السوفياتية  كانت عميقة؛ بحيث نجد أن (5 %) من الساكنة التي هي في سن الرُّشد كانت توجد بالسجن في الخمسينات من القرن العشرين، وغالبا ما كان ذلك بسبب عمليات سرقة أو اختلاسات اقتصادية صغيرة. بحيث إن معدّلات أو نسب الاعتقال المُسجَّلة  في تلك الفترة بالاتحاد السوفياتي  كانت  تبلغ خمس مرات ما هو مسجَّل  حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية  وخمسون مرة ما هو مسجل بالدول الأوربية ! لذلك  انتهت الواقعة السوفياتية بإغلاق الباب أمام كل تفكير بخصوص حظوظ وفُرص إرساء مجتمع  مساواتي، فهذه الواقعة ستغذي لمدة  طويلة الإحساس بأن اقتصادا ومجتمعا عادليْن ما عادا إطلاقا في دائرة الإمكان.  وحاليا بعد أن صارت تفصلنا عن هذه الفترة أكثر من ثلاثين سنة، نلاحظ أن السَّردية التي قدمها كل من ريغان وتاتشر والتي  زعمت تحريك الاقتصاد وبعث الدينامية فيه بفضل  زيادة عدم المساواة لم تَسِرْ كما كان متوقعا لها. فقد ارتفعت أشكال عدم المساواة أو التفاوتات خلال الفترة الممتدة من سنة 1900 إلى سنة 2020،   مقارنة بما كانت عليه خلال الفترة التي امتدت من سنة 1950 إلى سنة 1980. أما نسبة النمو فقد انخفضت بالنصف، بينما عرف الدخل القومي الإجمالي نموا بلغت نسبته (2,2%)  خلال الفترة الممتدة من  سنة 1950 إلى سنة 1990. لتنزل هذه النسبة إلى نسبة(1,1%) بين سنة 1990 وسنة 2020. ومنذ أزمة سنة 2008 (التي كانت بشكل جزئي  نتيجة  تشجيع هروب إلى الأمام  نحو الاقتراض والاستدانة، بغية معادلة وموازنة الركود الذي أصاب الأجور، مما أضعف النظام المالي)، صار لخطاب الليبرالي الجديد يعاني نوعا من الاحتباس، وقد حاول دونالد ترامب تعويضه جزئيا  بخطاب ذو نزعة وطنية . فالنمو لم يتحقق  كما أن كساد عائدات المواطن الأمريكي  المنتمي للطبقة الوسطى صار أمرا حاصلا ويتعذر التشكيك فيه، وبالتالي صرْنا اليوم بحاجة إلى سردية أخرى، تكون أكثر عنفا هي  تلك المتمثلة في تأكيد قوة أمريكا البيضاء في العلاقة بالمكسيكيين والصين، إلخ.

  • ما الذي تؤاخذونه على النظام القائم على مبدأ الاستحقاق والجدارة الذي يَعْتَبر أن من يتعيَّن أن يستفيد أكثر هُم الأكثر استحقاقا وجدارة؟

هو في العمق خطاب قائم على الرياء والنفاق، لأنه يسمح للرابحين من النظام الاقتصادي والاجتماعي والتربوي أن يلحقوا الوصم بالخاسرين جرَّاءه، من خلال تأكيدهم على أن خسارتهم إنما هي نتيجة  غياب الجدارة وضعف الذكاء والموهبة، وهو ما تمَّ بعنف لا نظير له في الأنظمة السابقة القائمة على  عدم المساواة أو التفاوت . فعندما ننظر بكامل الموضوعية إلى  الشروط التي تحيط بالولوج إلى التربية، نرى أن المنحنى الذي يربط دخْل الآباء  باحتمال ولوج الأبناء إلى التعليم العالي  ينتقل تقريبا من (0 %) إلى نسبة(100%)أو بدقة أكبر من (20%) إلى(95%)عندما تنتقل من نسبة (10%) الأكثر فقرا إلى نسبة(10%) الأكثر غنى،  وفي الحالة الفرنسية، على الرغم أن عدم المساواة في الولوج إلى التعليم يبقى أقل حدَّة وتطرفا مما هو عليه بالولايات المتحدة الأمريكية،  فإنَّه يبقى صارخا؛ ذلك أن الأطفالَ المنحدرين من الأوساط  المحظوظة   يحصلون من 250000 إلى 300000 أورو من الاستثمار العمومي لأجل تمدرس تام، بينما يتلَقّى الأطفال الذين يستفيدون  أقل من الاستثمار التربوي من  60000 إلى 70000 أورو، والتعويضات الهزيلة  المخصصة للمدرسين  الذين يعملون بمؤسسات تعليمية تقع داخل الأحياء الصعبة اجتماعيا وأمنيا لا تعادل  تلك  المقدَّمة للمدرسين  العاملين في المؤسسات المتواجدة بالأحياء الميسورة إلى جانب توفر هؤلاء  على تجربة وخبرة أكبر،  مع استفادة الشعب الانتقائية للتعليم بهذه المؤسسات من توفُّر  التجهيزات والإمكانات بدرجة أكبر  مقارنة بالمؤسسات الأخرى.

  • تصِلون في كتابكم إلى حد إبراز أن بعض التبريرات القديمة  للتفاوت وعدام المساواة  لاتزال قائمة في عالمنا الراهن، كيف يكون ذلك ممكنا؟

خلال الفترة التي أعقبت الحرب، كانت هناك تعبئة سياسية قوية للطبقات الشعبية، لكن لو نظرنا إلى بعض المجتمعات المعاصرة، لَوقفنا عندئذ على  استمرارية المنطق الثلاثي والتَّراتُبي الذي سبق وصفه، فاعلاً داخلها وعدم تلاشيه منها، لأن العديد من الجماعات تبحث عن  المشروعية  من أجل الحكم أو من أجل الهيمنة على المجتمع.  والحاصلون على الشواهد والدبلومات يريدون منا أن احترام ثقافتهم الواسعة، وهناك ما يكفي من هؤلاء الترامبيين trumpistes  (نسبة إلى دونالد ترمب)  الذين لا يقرؤون الكتب و لا ينصتون إليهم ! كما أن المشروعية الحربية لم تخْتفِ بشكل كامل- يكفي في هذا السياق التفكير في الجيش الأمريكي وفي كل الجيوش عموما- ، لكن تم استبدالها جزئيا بالمشروعية الخاصة بالسوق، التي جسَّدها بشكل خاص كل من دونالد ترامب وسلفيو برليسكوني  اللذين لا يتورعان عن المجاهرة  بنزعتهم المُضادَّة  للمثقفين ويؤسِّسَان في المقابل مشروعيتهما على قدرتهم  المفترضة على إبرام الصفقات بقدرة عزَّ نظيرها.  غير أن هذين الشَّكلين من المشروعية (المشروعية الحربية والمشروعية القائمة عل السوق) بينهما نقط مشتركة: النظام الاقتصادي القائم هو الذي يستفيد منها في نهاية المطاف، بل إن “اليسار البراهميla gauche brahmane ” و “اليمين المؤكِّد على السوقle droite marchande ”  يمكن حتَّى أن يقوم بينهما تحالفُ كما حصل في فرنسا حول إيمانويل ماكرون.

  • إن هذا التحالف على مستوى المركز اصطدم في العديد من البلدان مع حركات سياسية هوياتية أو ما نسميه بالحركات الشعبوية، فكيف تفسرون الصعود القوي لهذه الحركات؟

إن ما لاحظناه أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية لسنة 2016 هو أن من هم أكثر تعليما وأكثر دخلا على المستوى الاقتصادي قد صوَّتوا للمرة الأولى لصالح الحزب الديموقراطي. مما يعني بكل تأكيد أن الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية التي تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تفلح بتاتا في تعبئة الطبقات الشعبية.  فهي لم تعرف كيف تجدّدُ  دعامتها الإيديولوجية لكي تجعلها أكثر تكيفا وتلاؤمًا مع التحديات الجديدة لاسيما منها التربية والعولمة الاقتصادية. وهذه الحالة المعاينة إنما هي نتيجة ومآل لسيرورة طويلة الأمد. أما الأحزاب التي أسميها بالأحزاب الاشتراكية المؤَكِّدة على الأصل والميلاد sociales nativistes  فتخلط بين رفض الهجرة  وبين الخطاب الاشتراكي الزائف،  كما هو عليه الحال على سبيل المثال مع حزب الجبهة الوطنية في فرنسا حيث  بلغ السخط الأوربي مبلَغه الأقصى في أوساط الفئات الشعبية.  وذات الحالة نجدها في إيطاليا حيث  تحالفت  حركة 5 نجوم  مع حزب العصبة وحيث ماتيو سالفيني Matteo Salvoni   خلق ترابطا وثيقا  بين ما هو عنصري وما هو اجتماعي.  وهناك سيناريو  يندر بكارثة  تتمثل في تزايد هذا النوع من التحالفات بشكل مضاعف.

  • وهل يمكن أن يتحقق هذ السيناريو؟

لأجل فهم هذا  النوع من اليسناريوهات الذي يتعين تفاديه  بشكل مطلق،  لابد من النظر إلى التاريخ،  لاسيما تاريخ الحزب الديموقراطي الأمريكي؛ فقد كان هذا الأخير خلال القرن التاسع عشر حركة عنصرية مناصرة للعبودية والتمييز تَصِمُ وتقدَحُ في النُّخب الصناعية والجمهورية  لشمال الولايات المتحدة، إذ كانت  تنتقد نفاق ورياء النخب البورجوازية التي كانت تعتبر نفسها صديقة للسود،  بينما هي تتطلع في حقيقة الأمر  وبكامل البساطة إلى  الحصول على المزيد من البروليتاريين  بثمن بَخْس.  فكان من نتيجة ذلك أن عمل الديموقراطيون  على تطوير  هذه الحركة السياسية  خلال الفترة الممتدة بين سنة 1880 وسنة 1950 وهي الحركة التي ستؤدي إلى الضريبة على الدخل والتأمينات الاجتماعية والصفقة الجديدةNew Deal  ، وكل ذلك مع بقائهم في الجنوب أصحاب نزعة مناصرة للْمَيْز، وكان من اللازم انتظار الستينات من القرن العشرين حتى يقوم الحزب الديموقراطي بالدفاع عن الحقوق المدنية للأقليات. وفي خاتمة المطاف سيكُف هذا الحزب الاشتراكي- القائم على نزعة مؤكِّدة على الأصل  parti sociale nativiste عن أن يكون صاحب نزعة عنصرية، بل وانتهى به الأمر حتى إلى ترشيح رئيس أسود، غير أن هذا التطور  الذي طالت مدَّتُه  إلى أقصى حد كان مفتاحه ما شهدته وِلاَيات الجنوب من صور  عنف  مقلقة لعقود. لذلك سيكون من الأفضل تفادي وتجنب الفخ أو الشَّرك الهوياتي المشابه الذي  تتجه بنا الأحزاب الاشتراكية ذات النزعة المؤكّدة على الأصل  والميلاد صوب الوقوع في قبضته. وإذا  ما تابعنا وواصلنا  إغلاق الباب أمام إمكانية التقليص من التفاوتات ومظاهر عدم المساواة ، وفي وجه إعادة  التوزيع بين الطبقات الاجتماعية  في استقلال عن أصولها، عندها سنكون قد أسْلَمْنا أنفسنا  لخطر السقوط في قبضة الصراع السياسي  الذي  صار يتمحور بشكل متزايد حول  المشكلات الهوياتية والعرقية.

  • ما هي الحُجَج الكبرى التي يتم الدَّفع بها  فلسفيا ضد المُساواة؟

هي حجج تتغير بتغير الحقب الزمنية وتباين الأمكنة. لكننا نعثر دائما على ما أسميه بـ”حجة صندوق باندوراl’argument de la boité pandore” . ومفادها أن النخب التي  تستفيد من عدم  المساواة أو التفاوت ترد  على من يبحثون عن حلول تُمكِّنهم من إرساء المساواة بدرجة أكبر بما يلي:”إنكم  لَتسِيرون رأسا صوب السديم والعماء المطلق إن شرعتُم تشكِّكُون في مواقع هؤلاء وأولئك بكيفية جدرية، باسم تصور بعينه للعدالة  وهو تصور مهما استند إلى التعاطف، فإنه  لن يكون موضوع  إجماع أبداً.” وعندما تصل جماعة عسكرية إلى إحكام قبضتها على النظام و تتحالف مع جماعة تسْتحوِذ على الثقافة المكتوبة والثقافة الدينية، عندها تقترح نموذجا للاستقرار.  لابد من أن يكون المرء متحِّفزاً  للمساواة  بشكل كبير حتى يُعارض هذه الحُجة ويركب مغامرة العوْدة إلى الكاوس أو السّديم. وكان من اللازم علينا في نهاية المطاف انتظار حلول القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر من أجل اقتراح تجارب جديدة أدت في  نهاية المطاف  إلى إضفاء الطابع المقدَّس على نزعة التَّملك la sacralisation propriétariste .  إن التاريخ ليس كما كتب كل من ماركس وانجلز تاريخَ صراعِ الطبقات فحسب،  ولكنه  كذلك تاريخ تعَلُّم تدريجي للعدالة يمُر عبر صراع الإيديولوجيات، غير أن الموقف الاشتراكي مهما كانت أهميته ليس بالكافي لأجل بناء نظرية حول الملكية والحدود والضريبة والتربية. والحال أن هذه الإيديولوجيات يكون لها على الدوام  في كل حقبة تار من التاريخ حضُّها من المعقولية ونصيبُها من الأنانية.

  • وما الذي يحدث في المراحل الثورية؟

نجد نفس الحجة داخل المطارحات الخاصة بالثورة الفرنسية،  فما تمت المطالبة به هو إلغاء الامتيازات، لكن ما هي هذه الامتيازات تحديدا؟ لقد استمر الفلاحون في أداء واجب أعمال السُّخرة للسادة، بمعنى أداؤهم لأيام عمل دون أجر، وهو ما كان يتِمُّ في الوقت الذي كان فيه الرِّق قد اختفى رسميا من أوربا الغربية.   بالنسبة لبعض الثوريين من اللازم إلغاء هذه الأعمال ومحْوُها دون أداء تعويض للسيد،  لأن الأمر يتعلق بامتلاك غير مشروع، غير أن ما سيفرض نفسه هو رؤية مختلفة بالكامل تذهب إلى أن أعمال السّخرة ليست بالمختلفة في العمق عن العمل مقابل أجر. وإذا ما نحن أقدمنا على التشكيك فيها بأجمعها، ألن يكون عندها من اللازم التشكيك في مجموع علاقات الملكية ومساءلتها؟ تلك هي حجة صندوق باندورا… وهو ما يدل على أن الثورة الفرنسية لم تلغِ التفاوت أو عدم المساواة،  بل عملت على إعادة صياغتها وتشكيلها داخل لغة جديدة قائمة على تقديس الملكية La sacralisation de propriété، وتجارب القرن العشرين يمكن أن تفيد كدليل لأجل إعادة التفكير في المساواة فمع المسافة التي صرنا نتوفر عليها اليوم، يمكن أن نعتبر، على سبيل المثال،  أن معدلات  فرض الضرائب يمكن أن ترتفع  إلى نسبة 80 %أو90 %    على من هم أكثر غنى، وهي المعدلات التي تمَّ تطبيقها بالولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الممتدة  من 1930 إلى 1980 من القرن العشرين وكانت لها نجاحات باهرة. فهذه التجارب تظهر بأنه ليس محكوماً علينا بتقديس عدم المساواة أو التفاوت.  لذلك أجدني بالأحرى أدنى إلى التفاؤل عندما أرى أشكالا من التقدم تتحقق على الرغم من كل مخاطر الارتكاس والتقهقر و مراحل الانطواء والانغلاق  الهُويَّاتي.  يبقى التقدم  في اتجاه المزيد من العدالة وفي اتجاه شكل للاشتراكية التشاركية  وللفيدرالية الاشتراكية العبر وطنية أمرا ممكنا، وأنا على اقتناع بقدرتنا، ارتكازا إلى العِبر والدروس المستفادة من التاريخ،  على تجاوز الرأسمالية و الملكية الخاصة عبر  تعويضها بالملكية الاجتماعية و المؤقتة.

  • هل في إمكاننا إرساءُ المزيد من المساواة دون استخدام  وسائل غير ديموقراطية؟

نعم، إن ما يهمني ليس هو معرفة ما إذا كان التغيير سيتحقق عن طريق الانتخاب أو بواسطة مساء ثوري عظيم، بل أن نتناقش ونتطارح الكيفية التي سنُنَظِّمُ وفقا لها المجتمع في صباح اليوم الموالي؛ ففي سنة 1917 لم يفكر الشيوعيون بروسيا  على نحو حقيقي في وسائل إرساء العدالة؛ لأن ديكتاتورية البروليتاريا لا تشكل برنامج عمل. فالأسئلة التي تفرض نفسها هي: ما البروليتاريا؟ كيف السبيل إلى اختيار البروليتاري القائد؟ كيف ننظم علاقات الانتاج والملكية داخل المقاولات الصغيرة؟

من جهتي أفضل أن تتم صياغة برنامج لاشتراكية تشاركية واشتراكية ذات نزعة فيدراليةsocial  -fédéraliste   تتأسس على التشاور أو التداول الجماعي، بل يمكننا الذهاب أبعد على مستوى التدبير والتسيبر التشاركي من خلال  اقتسام حق التصويت بين الأجراء وأصحاب الأسهم أو المساهمين الذي يتم تطبيقُهُ بالمقاولات في كل من ألمانيا والسويد. وهو ما يمكننا تحقيقه في فرنسا مع وضعنا سقْفا لأصوات كبار المساهمين.

كما يمكننا السير في اتجاه الملكية الاجتماعية والمؤقتة، ويمكننا الذهاب أبعد على  مستوى تجارب الضريبة التدريجية على الدخل وعلى الإرث و الملكية؛ بحيث يمكن وضع نظام للضريبة السنوية على الملكية  وهي الضريبة التي ستتقلص إلى أقصى حد بالنسبة للملكيات الأضعف، لتصل إلى مستوى 0,1% وهو ما سيكون أضعف مما  يُعفى منه الناس اليوم في الضريبة على العقار.  وبالمقابل بالنسبة للملكيات التي  تصل مليارات عديدة من الأورو، اقترح ضريبة تدريجية على الملكية تكون أكثر أهمية؛ بحيث تتدرج كما يلي:50% ، 60%، 90%. والمقياس المقترح  سيعمل على وضع حد لعمليات  الحصول عن طريق الإرث على العديد من المليارات الأورو أو على الكثير من مئات الملايين من الأورو، لكنه سيترك المجال أمام امتلاك ممتلكات في حدود عدة ملايين من الأورو والعشرات من ملايين الأورو،  وهو المقياس الذي يمكن وصفه بكل شيء باستثناء كونه راديكاليا. والعائق الأكبر الذي يحول دون جعل هذه  المقاييس والإجراءات ممكنة الاعتماد والتَّبني  ليس هو قوة إزعاج النُّخبة التي ترفضها- حتى و إن كان رفضها يلعب دورا مهما-  بقدر ما هو اكتساب الدائرة الاقتصادية لاستقلالية مفرطة ومبالغ فيها. فلماذا ترك المؤرِّخُون والصحفيون والمواطنون الاقتصاد للاقتصاديين الذين يدَّعُون خبرةً لا يمتلكونها؟  والحال أن  الاقتصاد ليس من   مجال الميكانيكا الكوانطية أو ميكانيكا الكم ! بل هو من التاريخ ومن العلوم الاجتماعية وكل واحد يمكنه، بل من الواجب عليه  امتلاك فكرة عن مواضيعه والعمل على تملُّك أسئلته ومشكلاته.

  • كيف يمكن إرساء هذا البرنامج ؟

لابد من الإشارة أولا إلى أن مثل هذه المبادرات سبق أن وجِدَت  داخل سياق ديموقراطي  بشكل كامل، وخصوصا في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية طيلة القرن العشرين، كما أنني أومن من جهة أخرى بقوة الأفكار والكتب والإيديولوجيات. وفي الختام آمُلُ أن يتِمَّ إقامة ذلك وإرساؤه في إطار تشاورٍ وتداول موَسعٍ إلى أقصى حد  وديموقراطي بدرجة كبيرة أكثر مما نراه اليوم. إن غاية ما حاولت القيام به هو فقط بسط سُبُلٍ، على أساس التجارب التي رأت النور بالفعل والتي لا تَكُون معروفة إلا قليلا أو تَتمُّ إساءة معرفتها أو نسيانها، سُبُلُ تُمَكِّنُنا من السير أبعد في اتجاه تجاوز الرأسمالية والملكية الخاصة.

******

[1] Thomas Piketty. Aux origines de l’inégalité, propos recueillis par Michel Eltchaninoff, Philosophie  magazine,n°133 octobre2019.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This