ثلاثة دروس من زمن الوباء

  ألفان وعشرون ميلادية، سنّة المرض والحزن، سنّة اللّعنة الّتي حلّت على الأرض. لو كنا نحمل تفكيراً قروسطوياً لتساءلنا عن ذنوبنا الّتي سببت هذا الوباء ـ اللّعنة. لربّما طارد رجال الدّين Clergies سحرة هذا العصر وأحرقوهم في السّاحات العامّة قرباناً إلى الربّ وتوبةً إليه.

لا أحد يستطيع أن يقول إن سنّة ألفين وعشرين كانت سنّة جيدّة، إلا الأقلية التي استفادت اقتصادياً من معاناة المرضى، أو استغلت ظروف الوباء للتحرر من التزاماتها الّتي أبرمتها قبل حلول الكوفيد التاسع عشر! كثيرون فقدوا عملهم، مرضوا، اقتربوا من المـوت، توقفت خططهم المستقبـلية. ولا أحد بمقدوره أن ينسى بسرعة، أو بسهولة، هذه السّنّة الكئيبة جدّاً، فمن منا لم يفقد أحد أفراد أسرته، أو أحد جيرانه، أو زملائه، أو معارفه… وهذا الفقد الكبير لن يمحى من ذاكرتنا بين ليلة وضحاها، فكلّ فقد يظلّ جرحاً لا يندمل.

ورغم أننا تحررنا قليلاً من التّفكير القروسطوي، إلا أن عقلنا الإنسانيّ لازال كثير الوقوع في الخطأ، أو في المغالطات الشائعة، فنحن، على سبيل المثال، ربّما نظنّ واهمين أنّه بمجرّد حلول السنّة الجديدة سوف يختفي الوباء، أو أن اللّقاح المنشود سيمكننا من التغلب على الموت الّذي يتربص بنا في كلّ مكان. والحقّ؛ أن الفيروس المسبب للوباء لا يعرف  الزّمن كما نعرفه، بل ما يسعى إليه، ككلّ الكائنات الحيّة، هو البقاء، وإن على جثثنا، نحن ” المخلوقات المكرمة” الّتي أمر الله أن تجسد لها الملائكة. “وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين” الآية.

لعلّ أغلبنا يعيد ترتيب أوراقه في نهاية كلّ سنّة، ولعلّ سؤال هذه السنّة هو ما الدروس الّتي تعلمناها من المرض والحجر؟ هل يمكن أن نستخلص الحكمة من سنّة الوباء هذه؟ إن الإنسان مجبول على التعلم من تجاربه، خاصّة التّجارب القاسيّة، وهل هناك أقصى من تجربة العيش في زمن الوباء؟

يظلّ الفيلسوف يبحث عن الحكمة في كل وقت وحين، بل في أزمنة المعاناة يبحث عنها أكثر، يبحث عن أجوبة تريحه، وتخفف عنه جحيم الأسئلة الكثيرة الّتي لا يجد لها جواباً. قبل الوباء، كان الكثير من النّاس يعيشون في راحة، كانوا يسافرون، يخرجون للمقاهي، يتواعدون … ويعيشون الحياة كما يجب أن تُعاش، أعني بفلسفة ” اغتنم اليوم ” Carpe diem “، كانوا يتحكمون بحياتهم، ككلّ عقلاني سعيد مؤمن بفكرة التّقدم والنّظام، أو وجودي مؤمن بأن الإنسان يصنع ماهيته ومستقبله. غير أن الوباء قلب كل شيء، وأخرجنا من منطقة الراحة، إلى منطقة السّؤال، أو من منطقة الإيمان المطلق بالإنسان المُخير، الّذي يتحكم في حياته، ويقوده عقله إلى النظام، إلى الإنسان الحائر، القلق، المهموم، الذي يحمل أسئلة لا يجد لها جواباً. فقد اكتشف مجدداً أنه لا شيء أمام قوّة الطبيعة، أنه ليس سوى غبار النجوم، ليس سوى فأرة في السّفينة الّتي تحدث عنها الدرويش التّركي في جوابه عن أسئلة كانديد Candide المتفائل بالإنسان الذي يعيش في أجمل العوالم الممكنة [*].

أوّل الدّروس الّتي تعلمناها إذن هي أننا أكثر ضعفاً ممّا نعتقد، وأن الموت يتربص بنا خلف الأبواب، وفي الشوارع والأزقة وفي المقابر أيضاً … ومّا أصدق الشّاعر المغربيّ الّذي قال:

“(…)

وأكتشف الموت يرصدني في الممر..

ويطرق بابي في مكتب، أو يتابعني في الرصيف” [**]

صحيح أن الإنسان له قدرة عجيبة على التّكيف، وعلى التحمل والصّبر على الشدائد، إلا أن الإيمان السّاذج بالإنسان وبقدراته ينسينا حقيقة ضعفنا وهشاشتنا. غير أنه لا ينبغي، مع ذلك، أن نستسلم، كما يستسلم الرواقي Stoic الكئيب للقدر، لأننا لسنا ريشة تتقاذفها الرياح أيضاً، فالقول بضعفنا وعدم قدرتنا على التحكم في حياتنا، لا ينبغي أن يسقطنا في الدروشة والاستسلام للواقع القاسي. فطالما يمتلك الإنسان الإرادة، فإنه لازال يقاوم ما لا يستطيع فهمه والتحكم فيه.

الدّرس الثاني الّذي تعلمناه من الوباء هو أن الألم جزء لا يتجزأ من الحياة، وأن خروجنا من منطقة الراحة والسكينة أدى بنا إلى النّضج، الذي يلزمنا بأن نتحمل، وأن لا نقع في الإحباط، فرغما أن الحياة تراجيديا، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى أدبي وميثولوجي، فإنّه في التراجيديا متعة ما، وإن كانت عابرة، أو قصيرة، لذا علينا أن نحمل فكراً لا تصيبه الخيبات بالفشل، وأن نستفيد من الخيبة كمصدر للتعلم. ونحن كما قال أحد الفلاسفة الأوائل لا نتأثر بالأحداث بقدر ما نتأثر بتصوراتنا عنها. فأحداث الحياة ليست بشر ولا بخير، إلا أن عواطفنا وتصوراتنا وإحساسنا بها هو ما يضفي عليها المعنى السلبي أو الإيجابي، أو هو ما يجعلها تراجيديا أو ملهاة، فتغيير ما نحن مؤمنون به يمكن أن يؤدي إلى تغيير واقعنا، فالحياة السعيدة أو الحزينة لا توجد إلا في العقل الذي يخلق ما يشاء من المعاني.

الدرس الثالث الّذي تعلمناه هو أن عدو الإنسان ليس هو الإنسان، وإنّما هو كائنات مجهرية، وربّما في المستقبل كائنات من مجرات أخرى، وأن الحياة قاسية، ورحلة مجهولة في الزّمن، مليئة بالمرض والفقد والحزن والموت، وأنّه ينبغي أن يكف الإنسان عن أذية غيره بالإهانات والتّنمر والاستبداد والقهر والقمع .. وبالحرب كأبشع شيء. فالإنسان ينبغي أن يكون طبيباً لأخيه الإنسان، مواسياً له، لا ذئباً له Homo homini lupus كما قال هوبز في عبارته المتشائمة من الطبيعة البشريّة.

هذه إذاً ثلاثة دروس أو عبَر من زمن الوباء. ربّما تكون بعض هذه الدّروس معروفة أو بديهيّة، ولكننا نسيناها في زخمة الحياة اليوميّة العادية، فجاء الوباء ليذكرنا بالبديهيات، بأننّا كائنات فانيّة، وأن هادم اللّذات قريبٌ جدّاً منا.

ولكم ننسى البديهيات !

******

هوامش وحواشي:

* في رواية الفيلسوف الفرنسيّ فولتير Voltaire الشهيرة “كانديد” حوار دار بين درويش تركيّ وبانغلوس وكانديد المتأثر بأطروحة الفيلسوف واللاهوتي الألمانيّ ليبينز حول أجمل العوالم الممكنة، وهي أطروحة تتلخص في كون العالم الذي نعيش فيه هو أفضل عالم ممكن، وبعبارة تراثية عربيّة ليس في الإمكان أفضل ممّا كان، أي أفضل من هذا العالم. الحوار:

” وكان في الجوار درويش مشهور جدّاً، يُعرفُ بأنّه الفيلسوف الأفضل في تركيا؛ فذهبوا لاستشارته؛ توجه بانغلوس إليه بالكلام. وقال: سيدي، جئنا نسألك أن تخبرنا لماذا خلق حيوان غريب كالإنسان؟ فقال الدرويش: ـ وما يعنيك في هذا الأمر؟ هل هذا من شأنك؟ فقال كانديد: لكن، أيّها الأب الموقّر، هناك شرٌّ كبير على الأرض. فقال الدرويش: وإن يكن، وإن كان هناك شرّ أو خير؟ عندما يرسل عظمة السلطان سفينةً إلى مصر، هل يهتمّ ما إذا كانت الفئران الموجودة على السفينة مرتاحة أم لا؟ فقال بانغلوس: ـ إذاً ما العمل؟ فقال الدرويش: عليك بالسكوت. فقال بانغلوس: كنت آمل أن أناقش قليلاً مع حضرتك بعض النتائج والأسباب، في خير العوالم الممكنة، ومصدر الشرّ، وطبيعة الرّوح والانسجام المسبق. لدى سماع الدرويش لهذه الكلمات، أغلق الباب في وجههم.” انظر: فولتير، كانديد أو المتفائل، دار ومطبعة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى، ص ص: 295 ـ 269.

** من قصيدة تروبادور، للشاعر المغربي عبد الله راجع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This