في السّياسة الاجتماعيّة؛ الجزء السّابع: منظّمات المجتمع المدني

رغم الدور الغامض الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني والتداخل الملتبس في أنشطتها، يمكن تصنيف هذه المنظمات بين منظمات تكوّن أطرا للمشاركة العامة في مواجهة مشاكل اجتماعية واقتصادية والمساهمة في تأمين الخدمات والرعاية ومنظمات تساهم في أنشطة الدعوة العامة والمراقبة والمناصرة؛ حول قضايا وسياسات انمائية معينة، ومنظمات تنخرط في الدفاع عن حقوق الإنسان السياسية والمدنية وحقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة وغيرها من الفئات المحرومة من حقوقها. وتتداخل اهتمامات منظمات المجتمع المدني باهتمامات السياسة الاجتماعية من خلال عمليات التصميم والتنفيذ والمتابعة وتقييم الأداء.[1]

حسب تعريف البنك الدولي، يشير مصطلح المجتمع المدني إلى: “مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية”.[2] ومنظمات المجتمع المدني: “مجموعة عريضة من المنظمات، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري.”

وعليه فإن المنظمة غير الربحية يجب أن تحقق الشروط التالية:

  1. غير هادفة للربح المادي Non profitable.
  2. غير حكومية Non Governmental.
  3. غير حزبية Non partisan.
  4. غير عنفية Non violent.
  5. غير عائلية Non Family.[3]

            تهتم السياسة الاجتماعية بمواجهة المشكلات الاجتماعية وتحقيق التقدم نحو الأهداف العامة، ومع ازدياد المشكلات الاجتماعية وتعقدها وتراكمها، وتعدد مستوياتها واتساع عدد المتأثرين بها، كمشاكل الفقر وتدني الاستفادة من خدمات التعليم والصحة.. تطلب الأمر التعامل مع مؤسسات تمتلك المعرفة والتخصص والموارد وتعتمد على أساليب الإدارة السليمة لإدارة عمليات التغيير وتأمين الخدمات العامة. فلم يعد مقبولا في الوقت الحالي الاقتصار على النخب والخبراء في الحكومات في وضع عمليات السياسة الاجتماعية وتنفيذها. بل صار لا بد من إعادة النظر في أساليب وضع هذه السياسات والأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالمشكلات. وهذا لا يعني تشتيت صلاحيات الحكومة بل التعاون بين جميع الجهات للوصول إلى التوافق العام لوضع السياسة الاجتماعية.

إن الموارد التي تملكها الحكومات لهاد دور هام في مواجهة المشكلات الاجتماعية، وتصبح أكثر فاعلية عندما تخضع للمراقبة والمسائلة والاستجابة للحاجات الحقيقة للناس؛ وهو ما تستطيع منظمات المجتمع المدني توفيره. وتتراوح المساهمات التي يمكن لمنظمات المجتمع المدني المساهمة فيها في السياسة الاجتماعية الحكومية، من إدارة الأعمال إلى التجارة والجمعيات الاقتصادية والمهنية، وحتى دعم التحول الديمقراطي ومراقبة عمليات الانتخابات وإعداد استطلاعات الرأي العام حول الأداء الحكومي؛ وحتى تعزيز دور الإعلام كمصدر للمعلومات في المشكلات التي تتصدى لها السياسة الاجتماعية، وطرق آليات التنفيذ والبرامج والمشاريع المنفذة.. وحتى طرح قضايا متعلقة بحرية الإعلام ودوره في الشأن العام، خصوصا أن احدى أهم مشاكل المجتمعات في الشرق الأوسط هو الاستقرار السياسي، وبالتالي تؤدي منظمات المجتمع المدني دورا في تسهيل التسويات من خلال توفير المنابر الحوارية؛ وهو ما ينعكس على التوافق في مواضيع السياسة الاجتماعية أيضا.[4]

مراحل عمليات السياسة الاجتماعية حسب “الإسكوا”:

  1. مرحلة تحديد المشكلة والإمكانيات: وقد تساهم منظمات المجتمع المدني هنا في تسليط الضوء على المشكلة، وعرض الخبرات لديها.
  2. مرحلة تحديد القضايا بحسب أولوياتها: وتساهم منظمات المجتمع المدني هنا بتوفير المعلومات من خلال مراكز البحوث.
  3. مرحلة وضع القضايا على الأجندة العامة: وفي حال كانت الأنظمة الحاكمة هنا تسمح فسيكون لمنظمات المجتمع المدني دور في تمثيل مصالح الفئات التي تدافع عنها.
  4. مرحلة تحديد الأهداف والغايات: وهنا يجب على منظمات المجتمع المدني التدخل من أجل تحديد الأهداف التي ستقوم بمراقبتها وتقيمها ضمن مشاريع وبرامج السياسة الاجتماعية.
  5. مرحلة وضع الحلول البديلة وتقييمها: ويمكن الاستعانة هنا بمراكز الأبحاث ولا بد من في هذه المرحلة من تدخل منظمات المجتمع المدني من أجل تطبيق المعايير على البدائل.
  6. مرحلة اختيار البدائل: تساهم منظمات المجتمع المدني هنا بتوفير الموارد المالية والبشرية للمساهمة في مواجهة المشكلات الاجتماعية.
  7. مرحلة تنفيذ البدائل المختارة: وتساهم منظمات المجتمع المدني هنا بالموارد المالية والبشرية المتخصصة وبرامج التقييم والمتابعة والمعلومات والاستشارات والتنسيق.
  8. مرحلة المتابعة والتقييم: يساهم تدخل منظمات المجتمع المدني في توفير شروط المتابعة والتقييم وتحقيق أهدافها وقياس أثرها.[5]

وتساهم منظمات المجتمع المدني في السياسة الاجتماعية من خلال بعض التداخلات، مثل: توفير المعلومات ونشرها – التوعية بشأن قضايا التنمية الاجتماعية وسياساتها – تبادل الخبرات والتجارب الناجحة – تحديد المشكلات والإمكانيات ووضع الأولويات على الأجندات العامة للحكومات – المساهمة في دعم برامج الخدمة العالمة – تعبئة الموارد وحشد الطاقات وتنسيق الجهود بشأن الأهداف العامة للسياسة الاجتماعية – المساهمة في قضايا الاصلاح والتحول الديمقراطي – إعداد التقارير بشأن القضايا الاجتماعية والسياسات المعنية بها. [6]

تعتمد مجالات عمل منظمات المجتمع المدني وقت الطوارئ عادة على الاحتياجات التي يتطلبها المجتمع وغالبا ما تكون احتياجات المجتمع مقسمة حسب هرم التدخلات في الدعم النفسي الاجتماعي للمجتمعات المتأزمة إلى أربعة مستويات، وهو هرم مستوحى من هرم الاحتياجات لـ”ماسلو”.

– حيث يكون المستوى الأول وهو مستوى الحاجات الأساسية والأمان، ويتضمن: الإجراءات الإنسانية الأساسية التي تلبي الاحتياجات الأساسية للإنسان، كالمأوى والطعام والشراب، والمعونة الطبية والنظافة والبيئة الآمنة.. ويجب أن تكون الخدمات مراعية لكرامة الشعب، وثقافته.

– والمستوى الثاني هو مستوى دعم الأسرة والمجتمع، حيث يشمل: إعادة بناء العلاقات والشبكات الاجتماعية ولم شمل الأسر والأطفال بذويهم، وحماية الطفل والنساء المعنفات، وإقامة الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، والطقوس والشعائر التقليدية، وتقديم العون النفسي الأولي، ودعم المجموعات النسائية والشبابية والتدريبات المهنية والتعليمية..

– والمستوى الثالث هو الدعم المركز غير المتخصص، ويتضمن: مجموعات أصغر تحتاج إلى تدخل إضافي، سواء على الصعيد الفردي أو كمجموعة أو أسرة، كدعم الناجيات والناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويشمل الإسعاف النفسي الأولي والرعاية الصحية النفسية الأولية.

– والمستوى الرابع وهو الدعم المتخصص، ويتضمن: الدعم المقدم لأفراد لديهم مشاكل عقلية ونفسية واجتماعية تعوقهم عن ممارسة حياتهم الطبيعية وتسبب لهم معاناة كبيرة، ويتم تقديم العناية النفسية المتخصصة لهم، وإحالتهم إلى الجهات الأخرى الداعمة كالقانون والأمن والمراكز لمساعدتهم في علاج مشاكلهم.[7]

استنادا إلى ذلك وبالعموم يمكن شمل الأنشطة التي تقوم بها المنظمات المدنية على النحو التالي:

            أنشطة الإغاثة: هي كل الأنشطة التي تندرج ضمن (الصحة، خدمات المياه والصرف الصحي والعناية الصحية، المواد غير الغذائية، المأوى، تنسيق وإدارة المخيمات، التغذية، التعليم، الأمن الغذائي والمعيشة، الزراعة، المساعدات المبنية على النقد، الحماية: حماية الطفل والحماية من العنف المبني على النوع الاجتماعي، التدخلات من أجل مكافحة الألغام والبحث والإنقاذ، حقوق الإنسان، التعافي المبكر والتنمية، اللوجستي).

            الأنشطة غير الإغاثية: تطوير القدرات وتمكين منظمات المجتمع المدني، بناء السلام، الحكم الرشيد، حكم القانون، الإعلام[8].

إن تدخلات السياسة الاجتماعية التقليدية مصممة بشكل عام من أجل ضمان وصول مجموعة من السلع والخدمات لتعزيز الرفاهية وتحقيق أهداف محددة اجتماعيا؛ والحد من انعدام الأمان والتأمين ضد المخاطر . لكن السياسة الاجتماعية في دول الجنوب “جنوب الكرة الأرضية” تفشل بشكل عام في تلبية الاحتياجات الاجتماعية، وقد يكون ذلك بسبب نقل التجارب والمفاهيم والبرامج غير الصحيحة من دول الشمال إلى الجنوب، مما ينتج أدوات وتدخلات تعكس الأولويات الشمالية بدلا من الحقائق والاحتياجات المحلية. وغالبا ما افترضت عمليات نقل أهداف وبرامج السياسة الاجتماعية وأدواتها إلى الجنوب مجموعة من الاحتياجات لا تتطابق مع الواقع المحلي. ورغم إظهار أن ندرة الموارد في كثير من الأحيان هي العائق الرئيسي أمام إضفاء الطابع المؤسسي على السياسات الاجتماعية الشاملة في البلدان الفقيرة، إلا أن تخصيص الموارد وتوظيف السياسات الاجتماعية يعكسان على الدوام مصالح وأولويات صانعي السياسات الحكومية المركزية، ومقدمي الخدمات المالية و الدعم التقني (المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة).. والنتيجة ظهور فجوة بين الاحتياجات والأولويات الفعلية لأولئك المستهدفين أو المتلقين للمساعدات الاجتماعية أو قدرة الأفراد والأسر على الوصول إلى هذه الخدمات من ناحية، والخدمات المقدمة من جهة أخرى. وهذا كله يقع على عاتق المراقبة والتقييم والأدوات التي يتم من خلالها رصد الاحتياجات الاجتماعية ووضع الخطط لتلبيتها. [9]

حيث تعتبر عملية المراقبة والتقييم، من العمليات الأساسية والضرورية في أي مشروع أو برنامج أو منظمة وحتى أنها تطال كل مناحي الحياة؛ فإنها تبدأ منذ المرحلة البدائية للمشروع أي قبل البدء به، وتسمى هذه المرحلة تقييم الاحتياج وتبرير وتحديد المشروع، ومن ثم تدخل في مقترح المشروع، حيث يجب أن يكون الاقتراح بالتشاور مع فريق المراقبة والتقييم، لأنه سيضع الخطط الخاصة به وفقا للأهداف والمعايير والمراحل التي سيقوم بمراقبتها وتقييمها؛ وفي مرحلة التخطيط والتصميم، وهي المرحلة التي يصمم فيها أدواته؛ وبعدها في مرحلة التنفيذ، حيث يراقب سير العمليات المنجزة وفق خطة العمل، ويقيم الجودة للمنتجات والعمل، ويرفع التقارير إلى الإدارة والمانحين، وبعدها في مرحلة إغلاق المشروع أو البرنامج، حيث يقوم بجرد كامل لكل الوثائق والأدوات وغيرها من النقاط ويساهم في كتابة التقرير النهائي للمشروع؛ ويستمر أيضا هذا القسم في عمله حتى بعد إغلاق المشروع أو البرنامج ربما لسنوات لقياس أثر المشروع المنجز. إذا هو عملية تبدأ قبل المشروع وتستمر بالتوازي معه وتنتهي بعد انتهائه. [10]

على هذا الأساس يمكن القول أن منظمات المجتمع المدني هي لاعب مهم وقد يكون أساسي في عملية تلبية الاحتياجات الاجتماعية التي تتصدى لها السياسة الاجتماعية. وتحديدا عند وجود ثغرات لدى الحكومات في هذا الجانب كنقص التمويل أو غياب الخبرة التقنية والبشرية، وحتى الإمكانات اللوجستية، أو المشكلات السياسية والكوارث. تعميم التجارب من مجتمع لمجتمع أخر قد لا يعبر عن احتياج المجتمعات المستهدفة، وقد يكون هناك تلاعب من قبل المراقبة والتقييم في تحديد هذه المشكلات، حتى لا يتم حلها، وبالتالي تبقى مصدرا للرزق. وهذا يبدو واضحا في طلبات المانحين وتحكمهم في البرامج والمشاريع التي يمولوها أو يعلنوا عنها.

******

[1] ESCWA، منظمات المجتمع المدني في متابعة السياسة الاجتماعية وتقييمها في بلدان الإسكوا، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، 30/6/2011. ص2.

[2] البنك الدولي، تعريف المجتمع المدني ومنظمات المجتمع المدني، http://go.worldbank.org/  ، 2019.

[3] Turke – OCHA، منصة منظمات المجتمع المدني السورية، حول منصة منظمات المجتمع المدني السورية، www.ocha.org ، شباط، 2019.

[4] ESCWA، نحو سياسات اجتماعية متكاملة في البلدان العربية، اطار وتحليل مقارن، الأمم المتحدة، 2005. ص25.

[5] ESCWA، منظمات المجتمع المدني في متابعة السياسة الاجتماعية وتقييمها في بلدان الإسكوا، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، 30/6/2011. ص-ص 8-10.

[6] المرجع السابق. ص-ص 10-26.

[7] حداد، لينا، وآخرون، هرم التدخلات في حالات الطوارئ، الباحثون السوريون، https://www.syr-res.org/ ، 19/8/2016.

[8] Turke – OCHA، منصة منظمات المجتمع المدني السورية، أعضاء منصة منظمات المجتمع المدني السورية، www.ocha.org  ، تموز، 2016.

[9] Devereux, Stephen, Cook, Sarah, “Does Social Policy Meet Social Needs?” https://core.ac.uk/, IDS, Bu11etin, Vol 31, No 4, 2000. P-p 64-68.

[10] PM4NGOs, “A Guide to the PMD Pro: Project Management for Development Professionals”, PM4NGOs, Version 1.6 January 2013. P-p 56-65

******

المراجع العلمية:

  1. البنك الدولي، تعريف المجتمع المدني ومنظمات المجتمع المدني، http://go.worldbank.org/ ، Turkey ، 2019.
  2. حداد، لينا، وآخرون، هرم التدخلات في حالات الطوارئ، الباحثون السوريون، https://www.syr-res.org / ، 19/8/2016
  3. ESCWA، منظمات المجتمع المدني في متابعة السياسة الاجتماعية وتقييمها في بلدان الإسكوا، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، 30/6/2011.
  4. ESCWA، نحو سياسات اجتماعية متكاملة في البلدان العربية، اطار وتحليل مقارن، الأمم المتحدة، 2005.
  5. OCHA، منصة منظمات المجتمع المدني السورية، الأسئلة المتكررة، ocha.org ، تموز، 2018.
  6. OCHA، منصة منظمات المجتمع المدني السورية، حول منصة منظمات المجتمع المدني السورية، ocha.org ، شباط، 2019.
  7. Devereux, Stephen, Cook, Sarah, “Does Social Policy Meet Social Needs?” https://core.ac.uk/, IDS, Bu11etin, Vol 31, No 4, 2000.
  8. PM4NGOs, “A Guide to the PMD Pro: Project Management for Development Professionals”, PM4NGOs, Version 1.6 January 2013.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This