محمد البشير شنيتي.. تحرير تاريخ الجزائر من المدرسة الفرنسية / بوعلام رمضاني

قَضى المؤرخ محمد البشير شنيتي (82 عامًا) عمره محجورًا، مثل مارسيل بروست، قبل غزوة كورونا بكثير، لإعادة الاعتبار لتاريخ الجزائر القديم جزائريًا وعربيًا، بمنهج الضليع في تخصصه، وليس بدافع عاطفي محض، وتصفية حساب أيديولوجي.
هذا الرجل الفذّ، بإجماع أساتذة جزائريين وعرب وطلبة، لم يِجدوا الكلمات التي تَفِيه حقَّه في حفل تقاعده عام 2017. إنه شخصية استثنائية بكل المعايير، بحكم تداخل صِفاته الأخلاقية والذاتية المُشْرَعة على كوكتيل مَناقِب، بأُخرى علمية وموضوعية جسَّدتها مَسيرةُ عِصامي جاهدَ منذ ريعان شبابه، مُتسلقًا المراتب والمستويات، ومُتخطّيًا كل الحواجز والتحديات كفارس مغوار لا يعرف الاستكانة والتراجع في محيط ثقافي وسياسي لا يُشجِّع المبدع في أي مجال كان.
شنيتي الخبير الذي أَوصل صوتَ الجزائر إلى جامعاتٍ ومحافلَ عربية كخبير، يعيش في حوش المخفي الواقع شرق العاصمة وسط الناس “اللي تحت”، حسب تعبير المسرحي نعمان عاشور، وليس في ضفتها الغربية المخملية، صاحبُ عشراتِ الكتبِ المرجعية في تاريخِ وآثار المغرب القديم، والدراسات والمحاضرات والمشاركات في ندوات عربية ودولية، وموقع مئات المقالات المنشورة في مجّلات ثقافية، وأُخرى متخصصة، ومكوِّن عشرات الطلبة الذين تسلَّموا مشعله الوقّاد بتحولهم إلى أساتذة، ومِن بينهم أولئك الذين حزنوا لفراقه الذي فرضه التقاعد، وتعلموا على يده، ليس كأستاذ وصديق وزميل وأَبٍ، بل كمن يعطي العلم والحبَّ، نظريًا وعمليًا. لم يَتمثَّل تاريُخ مُنجزه العلمي، كأستاذ جامعي، ومسؤول ومؤسس معهد الآثار فقط، بل تعداه إلى المؤسسة التربوية التي زوَّدها بكتبِ مادة التاريخ التي ما زالت تُدرَّس في مختلف المستويات التعليمية حتى هذا اليوم.
الرجل الذي انتزع محبة وتقدير وزراء التربية والأساتذة والطلبة، ورفض لاحقًا منصب وزير، مثله مثل المؤرخ الكبير الراحل، أبو القاسم سعد الله، لا يضاهيه في تجربته إلا هذا الأخير الذي قال لصاحب هذه السطور: (أنتظر حتى ينام الأبناء لأكتب على طاولة الطعام، وعلى إيقاع نباح الكلاب)، و(أضطر إلى السفر للخارج في كثير من الأحيان طلبًا للهدوء والصفاء).

قصة حديث لم يتم
التواضع والزهد والبعد عن الأضواء التي يستحقها عن جدارة، كالراحل سعد الله، والتي تعد ضرورية لوصول رسالته إلى عامة الناس، وليس إلى صفوتهم فقط، حقيقةٌ حالت دون قبوله حوارًا مستفيضًا لـ”ضفة ثالثة”، فقد فشلت في إقناعه فشلًا ذريعًا. ولأنَّ صاحب هذه الكلمات يكفر بالهزيمة، ومجاهد مثل المؤرخ شنيتي، لم يتردّد في إيجاد البديل الذي يعوِّض الحديث المباشر الذي رفضه المؤرخ قائلًا: (لا أريد التحدث عن نفسي وعن كتبي. أريد فقط أن تدرس وتنفع القراء). كان البديل هذه الإطلالة الطويلة التي تطلّبت منا بحثًا في أكثر من وثيقة، وقراءة لبعض كتب المؤرخ شنيتي، الذي انتقل بنفسه إلى مطار هواري بومدين ليسلمني كتبه الأخيرة مؤكدًا: (هذه لكَ للقراءة وللكتابة عنها وليس عني).

“لم يَتمثَّل تاريُخ مُنجزه العلمي، كأستاذ جامعي، ومسؤول ومؤسس معهد الآثار فقط، بل تعداه إلى المؤسسة التربوية التي زوَّدها بكتبِ مادة التاريخ التي ما زالت تُدرَّس في مختلف المستويات التعليمية حتى هذا اليوم”
للأسف الشديد، أَختلف مع الدكتور شنيتي في هذه اللحظة التي أكتب فيها عنه بشروط الصحافة التي لا تَفصِل بينَ دماثته ومساره الشخصي ونفسيته المبهرة، وبين منجزه العلمي الذي يَعرِفه عددٌ كبيرٌ من الأشقاء العرب المتخصصين في التاريخ القديم وفي الآثار.
لا تسألوني عن تأخُّري في الكتابة عن هذا الرجل الاستثنائي، واكتفوا بتفهٌّم حياةَ صحافي يعيش في عاصمة ثقافية تُجبره على التأجيل في كل مرة تحت وطأة تنُّوع واقع فكري وأدبي وفني ليس من السهل القفز على عناوينه الهامة والمتجددة دومًا وأبدًا.

طفولة ومراهقة في عز الاستعمار
الدكتور شنيتي، الذي ولد في السابع عشر من تموز/ يوليو 1939، في مدينة برج بوعريريج، شرقي الجزائر، في عز الاستعمار، ترعرع وسط عائلة مجاهدة زرعت فيه حب الوطن في سِنِّ الربيع، وهي العائلة التي قادها والدٌ أرسل ابنه لحفظ القرآن الكريم في القرية التي شهِدت على وحشية استعمار طارد أهلها بكل الوسائل الممكنة، الأمر الذي فرض على الوالد الهروب إلى العاصمة. في العاصمة، وفي حي “لاقلاسيار”، الذي ما زال يعرف شعبيا بهذه التسمية حتى اليوم، تربى البشير في أحضان أجواء عربية إسلامية مثَّلتها المدارس الحرة، وقبِلها الوالد الذي كان يَقتني الكتب التي تتناول قصص التاريخ، ومنها كتب الفتوحات الإسلامية التي كان الاستعمار يمنع تداولها، والصحف التي تتحدث عن مقاومة الاستعمار والكفاح من أجل انتزاع الحقوق الوطنية.
تقول الدكتورة فريدة عمروس، الأستاذة في الآثار في جامعة الجزائر 2، تحت عنوان “لمحات من مسار الدكتور محمد البشير شنيتي”، بمناسبة الملتقى العلمي الذي خصص لأستاذها: (ميله الفطري لأخبار الماضي، غذَّاه البطش الاستعماري، كما أكدت ذلك أحداث الثامن من مايو/ أيار 1945، التي حَفَرت جُرْحًا غائرًا في مشاعر الشعب، وعمَّقَته ثورةُ نوفمبر/ تشرين الثاني التحريرية، وردود فعل الاستعمار الدموية).
عاش المؤرخ شنيتي بكل جوارحه وحشية الاستعمار، وراح وهو مُراهق يطَّلِع على حقائق الأمور قبل أن يُصبح عدوًا علميًا أول من نوعه للمدرسة الفرنسية في مجالي التاريخ والآثار، بعد مسيرة مُبهرة وحافلة بالتحصيل العلمي المتدرج، دارسًا ليلًا، وعاملًا نهارًا، كمعلم، ثم أستاذًا للغة العربية.

“ترعرع وسط عائلة مجاهدة قادها والدٌ أرسل ابنه لحفظ القرآن الكريم في القرية التي شهِدت على وحشية استعمار طارد أهلها بكل الوسائل الممكنة”
شنيتي الذي شَحَذَتْه المدارس الحرة فكريًا وأخلاقيًا، وغرست فيه قيمَ الشخصية العربية الإسلامية، وحصل على الشهادة الابتدائية (دكتوراة تلك الفترة)، باشر في التدريس مباشرة بعد الاستقلال، ضِمن دفعة المعلمين الذين خَضعوا لدورة تدريبية مباشرة بعد نيل الاستقلال الذي رفع رؤوس العرب وهز العالم.

“أنا لا أعرف اللغة العربية”..
شنيتي الشاب الذي اعتمدت الجزائر على أمثاله لتعويض المعلمين الفرنسيين، سمَع صوته في الإذاعة الوطنية ضمن قائمة الناجحين. وتقول طالبته السابقة، الأستاذة عمروس، على لسانه: (لا ينسى أول لقاء بتلاميذ المدرسة الحكومية في أحد الأحياء العاصمية الراقية، ويَومها تعالت أصوات بعض التلاميذ بجملة “أنا لا أعرف اللغة العربية”، عندما كتبَ مُعلمهم الجديد البسملة في أعلى السبورة يوم السابع عشر من سبتمبر/ أيلول 1962).
شنيتي ضرب مَوعدًا مع التاريخ مُبكرًا، بعد فترة قضاها يتعلم بعصامية خارقة، ويُعلِّم تلاميذَ الجزائر المستقلة، ويحصد الشهادات المطلوبة، ظافرًا بشهادة الأهلية عام 1964، ثم شهادة الكفاءة التربوية البكالوريا المعادلة للقسم الأول والثاني عام 1967. العصامي الذي لا يَعرِف التراجع، ولا يخشى التحدّيات، زاد من تسلُّقه العلمي مُعمِّقًا عزمه على قهر المستحيل، ومُزاوِجًا بين التَّعلم والتعليم بطريقة لا يقدر عليها إلا مُجدِّدُ الجدِّ في كل مرة. بعد نيله ثلاث شهادات في التاريخ، ورابعة في الجغرافيا، عام 1970، بعد سنة جامعية عامة، أضاف إلى رصيده شهادة الدراسات العليا عام 1974، بأطروحة في التاريخ القديم عن سياسة “الرومنة في بلاد المغرب”، فالتحق بالجامعة مستفيدًا من استعانتها بأساتذة التعليم الثانوي. توج الأستاذ مسيرته العلمية النادرة بدكتوراة الحلقة الثالثة عام 1981، بأطروحة عن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الروماني، قبل أن يبهر لجنة تحكيم جامعة إكس، أو بروفنس ـAix en provence، عام 1993، بأطروحة دكتوراة دولة في تاريخ وآثار المغرب القديم بعنوان “موريتانيا القيصرية.. دراسة حول الليمس، ومقاومة المور”، تحت إشراف المؤرخ الكبير فيفري، ونال شنيتي الدكتوراة بدرجة مشرف جدًا، مع تهنئة وتوصية طبعها على نفقة الجامعة.

في الفرن وفي المطحنة
وطنية الدكتور شنيتي وغيرَتَه على الطلبة وطيبته وكرمه ونبله هي الصفات التي تركته يتأخَّر عن نيل شهادة الدكتوراة قبل مطلع التسعينيات. الرجل النبيل الذي أفنى حياته، كما سيأتي معنا، لتحرير تاريخ الجزائر من أيديولوجية المدرسة الاستعمارية بعشرات الكتب المرجعية، قضى حياته العلمية علميًا بين الفرن والمطحنة، كما يقول الفرنسيون.

“تعالت أصوات بعض التلاميذ بجملة “أنا لا أعرف اللغة العربية”، عندما كتبَ مُعلمهم الجديد البسملة في أعلى السبورة يوم السابع عشر من سبتمبر/ أيلول 1962)”
وحسب الأستاذة عمروس، طالبته السابقة: (فإنه كان يتنقَّل من الجزائر العاصمة إلى قسنطينة مدينة الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس لتدريس تاريخ المغرب القديم أثناء إعداده دكتوراة الحلقة الثالثة). كان الدكتور شنيتي يعمل في الوقت ذاته كخبير بيداغوجي، ويُدير الدراسات في معهد العلوم الاجتماعية لأربعة أعوام، الأمر الذي أخَّره مجددًا عن التفرغ لدكتوراة الدولة. أخيرًا، وليس آخرًا، وقبل تفرغه للتأليف، أنهى رحلته مع البحث العلمي الجامعي والأكاديمي بدكتوراة دولة تحت إشراف الدكتور مصطفى العبادي، رئيس قسم الحضارة الكلاسيكية في جامعة الإسكندرية، بعد رحيل الأستاذ الفرنسي فيفري، الذي تعرض لنقد طالبه لاحقًا في أحد أهم كتبه، إن لم يكن الأهم، استنادًا لضربه صلب وقلب أصحاب الأطروحات التي كرسها أساطين المدرسة الاستعمارية في التاريخ القديم.
كتاب “أضواء على تاريخ الجزائر”، الذي نَفدَ بسرعة من السوق، من أهم كُتب الدكتور شنيتي القوي بمقاربته العلمية الدقيقة والرصينة، تمكن من رفع اللثام أكاديميًا عن الخلفيات الإيديولوجية التي حفلت بها كتب مؤرخين فرنسيين أفرغوا تاريخ المغرب القديم من البصمة العربية الإسلامية تمامًا، كما فعل المفكر الراحل مالك بن نبي، حينما أهدى الراحل، روجيه غارودي، إلى خطورة فراغ حقيبته الفكرية من هذه البصمة الحضارية العربية.

المهمة الاستعمارية للمؤرخين الفرنسيين

في كِتابه المرجعي المذكور، تناول الدكتور شنيتي التوظيف الاستعماري للتاريخ، وملامحَ البحث الأثري في عهد الاحتلال، وعيوب المنهج، والحوار الحضاري المتوسطي المطلوب، منطلقًا من جُملة من الأفكار المُسبقة التي شكَّلت مسارات رئيسة في دراستهم لتاريخ الجزائر.

“كتاب “أضواء على تاريخ الجزائر” من أهم كُتب الدكتور شنيتي القوي بمقاربته العلمية الدقيقة والرصينة تمكن من رفع اللثام أكاديميًا عن الخلفيات الإيديولوجية التي حفلت بها كتب مؤرخين فرنسيين أفرغوا تاريخ المغرب القديم من البصمة العربية الإسلامية تمامًا”
وبدأ بموقف ستيفان غزيل/ Gsell (1864 ـ 1932)ـ الذي تأسَّف على خطأ الكنيسة الأفريقية التي لم تعمل على ترسيخ الدين في قلوب الأهالي، كما فعل الإسلام من أجل إكمال الوحدة الدينية واللغوية واللاتينية وتَمتِينها بصورةٍ لا يمكن فصمها على حد قوله. البدو الرحل كما وصفهم (الهلاليون)، (انقضوا على أفريقيا انقضاض الذئاب ينشرون لغتهم العربية خلال القرن الحادي عشر في الريف الأفريقي، وهو ما صعَّب على الفرنسيين فتحَ البلاد، خلافًا للرومان الذين أخضعوا الأرياف للاستيطان).
على خطى غزيل، راح إيميل فيليكس غوتييه (1864 ـ 1940) يَنفي الكيان الوطني الجزائري عبر التاريخ الذي يعد في نظره تاريخ أنظمة أجنبية متتالية. وأكد غوتييه على نشر الجندرمة (الدرك) في الأرياف: (لأن البدو لا يستطيعون أن يكونوا خطرًا على الاستغلال الزراعي إذا توفر الجندرمة، وجندرمة نوميديا الرومانية في نظر غوتييه كانوا جنود الفرقة الثالثة الأوغسيطية التي كانت تعسكر بلامبيز، وهي التسمية الاستعمارية السابقة لتازولت القريبة من مدينة باتنة التي تقع في قلب الأوراس على بعد 425 كلم جنوب شرقي الجزائر العاصمة).
أوجين ألبرتينيه (1880 ـ 1941) كرَّس توجُّهَ غوتييه الذي طالب بانتهاج القوة والجبروت على الطريقة الرومانية، وفي تقديره، لم يتواصل ربط الضفة الجنوبية من المتوسط في أوروبا الغربية، بسبب الفتح الإسلامي الذي قطع شمال أفريقيا عن ماضيها، وأعاده الفتح الفرنسي الذي أدخل الجزائر ضمن البلاد المتحضرة على حد قوله.
وليام مارسيه william marçais (1872 ـ 1956) المستشرق، اعتبر، حسب المؤرخ شنيتي، الفتح الإسلامي لبلاد المغرب عملًا غير طبيعي، كما اعتبر كريستيان كورتوا Christian courtois (1912 ـ 1956) أن الغزو الوندالي لشمال أفريقيا قد أحدث خللًا في تسلسل التاريخ الأفريقي، وتاريخ المغرب، هذا الاعتبار ليس سوى تاريخ للتعاقب الأجنبي، وتواصُله بشكل طبيعي قد استؤنف على يد الفرنسيين.
جان بول بريسون (1918 ـ 2006) أكد من جهته في كتابه “الاستقلالية والنصرانية في أفريقيا” مقولات المؤرخين المذكورين، مُبررًا استعمال القوة لوضع حدٍّ لتطاحن البدو والزراع، نافيًا بذلك وجود تحالف قبلي، أو حتى الإحساس بالمصلحة المشتركة، في ما بين الأهالي أثناء ثورات القرن الرابع الميلادي (ثورة الدوناتية وتحالفها مع الفلاحين).
وَقَف المؤرخ شنيتي، أيضًا، عند شارل بوسكيه، الذي أكَّد مُعتقد من سَبقه من مؤرِّخي المدرسة الاستعمارية، والمتمثل في حاجة الأهالي إلى العيش في ظل الأجانب، كما وقف عند غابريال كامس (1927 ـ 2002)، الذي نفى التكوُّنَ التاريخي الجزائري، مُدعيًا أنَّ سُكان المغرب انحدروا من إسبانيا وصقلية، استنادًا إلى تَشابُه المظاهر الجنائزية بينهم وبَيْنَ جُزر المتوسط الغربي، في حين يُثبت التاريخ القديم أنها محلية، وعرفتها أعماق الصحراء الجزائرية.
وعاد المؤرخ شنيتي إلى أُستاذه الذي أشرف عليه قبل رحيله، وأكدَ خطأ اعتقاده أن الفن الجزائري القديم ليس سوى خليط لعناصر فنية، وأن تنوعه أفقدها الأصالة، ويُشاطره بيار سلامة الرأي ذاته، ورأي فيفري ما هو إلا نُسخة مكرَّرة من كلام كامس الذي يعتقد أن الصناعات الحجرية القديمة والفنون التشكيلية المغاربية مستوردة، وهي امتدادات مُشوهة لما تم في أوروبا.
ليونيل بالوت (1907 ـ 1992)، أستاذ كامس، راح أبعدَ من تِلميذه حينما اقترح علم دراسة فجر التاريخ، قاصدًا بها البربر الذين يتميزون بثقافة بدائية تعود أصولها إلى ما قبل التاريخ.

“التقليل من منجزات الجزائريين تأكد على يد شارل أندري جوليا (1891 ـ 1991)، الذي قال إن العُمران في عهد المملكة النوميدية لم يكن إلا محطات فينيقية غُرست في قلب أفريقيا”
كل المؤرخين المذكورين تجاهلوا في نظر شنيتي فترات الاستقلال التي مكنت الجزائريين من انتزاع سيادتهم انطلاقًا من الدولة النوميدية قديمًا، وممالك القرن الخامس والسادس، مرورًا بدولة الأمير عبد القادر، ووصولًا إلى دول الرُّستميين والحماديين والزيريين، وكل هذه الدول كانت فاشلة وتمّت في ظل الأجانب، أو ظهرت نتيجة تصاعد حرارة الرفض الأرعن للنظام الأجنبي الضاغط، ونَمت نُموًا غير سليم لا يرتكز على الأسس الصحيحة للدولة، وهي فُقاعات جوفاء ما لبِثَت أن تفرَّقت وتلاشت من دون أن تَترُك تقاليد سياسية وشرعية دولية يحق للخلف أن يرثها عن السلف.
التقليل من منجزات الجزائريين تأكد على يد شارل أندري جوليا (1891 ـ 1991)، الذي قال إن العُمران في عهد المملكة النوميدية لم يكن إلا محطات فينيقية غُرست في قلب أفريقيا، ولم تعد مراكز للأهالي، مثل سيرتا، إلا حينما أجبر ملوك نوميديا البدو على الاستقرار.
خلافًا لما يدَّعي مؤرخو المدرسة الفرنسية، يؤكد البشير شنيتي أنه في القرن الثالث قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وقبل ظهور مسينيسا، الذي تُنسب إليه سياسة إقرار السكان، كانت هناك مدُن داخلية زاهرة، مثل تبسة، التي تجاوز عدد سكانها 15 ألف نسمة، بناء على رواية ديودور الصقلي، ثم أن سيرتا نفسها كانت قبل مسينيسا حاضرة كُبرى تَضُمُّ جاليات أجنبية إلى جانب السكان النوميديين، وهو ما تؤكده وثائقها الأثرية.

مرافعة من أجل انعتاق التاريخ
تحت عنوان “مرافعة من أجل انعتاق التاريخ”، كتب طلبة الماجستير في تخصص التاريخ القديم (دفعة نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2013) أوحاشي الطاهر، يامون عمر، حشلاف محمد، منصورية مليكة، زين العابدين الطيب، قلمام لويزة، كتفي الشريف هاجر، بولخلوخ محمد، طهاري خديجة، لحسن إبراهيم، مكرمين أستاذهم المؤرخ والأب شنيتي بطلب من الأستاذ بلقاسم رحماني: (لقد سمع الدكتور شنيتي صرخة المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي في كتابه “مجمل تاريخ المغرب”، الذي أكد فيه الأحكام الاستعمارية التي تزخر بها كتابات المؤرخين الأجانب، ومناديا “أين مؤرخونا، ولماذا لا يعيدون كتابة تاريخنا؟”). من أين يبدأ؟ مثل الجزائري محمد شريف ساحلي، والمغربي العروي، طرحت أمام الدكتور شنيتي إشكالية انعتاق التاريخ بواسطة تحديد مُصطلحات الجزائر، المغرب الكبير، أو إقليم المتوسط، وباستثناء المصطلح الأخير، فإن المصطلحين الأول والثاني لم يَرِدا في ما يخص العصور القديمة.

“يمكن إدراج الإصرار الغربي على العهد الروماني في إطار الإستشراق الذي تناوله إدوارد سعيد، من منطلق التعالي العنصري والعرقي الأوروبي”
لمقاربة البحر المتوسط، ودحض مقولات مؤرخي المدرسة الكولونيالية، أو المركزية الإثنية، استلهم الدكتور شنيتي فكر المؤرخ الكبير، ورائد الحوليات الفرنسية، فرناند بروديل، الذي تحدَّث عن التاريخ الشامل للبحر المتوسط والمتعدد الثقافات، متخذًا من الحضارتين الفينيقية والإغريقية الرومانية نموذجين أثَّرا في البحر المتوسط. وقام الدكتور شنيتي بذلك مبرهنًا على (خطأ فكرة القطيعة بين التواجد الفرنسي في الجزائر والحقبة الرومانية، وأدخل مصطلح التواصل بين تلك العصور عبر الجناح الجنوبي الذي نهض برسالة حضارية تحت لواء الإسلام الحنيف).
الاهتمام الخاص بالعهد الروماني في الجزائر عبر الإنتاج المعرفي والتاريخي ما فتئ يتزايد، أضاف الدكتور شنيتي يقول، رغم تناول ابن خلدون الفترة الإسلامية، ويمكن إدراج الإصرار الغربي على العهد الروماني في إطار الإستشراق الذي تناوله المفكر الفلسطيني الراحل، إدوارد سعيد، من منطلق التعالي العنصري والعرقي الأوروبي (كما مرَّ معنا عبر الإحاطة التي قمنا بها سلفًا، اعتمادًا على كتاب الدكتور شنيتي “أضواء على تاريخ الجزائر”، الذي اعتمده طلبته أيضًا لتكريمه في حفل تخرجهم).

المؤرخ المجاهد والنبيل
لم يكتب المؤرخ شنيتي عشرين كتابًا، وربما أكثر، وعشرات البحوث والدراسات والمقالات، ولم يشارك في عشرات الندوات العربية والدولية حول التاريخ والآثار كخبير جزائري وعربي، ولم يكوِّن جيلًا من الأساتذة والأستاذات، فحسب، بل أيضًا قضى كلَّ حياتِه موزَّعًا بين مهامٍ إدارية وعِلمية إضافية أثَّرت سلبًا على مسيرته البحثية الناتجة، أيضًا، عن بيروقراطية جزائرية مرضية. هذه المهام التي جَلبت له تقدير وحُبَّ وتَبْجيل الوزراء والناس العاديين، تمثلت حسب الأستاذة عمروس في إدارته معهد الآثار، مُستجيبًا لطلب وزير التعليم العالي، وهو في فرنسا، لإعداد أطروحته، علق الأستاذ شنيتي الانتداب، وعاد إلى الجزائر مُلبيًا نداء الوطن، وليس الأشخاص، ولم يعد إلى فرنسا، كما وعد، بسبب إدارته معهد الآثار (1985 ـ 1990)، الذي كان مضطربًا، حسب الأستاذة عمروس.

“حظي الدكتور شنيتي بشهادات تاريخية بمناسبة تقاعده، وقيل فيه ما يَستحق التعريف تكريسًا للولاء وللكفاءة، كمعادلة نادرة وصعبة”
المؤرخ النبيل والمجاهد، كما هو واضح، الذي سيغضب مني من دون شك، بسبب كرهه للأضواء، قضى حياته العلمية كنموذج غير مسبوق للإبداع على أكثر من جبهة غير عابئ بالعراقيل المقصودة، أو غير المقصودة. بقيَ يُعِدُّ البحوث، ويشارك في الملتقيات في الوطن، وفي الدول العربية والأجنبية، ويُساهم بحكمته وأفكاره وكاريزماه، كعضو في المركز الوطني للدراسات التاريخية، والمتحف الوطني للجيش، وفي اللجنة الوطنية للتعريب، وفي لجان إعداد برامج ومناهج التكوين في التدرج، وما بعد التدرج، والخريطة الجامعية. الدكتور شنيتي حَظِي بشهادات تاريخية بمناسبة تقاعده، وقيل فيه ما يَستحق التعريف تكريسًا للولاء وللكفاءة، كمعادلة نادرة وصعبة. فعبد القادر حجار، وزير التعليم العالي السابق، كتب يقول عنه: (صحَّح مفاهيم التاريخ القديم بأمانة، له أن يكبر بين أقرانه العلماء. علَّم بيديه وعينيه ولسانه الأجيال، وضحَّى، وتكريمه ما هو إلا قطرة بسيطة من الاعتراف بجليل عِلمه وجلال موسوعيته التاريخية ونضارة شخصيته). في نظر الأستاذ الطيب بلعربي، يُعَدُّ الدكتور شنيتي طينة شخصية وأخلاقية وأكاديمية نادرة في زماننا.
وأبو القاسم سعد الله، وموسى لقبال، ومحمد الطاهر عدواني، وهم مؤرخون يعدون منارات علمية، ومن مُؤسسي المدرسة الجزائرية الأصيلة في مجال التاريخ، قالوا: (شنيتي فارس أراد اليوم (أي عام 2017) أن يترجَّل بعد جهاد مكَّنه من تعليم الأشبال سنن المنهج).

الدكتور محمد البشير شنيتي والزميل بوعلام رمضاني

مؤلفات محمد البشير شنيتي (صدرت ما بين 1982 ـ 2018):

ـ تمهيد حول ما قبل التاريخ.
ـ مدخل إلى تاريخ الجزائر القديم (دراسة حول أصول ونظم الممالك القديمة “نوميديا”). تاريخ الصدور غير مذكور.
ـ التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب أثناء الاحتلال الروماني.
ـ الجزائر في العصر القديم.
ـ الاحتلال الروماني لبلاد المغرب.
ـ الجزائر في ظل الاحتلال الروماني، في جزأين.
ـ أضواء على تاريخ الجزائر القديم.
ـ التاريخ.. المرجع للأمة العربية (تأليف مشترك)، الأليكسو.
ـ موجز تاريخ الجزائر (تأليف مشترك).
ـ تاريخ الجزائر من خلال المسكوكات (تأليف مشترك).
ـ الجزائر النوميدية.
ـ دراسات وشهادات (تأليف مشترك)، مهداة للدكتور سعد الله.
ـ الجزائر: قراءة في جذور التاريخ وشواهد الحضارة.
ـ نوميديا وروما الإمبراطورية.
ـ علم الآثار، تاريخه، مناهجه، مفرداته.
ـ معجم المصطلحات الأثرية.
ـ العملة والدولة في التاريخ.
ـ دراسات في الآثار القديمة بالجزائر وبلاد المغرب.
ـ روما الإمبراطورية وبلاد المغرب.
ـ بلاد المغرب القديم (شمال أفريقيا).
ـ العديد من كتب التاريخ المدرسي.
ـ عشرات المنشورات والدراسات.
شهادات تقديرية وجوائز:
ـ وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب.
ـ عدة شهادات تقديرية من الجامعة.
ـ كتابان تكريميان (2013 ـ 2017).

ضقفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This