في السّياسة الاجتماعيّة؛ الجزء الثّامن: تلبية منظمات المجتمع المدني للاحتياجات الاجتماعية.

توجد مجموعة واسعة من تعاريف الرعاية الاجتماعية والسياسة الاجتماعية في الأدبيات. وقد تطورت هذه المفاهيم والنُهج مع مرور الوقت؛ وهي تختلف وفقا للسياق، ففي بعض الأحيان تشير إلى أهداف أو الوصول إلي رفاهية الإنسان، ولكن في كثير من الأحيان قد تشير إلى التأكيد على الأدوات أو الوسائل لتوفير السياسة الاجتماعية. بالعموم تهتم السياسة الاجتماعية بتوفير السلع والخدمات (العامة أو الخاصة) لتلبية الاحتياجات البشرية.

وفي الوقت الذي تهدف تدخلات السياسة الاجتماعية التقليدية إلى ضمان وصول السلع والخدمات، من أجل دعم الرفاهية وتحقيق الأهداف الاجتماعية المحددة؛ والوصول إلى الضمان والتأمين ضد المخاطر أو الأزمات (مثل الجفاف أو البطالة)، من أجل تسهيل الاستهلاك والدخل خلال دورة الحياة.. يمكن تقسيم مجالات عمل السياسية الاجتماعية وفقا للخدمات التي تلبيها؛ والتي تنبثق من الاحتياجات الاجتماعية بالدرجة الأولى، وهي:

أولا: القطاعات الاجتماعية: كقطاعات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والسكن.

ثانيا: التأمين الاجتماعي: كالمعاشات التقاعدية، استحقاقات البطالة، بدلات الإعاقة والعجز.

ثالثا: الحماية الاجتماعية: كالإعانات الغذائية، شبكات أمان معينة (مثل مشاريع العمل العامة، نمط التغذية الصحية، طرق تحويلات الدخل).

رابعا: الخدمات الاجتماعية: رعاية الفئات الضعيفة (مثل الأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين والأيتام).

خامسا: الحقوق الاجتماعية: عمالة الأطفال، حقوق المرأة، قوانين العمل وحقوق العمال.

قد تفشل السياسة الاجتماعية في هذه المساعي لعدة أسباب منها أن تلبية الاحتياجات الاجتماعية في دول الجنوب بشكل عام، تفشل بسبب النقل غير الصحيح للمفاهيم والبرامج الأساسية والتجارب والخبرات من دول الشمال إلى الجنوب على قاعدة التنمية والاستفادة من التجارب والخبرات، مما يؤدي إلى تصميم أو تطبيق أدوات وتدخلات تعكس أولويات دول الشمال بعيدا عن واقع دول الجنوب! وتفي بالاحتياجات المفترضة وليس المحددة. وغالبا ما افترضت عمليات نقل أهداف وبرامج السياسة والأدوات الاجتماعية إلى دول الجنوب مجموعة من الاحتياجات لا تتطابق مع الواقع المحلي. وعلى الرغم من أن “نُدرة الموارد” تُعرَض في كثير من الأحيان باعتبارها العائق الرئيسي أمام إضفاء الطابع المؤسسي المحلي على السياسات الاجتماعية الشاملة في البلدان الفقيرة، إلا أن تخصيص الموارد واستخدامها في السياسات الاجتماعية، يعكسان مصالح وأولويات (صانعي السياسات، الحكومات المركزية، مقدمي الخدمات المالية، والدعم الفني)؛ والنتيجة: هي ظهور فجوة بين الاحتياجات والخدمات والأولويات الفعلية لأولئك المستهدفين أو المتلقين للمساعدات الاجتماعية، من ناحية، والخدمات المقدمة أو قدرة الأفراد والأسر على الوصول إلى هذه الخدمات، من ناحية أخرى..

وكما هو موضح في الصورة أعلاه، فإن الفجوة بين الاحتياجات والتزويد تبدو من نقطة تلاقي طرفي المعادلة وهما مزودي الخدمات، والمستفيدين من هذه الخدمات:

– الطرف الأول عموما “مزودي الخدمات”: هم الجهات الرسمية كالحكومة، وغير الرسمية كالعائلة والمجتمع، ومنظمات المجتمع المدني كالمانحين وأصحاب رؤوس الأموال والمنظمات.. يقدمون هذه الخدمات من خلال آليات تسليم معينة على شكل خدمات وهي: الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم؛ خدمات الضمان الاجتماعي كالتأمين الاجتماعي والمعاشات؛ خدمات المساعدة الاجتماعية كشبكات الأمان، والغذاء مقابل العمل.. ويتم تقديم هذه الخدمات من خلال أليات الاستهداف.

– وعلى الطرف الآخر “المستفيدون من الخدمات”: المجتمع العام، الفقراء المزمنون، المجموعات الضعيفة؛ ومنهم يتم تحديد الفئات المستهدفة.. بينما تكون احتياجاتهم هي: تعزيز الإمكانات والقدرات كمحو الأمية والتغذية الجيدة، تأمين المعيشة كالوصول إلى العمل والحصول على الدخل، الحماية الاجتماعية كالمساعدات الغذائية، وشبكات الأمان. ويتم إيصال هذه الاحتياجات من خلال وسائل التعبير.

ومنه: فإن نقطة التقاء آليات التعبير بآليات الاستهداف تعتبر الخطوة التي تقرر نوع الاستهداف والمشروع /البرنامج أو الخدمات، بينما تكون كل الخطوات السابقة لنقطة الالتقاء موضع تقييم للعثور على الفجوات المحتملة. ويمكن أن يتخذ عدم التطابق بين الحاجة والسياسة أشكالاً مختلفة؛ قد تكون السلع والخدمات ببساطة غير متوفرة أو غير متاحة للفقراء، وقد تكون غير مناسبة أو ذات جودة منخفضة، أو قد تتعارض مع أنظمة واستراتيجيات معيشة الشعوب عند النظر في عدم التطابق المحتمل.

وهنا نصل إلى معايير تقييم المطابقة بين الاحتياجات والتزويد:

 

  1. الوصول: هل السلع والخدمات الاجتماعية المخصصة لمساعدة الفقراء والضعفاء يمكن الوصول إليها جسدياً من حيث التغطية الجغرافية، ومالياً من حيث تكلفة التنقل؟
  2. الجودة: هل تراعي الخدمات الاجتماعية المقدمة للفقراء والمستضعفين، المعايير الثقافية[1] المناسبة، أم أن الفقراء يحصلون على نوعية خدمة سيئة؟
  3. الصلة بالموضوع: هل الخدمات المقدمة للفقراء والضعفاء تلبي احتياجاتهم الفعلية وتقدم حلولاً ذات صلة لمشكلاتهم الذاتية المبلغ عنها؟
  4. الملائمة: هل تتسم آليات تصميم وتقديم الخدمات الاجتماعية بأنها حساسة لأنظمة كسب العيش وأنشطة وعقبات الفقراء والضعفاء؟

هناك الكثير من المشاكل التي ظهرت نتيجة هذه الفجوة أثناء التطبيق، فعلى سبيل المثال سرعان ما أصبحت البرامج التي تم تطويرها في سياقات أوروبا أو أمريكا الشمالية متمركزة في الهياكل الإدارية بعد أن تم إدراجها عموديا، في الوزارات المتخصصة أو الوكالات الحكومية: كوزارة التعليم ووزارة الصحة وإدارة الخدمات الاجتماعية. وغالبا ما يفترض واضعوا السياسات، أن الأفراد أو الأسر أو “المجموعات الضعيفة” هم بحاجة إلى سلع وخدمات محددة في أوقات معينة أو لمواجهة حالات طارئة معينة؛ كالرعاية الصحية فقط لدى المرضى، والتعليم فقط للشباب، والمعونة الغذائية فقط في أوقات النقص. ومن الصحيح أن بعض هذه المطالب يمكن التنبؤ بها لكن البعض الآخر غير متوقع! ولذا لا نجد هذه المرونة لدى المنظمات في مواجهة ما هو غير متوقع، كما أن الأسر الفقيرة تواجه بشكل ثابت التفاضلات الصعبة بين تلبية احتياجات مختلف الأفراد داخل الأسرة، وبين تلبية الاحتياجات الفورية للبقاء، وتأمن كسب العيش على المدى الطويل.

المشكلة الأخرى هي التمييز الزائف الذي غالبا ما يتم رسمه بين السياسة الاجتماعية والسياسة الاقتصادية. وقد أدت طرق إنشاء برامج الرعاية الاجتماعية إلى خلق مجموعة من التدخلات التي تعتبر محكومة بالاقتصاد المتبقي، وهي تعتمد بشكل سلبي على القطاعات “المنتجة” للتمويل. كما أن التدخلات المنفَذة تكون متحيزة نحو الاقتصاد الحضري وغالباً ما تكون مترابطة بوضوح مع أسواق العمل الرسمية، وبالتالي تستبعد أغلبية الفقراء في البلدان النامية، الذين يقعون في المناطق الريفية و /أو يندمجون بشكل ضعيف في القطاعات الاقتصادية الرسمية. المشكلة الأخيرة تنشأ من منظور المستهلكين للسلع والخدمات العامة، بسبب عدم وثوقهم بالسياسات الاجتماعية وإمكانية وصولهم إلى الخدمات المقدمة. ويضطر السكان الضعفاء بشكل متزايد إلى الاعتماد على نظم الضمان الاجتماعي غير الرسمية.

ومن النظريات والآراء التي تم وضعها في سبيل سد الفجوة في هذا السياق؛ تطبيق برامج “سبل العيش”، والتي يعنى بها تدريب السكان في مناطق التنمية المستهدفة على طرق إنشاء مشروع صغير ليكون وسيلة من أجل العيش؛ ويكون مجال الدعم المقدم تقنيا وتدريبيا واستشاريا وحتى ماليا أحيانا، مع متابعة وتقييم مستمر. كما أن التنسيق بين استيعاب المجتمع واحتياجاته وبين نوعية الانتاج وحجمها وكميتها يعتبر من الأمور الموصى بها أيضا. أخيرا فإن إعادة هيكلة المنهجية لتكون من الأسفل إلى الأعلى في سن السياسات التي تبنى على أساس الاحتياجات هي التي ستقلب العمل بشكل كلي وتحل المشكلات! يكفي أن نقول إن هذه المقالة كتبت في عام 2000 وحتى اليوم لا نزال نعاني من هذه الآلية التي تعمل بها المنظمات وتذري التمويلات الهائلة التي يتم الحصول عليها من رجال الأعمال والمحسنين والمتبرعين والمنظمات والدول في الهباء؛ وكأن القائمين على هذه السياسات يتقصدوا عدم وضع التمويل على الخط الصحيح بغية أن لا يتم حل المشكلات التي يتعيشوا من ورائها.

 ******

[1] يرجى مراجعة الجزء المتعلق بالفقر للتعرف على علاقة الثقافة بالجودة والفقر.

 ******

هذا المقال مأخوذ بشكل أساسي عن مقال باللغة الإنكليزية:

– Devereux, Stephen, Cook, Sarah, “Does Social Policy Meet Social Needs?https://core.ac.uk/ , IDS, Bu11etin, Vol 31, No 4, 2000.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This