في رثاء نوال السعداوي / مصعب قاسم عزاوي

كاريكاتير نوال السعداوي / حجاج

قد يكون أكثر ما يُعَرِّفُ المجتهدة الراحلة، نوال السعداوي، في مخيلة القارئ العربي على امتداد رحلتها الطويلة، تحوّلها إلى ما قد تشبه النافذة الأولى التي أطل منها العرب على أوليات العلم المستحدث والمنشق، في زمن ليس بعيداً، عن الفلسفة، وأعني دراسة خبايا النفس البشرية وآليات عملها، سواء تم ذلك تحت مظلة ما يدعى علم النفس أو علم السلوك أو فيزيولوجيا الجهاز العصبي (Neurophysiology).

وقد مثلت كتابات مبكرة للسعداوي ما يشبه حجر الزاوية في أن يستكشف القارئ العربي نموذجاً معرفياً واستقرائياً جديداً في فهم النفس الإنسانية، يغاير المفاهيم السائدة والموروثة من عصور سابقة، يُغْرِقُ معظمها في أخاديد البدائية القروسطية بأشكالها القبلية والدينية، بالتوازي مع ارتقائها عن المفاهيم الرائجة منذ منتصف القرن العشرين في العالم العربي، لاستيراد “مبالغات وشطحات” سيغموند فرويد التي لا أساس علمياً لها من الناحية التشريحية أو الوظيفية، بحسب اكتشافات علم الأعصاب المعاصر؛ حيث كانت الراحلة المجتهدة أول من أسهم في تعريف القارئ العربي على رؤى إريك فروم وفيلهم رايخ وتصوراتهما التي كانت أكثر واقعية وإنسانية ومنهجية في مقاربتها وتصوراتها لآليات عمل النفس الإنسانية، بشكل يبعدها عن نموذج “الحيوان الجنسي البربري المتوحش” الذي حكم تصوّر فرويد عن الكائن البشري عموماً.

وقد يكون أحد أهم إسهامات نوال السعداوي الفكرية تعريف القارئ العربي بمنظومة “آليات الدفاع النفسي” بشكل علمي وممنهج، يمكن فيه للإنسان امتلاك مفاتيح التفاعل والتآثر الفاعل المنعتق من حياض الإنسان المنفعل السلبي الذي لا حول له ولا قوة في فهم ما يعتمل في عقله ووجدانه، وذلك عبر الاتكاء على أدوات الدفاع النفسي ومفاتيحه، وخصوصاً ما ركّزت عليه، برهافة رفيعة، فيما يتعلق بقدرات “التصعيد”، بديلاً عن فعل “الكبت”، لتحويل معاناة المقهورات والمقهورين، والمظلومات والمظلومين، إلى طاقة “بناءة”، بدل تحولها إلى طاقة “هدامة” تأكل الإنسان من داخله، وجدانياً وعقلياً وعاطفياً. وبمعنى أكثر تبسيطاً، كانت الراحلة تقدّم تفسيراً علمياً ممنهجاً لوعي “الصبر والمصابرة والاجتهاد والكفاح” الذي يمثل أداة بني البشر الوحيدة في الدفاع عن حقهم الطبيعي في الحياة، وحق من يخلفهم فيها من بعدهم من ذريتهم.

كانت السعداوي تقدّم تفسيراً علمياً ممنهجاً لوعي “الصبر والمصابرة والاجتهاد والكفاح” الذي يمثل أداة بني البشر الوحيدة في الدفاع عن حقهم الطبيعي في الحياة

ومن ناحية أخرى، قد يستقيم القول إن نوال السعداوي مثلت نموذجاً عن المثقف العضوي الملتزم بالدفاع عن الفئات المستضعفة المظلومة المقهورة في المجتمع الذي يعيش في كنفه، وهو ما تجلّى في دفاعها الاستثنائي، في شجاعته ووضوحه، عن المرأة التي تكالبت عليها كل حبائل المجتمعات الذكورية القروسطية، وعسف الإفقار والتهميش والقمع الذي مارسته نظم الاستبداد العربية على كل من تغوّلت على حيواتهم، رجالاً ونساء، على الرغم من أن الحيف كان أصعب وأمرَّ على النساء لمعاناتهن المزدوجة من ظلم الاستبداد وقهره، ومفاعيل التخلف والبدائية الهمجية الموروثة من عصور مظلمة غابرة في صيرورة المجتمعات العربية.

ونوال السعداوي نموذج فريد في الحفاظ على “طهرانيتها المعرفية” مثقفة عضوية مجتهدة، بحسب تصور أنطونيو غرامشي لذلك النموذج من المثقفين، وذلك بالحرص الذي لا تغاير فيه لعدم التحول إلى “مثقف طَبَّالً” يمالئ وسائل الإعلام لضمان استمرار تسليط أضوائها وعدسات كاميراتها عليه، لمعرفتها المسبقة بأن ذلك “المثقف الطبال” مستعد دائماً لقول ما تريده وسائل الإعلام منه قوله، في اتفاق خسيس مضمر بين الطرفين لا يجاهر به أي منهما، ولا ينتج عنه إلا تمترس هيمنة الأقوياء المهيمنين على مفاصل الإعلام والثروة والسلطة في المجتمع، على حساب كل الفئات المستضعفة والمفقرة المنهوبة فيه.

كانت نوال السعداوي نموذجاً ناصعاً للطبيب “الحكيم” الذي يبذل كل عصارة عقله ومعرفته وطاقاته الجسدية لخدمة مريضه، وتخفيف آلامه

وفي حقل عملها الطبي، كانت نوال السعداوي نموذجاً ناصعاً للطبيب “الحكيم” الذي يبذل كل عصارة عقله ومعرفته وطاقاته الجسدية لخدمة مريضه، وتخفيف آلامه ومعاناته، من دون “الاستسهال المخزي” الذي يمارسه بعض أفراد الجسد الطبي، بغض النظر عن الحقائق المرّة التي تشير إلى أن اعتلالات جسدية ونفسية كثيرة في أبدان المرضى في المجتمع هي ناتج مباشر لعوار في آلية عمل المجتمع وعلائق الأمور فيه، وهو ما لا بد للطبيب “الحقِّ” من الإشارة إليه من دون مواربة أو مخاتلة لتسويغ تقصيره في “الدفاع المقدس” عن صحة مرضاه، وحقهم الطبيعي في حياة صحية وكريمة.

ويحق لكل عاقل حصيف أن يتفق أو يختلف مع إرث نوال السعداوي الاجتهادي والمعرفي، ولكن هذا لا يعفيه أبداً من واجب العرفان لدأبها المعرفي، وثباتها على الحق البين وفق منظارها، وعدم تبدّلها عن مواقفها المبدئية في الانزياح الدائم للدفاع عن الفئات المستضعفة المظلومة المقهورة المهمّشة في المجتمع، وهو ما قد يستقيم اعتباره ميزان القياس الأول لفرز المثقف المجتهد الحق عن غيره.

كينونة نوال السعداوي وليدة المجتمع المصري العظيم الذي ما برح المستبدّون ينكلون به بأشكال وتلاوين مختلفة ومتباينة في حدّتها، من دون أن يجهض ذلك قدرة “مصر الوَلَّادة”، باستعارة من الشاعر المناضل الراحل أحمد فؤاد نجم، على إنجاب سيدات مناضلات مجتهدات صابرات مثابرات.

العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This