ميتافيزيقا ديكارت

تقديم

في مقالة سابقة لي كنت ناقشت بعض الأمور والثغرات في منهج ديكارت القائم على الشك المطلق بغية الوصول الى يقينية حقائق الحياة التي تقوم على توليفة تضم حسب ديكارت (الله، الإنسان، الفلسفة) في إيلاء تجارب العقل أن تكون هي الفيصل في تأكيد كل ما يتعلق بهذه الأقانيم الفلسفية التي يوحدّها المنهج الإفتعالي التعسّفي الذي أراد ديكارت تحقيقه وفشل به..

منهج ديكارت الفلسفي الذي ضمّنه أفكاره كتابه الذائع الشهرة الفلسفية (مقال في المنهج) حيث اتضّح أن ديكارت لم يتمكن من شرح قضايا المنهج الذي وصفه بالعلمي العقلي القائم على الشك قبل التسليم بصدقية أي شيء يصل إدراكنا العقلي له، ويكون ذلك الشيء من بديهيات الحدوسات التي يكمن برهانها فيها بما يصّدقه العقل عنها والإجماع على بديهيتها الواضحة، لتكون استدلالا عقليا في البرهنة على قضية أو قضايا أخرى يطالها الشك غير المحسومة صدقيتها عن زيفها.

الحقيقة غير العلمية يتضمّنها الكوجيتو أنا أفكر إذن أنا موجود المرتكز المثالي الميتافيزيقي الذي عجز ديكارت عن توضيحه بمنطق العلم. حيث يستنبط ” الإنسان يفّكر وانا موجود من حيث هو مفّكر.” 1، ويؤكد منهجه العلمي قوله أيضا ” أنا أعرف نفسي الآن موجودا لأني أفكر، ولا أعرف نفسي إلا كذلك، ووجود الفكر علة وجودي، والفكر أشد ثبوتا من وجود الجسم، وطبيعة النفس وماهيتها هي الفكر، والنفس مستقلة عن الجسم ومعرفتها أيسر ” 2

في هذه العبارة الجوهرية في تفكير ديكارت الفلسفي نستنج المتناقضات التالية:

  • حسب ديكارت الفكر يسبق الوجود لا بل الفكر هو علة الوجود الواقعي وسبب إدراكه الوجود بالفكر عنده حقيقة بديهية لا تحتاج برهانها. بينما الحقيقة الماديّة تشير إلى أن الوجود يسبق إدراك الحواس والعقل كما يسبق التفكير به ايضا. الوجود في استقلاليته المادية هو مبعث ومصدر التفكير بالأشياء.
  • منهج ديكارت الميتافيزيقي يمّهد لمذهب المثالية المنطقية التجريبية التي قامت على أفكار جون لوك وديفيد هيوم وبيركلي، في اعتبارهم ليس هناك من وجود خارجي يتخّطى الحواس والإدراك بالفكر المجرد له، في حين يذهب المنهج المادي أن الوجود سابق في وجوده ألأنطولوجي إدراك الحواس والعقل له، والوجود لا يتحدد وجوده المستقل لافي إدراك الحواس له ولا في إدراك وعدم إدراك العقل له وأخيرا الوجود ليس ناتج تعبير الفكر واللغة عنه.
  • في الكوجيتو أنا أفكر إذن أنا موجود، يعني قدرة التفكير هي التي تحدد وجود الانسان، وبغير الإدراك الحسّي الفكري المجرد لا وجود لشيء يسّمى مادة. هذا عدا النزعة الفردانية السلبية للوجود التي يرغب ديكارت تكريسها أن الذات المستقلة فوق المجتمع من مصدر إدراكها لذاتها بتفكير مجرد لا يفصح عن قصدية ذلك التفكير سوى تحقق إثبات الوجود، في حين المذهب المادي يذهب القول لا وجود لإدراك إنساني حقيقي دون وعي قصدي له في معرفته ذاته وإدراكه الموجودات من حوله. وعي الذات لا يتحقق ولا قيمة حقيقية له في تجريده عن الحياة، وبدون وعي قصدي يسعى تحقيق هدف.
  • الحدس العقلي منهج ديكارت ومبدأه في التحقق اليقيني الخالي من الشك في معرفة كل ما هو بديهي في معرفتنا له، هذا المبدأ الديكارتي المنهجي مشكوك به أن يكون معيارا نزيها صادقا مسّلما به يمكن تعميمه.
  • من العبث أن يصار الى فصل النفس عن الجسم كجوهر يمتلك كامل الإستقلالية، من حيث النفس هي إفصاحات فكرية سلوكية تمثّل جزءا من تكوينات أجهزة الجسم البيولوجية…ودعوة ديكارت العقل الإنساني والنفس جوهران متلازمان برابطة أنهما خالدان بعد فناء الجسم بالموت تفكير ميتافيزيقي لا سند حقيقي علمي له..

الوضوح البديهي

يطرح ديكارت تبريرا لا معنى ولا رصيد حقيقي له قوله ” أنا مستيقن أنني شيء مفّكر، وما علاقة هذه المعرفة – يعتبر ديكارت مجرد التفكير هو معرفة- معرفة أنه وجود مفّكر وليس مهما معرفة ما هو موضوع التفكير، وشرط هذه المعرفة وعلامتها هو كونها واضحة كل الوضوح والكلام لديكارت، فكل ما أعرفه بهذا الوضوح هو حق، لأنه لو كان هذا الوضوح خطأ لكانت قضية أنا شيء مفكر غير صحيحة.”3

التفكير الذاتي مع النفس لا يشترط أنه يحمل وضوحه الإدراكي المعرفي بلا موضوع قصدي من التفكير، والتفكير غير المسبوق بوعي قصدي لموضوعه يكون تفكيرا عقيما لا معنى له. كما لا يمكن الجزم القاطع أن تفكير الانسان مع نفسه يمنحه الوضوح في معرفة بديهيات الحقائق التي يعتمدها. كما ولا يشترط بالتفكير الإنفرادي أن ينتج عنه يقينا صادقا لأنه صادر عن إنسان مفّكر، وفي عدم تحديد ديكارت موضوع تفكيره يجعله يفقد ميزتين أنه لا يفّكر ضمن أحكام ومحدّدات منهجية في البحث عن معنى ما يفّكر به، والثانية أنه يفقد معيارية صدق ما يفكر به ويعلمه هو وحده ولا يشاركه أحدا في هذا التفكير المنفرد.

معيارية صدق ما يفكر به الانسان يتحدّد:

  • التفكير بموضوع محدد سلفا
  • التفكير ملكة عقلية لا تحمل مصداقيتها بالوضوح الملازم لها، فليس كل ما هو واضح يترتّب عليه أن يكون حقيقيا يقينيا صادقا، نستطيع الاستدلال به في البناء عليه.
  • وضوح التفكير الانفرادي لا يلزم عنه الصدق ولا يلزم عنه التعميم.
  • في غياب موضوع التفكير ومرجعية الإحتكام للعقل، يتساوى تفكير الشخص السوّي مع تفكير الشخص المجنون. ويكون صمت التفكير عند المجنون يمتلك مصداقية ما يفكر به، فهو أيضا لا يدرك ما يفكر به بوضوح مع نفسه لكن لا نعرف مصداقية أو زيف موضوع تفكيره من غير معرفتنا دلالة لغة التعبير عما يفكر به.

ويبني ديكارت على خطأ معنى ودلالة التفكير المنهجي الصحيح حسب اعتقاده قوله “من هذا اليقين – يقصد يقين التفكير بوضوح – يقين الذات المفّكرة، أحصل على حقائق عديدة وأستخلص التمييز بين الجسم والنفس، وأن جوهر النفس هو الفكر، وجوهر الفكر هو كمال الله” 3

لا يفيد تكرار ما سبق لنا ذكره أن انفصال النفس عن الجسم في الحياة وفي بعد الممات، وماذا سيكون بعدها في فناء الجسم وغياب النفس، ولو أننا نؤمن بأن وحدة النفس والجسم محكومة بالفناء كليهما بعد الموت هو أكثر قبولا للعقل.

أما انفصال النفس عن الجسم بالحياة وانفصالهما بعد فناء الجسم وتبقى النفس والعقل جوهران متلازمان لا يفنيان بعد الموت بل هما خالدان حسب فلسفة ديكارت فهذا يحتاج إلى برهان وأدّلة ثبوتية لا تقبل الشك لا يتوفر عليها لا ديكارت ولا غيره من الفلاسفة. جوهر النفس ليس هو الفكر كما عبّر عنه ديكارت، بل جوهر النفس هو أنها سلوك يحكمّه العقل. وكل ما يتعالق بالنفس من عواطف وأخلاق وضمير ومشاعر هي أيضا تجليّات سلوكية مصدرها النفس في ملازمتها وصاية العقل لها.

وأخيرا كيف يجزم ديكارت كمال الله يكون بالفكر؟ ولماذا لا يكون الكمال الإلهي في تجليّات الطبيعة وقوانينها المذهلة التنظيم.؟ فكمال الله المستمّد من نظام الطبيعة الإعجازي الذي لا يمتلك التعبير الفكري الإفصاحي عن نفسه، وما أسهل استعارتنا لمنهج ديكارت أن الوضوح الذي لا يحتاج البرهنة عليه أو الشك به يكون تسليمنا به بديهيا.

الطريق إلى الله

الطريق إلى الله يختصره ديكارت بعلاقته المباشرة بالنفس، والمعرفة بوجود الله هي التي تفتقر وجود الله سندا لها ودلالة وجود الله بسيطة في وجود إدراك النفس الميسور معرفته بها، فأنا موجود وفي نفسي فكرة (الكائن الكامل) المتصف بجميع الكمالات ” 1 نستدل من عبارات ديكارت أن معرفة الله سهلة ميسورة بدلالة النفس إثبات وجوده. النفس التي يتعامل معها ديكارت بمعنى هي الروح حسب فهمنا أنها من قضايا الميتافيزيقا التي يصعب إثباتها بوسائل عقلية التي لا تخضع لها النفس حسب فلسفة ديكارت، والأصعب من ذلك حين نعتبر النفس وسيلة ميتافيزيقية مشكوك بالكثير عنها وعن ماهيتها وخصائصها، أن تكون هي سهلة ميسورة في قيادة الشخص نحو الإيمان الحقيقي بالله. النفس إدراكات سلوكية بالحياة وليست هي الروح التي تفارق الجسم بعد الوفاة كما يفهم ديكارت النفس جوهر خالد ملازم للعقل ولا يفنيان.

يكمّل ديكارت منهجه اللاهوتي على نوع من تلاعب لفظي قوله ” وجود الله هو الذي يضمن وجود العالم الخارجي. والعلم الخارجي ليس هو ما تدركه حواسّنا، والأفكار المطابقة لموجودات حقيقية لا وهمية فهذا ما لا نعلمه إلا بفضل الصدق الالهي.”  4 كيف يكون حدسنا الميتافيزيقي يقينيا ثابتا بضمانة وجود عالم خارجي لا تدركه حواسنا؟ ثم بأية معيارية عقلية نستدل علة وجود العالم الخارجي يكون بضمانة خلق الكمال الإلهي في غياب الإدراك الحّسي والحدسي لكلا الموضوعين؟

عليه تكون حقيقة فكرنا الميتافيزيقي لاعبا أساسيا في حل المشكلة بمنطق التصوّرات الذهنية الخيالية التي لا رصيد دلالي لها في عالمنا الذي نعيشه، وهذه التصورات تقود بالنتيجة التسليم بالإيمان الغيبي الذي مصدره الأحاسيس النفسية المدركة ذاتيا التي ينسب البعض مصدرها القلب كما هو في مذاهب الصوفية الدينية. النفس سمو إدراكي في محاولة الوصول إلى مرتبة الروح.

ويصف ديكارت المؤمن ” ومن كمال الله أن يضمن لي صدق الأفكار الواضحة في إثبات يقين وجود العالم الخارجي ” 5 لا يختلف إثنان من المؤمنين بوجود الله الكامل الصفات التي يقتدونها في الصفات التي تدركها عقولهم ومخيّلتهم الدينية الميتافيزيقية، حيث محدودية الإدراك العقلي لا تسمح بإدراك صفات هي قاسم مشترك يفهمها الجميع في الإختلاف والتلقي، وهذه الصفات يكون مصدرها الخيالي هو الطبيعة الأرضية وبعض من الكوني. الله يضمن الإيمان المّسبق بقدراته اللامحدودة أن معيارية تفكير الإنسان العقلي يمكنه من تفعيل ملكة التخييل لديه في معرفة الحدس الإدراكي لذلك الكمال الإلهي المطلق.

الأفكار الذاتية التي يتصوّرها المؤمن بأنها إلهام روحي يحمل مطلق كمال الله مع تمكينه إدراك وجود العالم الخارجي بالحواس والعقل لا تقبل الشك ولا عدم التسليم اليقيني بها لأنها تصبح لديه بوضوحها الصادق من بديهيات التسليم في إعتمادها ركائز فهم العالم الخارجي وحقائقه أكثر. هذا على الأقل ما نفهمه في تمرير منهج ديكارت في الميتافيزيقا. الكمال الصفاتي الإلهي لا يمكن لتجريد الفكر الوصول إليه وبلوغه بوضوح بديهي تام، مالم يتعالق ذلك التفكير الإدراكي مع إدراك العالم الخارجي بضوء نور العقل.

خاتمة

في ثلاث مقالات متتالية كتبتها في نقد فلسفة ديكارت فيما أطلق عليه المنهج المرتكز على الكوجيتو المثالي أنا أفكر إذن أنا موجود، والذي أخذ حيّزا من الإهتمام لثلاثة قرون تحت عنوان منهج جامع بين الميتافيزيقا وأهمية العقل ومن بعدهما إعلاء شأن الانسان في تسيّده الطبيعة، والتفاصيل التي تداخلت معها، إنما كانت محض فوضى لأفكار ادّعت الفلسفة ولم تستطع على لسان ديكارت إثبات صحة وصواب منطلقاته تلك على مستوى معرفي تطبيقي خارج منهج التنظير فقط.

أراد ديكارت كما اشّرت له تفسير فعاليات العقل والحواس والنفس بمنطق الميتافيزيقا أولا وقبل كل شيء، ديكارت لم يمنح العقل منزلته غير ماهيّة التفكير موضع الشك. وحاول جعل النفس جوهرا خالدا منفصلا عن الجسم مرتبطا تلازميا مع العقل بخاصّية الخلود بعد فناء الجسم بالممات. هذه الأفكار وغيرها من أفكار ميتافيزيقية جعلت من هالة النهضة التنويرية لأوروبا، التي حققت الثورة الفرنسية وفتوحات التقدم العلمي والإهتمام بقيمة العقل لم نجد لها ذلك الأثر الذي نسبت لفلسفة ديكارت. ولم يكن هدف هذه المقالة تعقّب هفوات وأخطاء بعض آراء ديكارت في كتابيه (مقال في المنهج) و(التأملات الميتافيزيقية). بل كان الاهتمام بالمقالات الثلاث نقد أفكار فلسفية هي جزء كبير ومرتكز تهويل أوربي لها، ولم نجد في طروحات ديكارت أكثر من أدانة خجولة لبعض خرافات لاهوت القرون الوسطى من دون الجرأة في تسمّية الأشياء بمسمّياتها الحقيقية وعذره بذلك هو المصير المؤلم الذي كان لقيه غاليلو ومن قبله جوردن برونو. أشّرت أخيرا إلى مسألة كانت محورية في فلسفة ديكارت محاولته تفسير إدراكات العقل بمنطق الميتافيزيقا وليس العكس الصحيح.

******

الهوامش:

  1. د. أمل مبروك، الفلسفة الحديثة، ص 85.
  2. نفسه، ص 86.
  3. نفسه، ص 86.
  4. نفس المصدر، ص86.
  5. نفسه، ص 88.
  6. نفسه، ص 87.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. W. Alansari

    أصابنا السأم من ديكارت وابن رشد والغزالي وسقراط وأفلاطون وابن سينا وهيديغر ومديغر وجان بول سارتر ومحيي الدين ابن عربي…إلخ..إلخ.
    أن الأوان، بل منذ عقود، لتجاوز كل ذلك وكسر الفلك الفكري الذي يدور ويدور ويدور…ذلك كل ما يفعل..فقط يدور. إذن لنجد آفاق جديدة بحق ما يعز عليك!
    نعم، نقرأ امرؤ القيس وأبي نؤاس والمتنبي لكن الكتابة لأجل الكتابة لا يشبه إلا علكة ممضوغة، ولا يشبه إلا النقاش الأبدي بين علي ومعاوية..
    على الأقل اكتبوا عن فتغنشتاين وروتي أوحتى فريغة ودانييل دنت وكواين..لعل هناك أفكار جديدة ولعلنا نخرج من الأفلاك القديمة كالتي في نظرية الفيض!

أضف تعليق

Share This