ملخّص رواية القرطبي يستيقظ في الاسكندرية

إصدار: منشورات مجاز، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف

تبدأ الرواية بعد صدور الجزء السابع من مجلّة الجامعة، في آذار 1902، لمنشئها فرح أنطون وقد بدأ بقراءة كتابٍ للمفكّر الفرنسي الذي يحبّه إرنست رينان بعنوان “ابن رشد والرشدية”. أيقظ الكتاب في نفسه مشروعًا لطالما أراد أن يقوم به وهو صناعة رمزٍ أسطوريّ من شخصية تاريخيّة فكرية. وقد كان استئثار ابن رشد على موضوع كتاب رينان دافعًا لفرح أنطون للنزول إلى مكتبات الاسكندرية بحثًا عن مراجع يستفيد منها لمقالٍ يكتبه عن فيلسوف قرطبة.

أخّر هذا العمل صدور مجلّة الجامعة لشهرين كاملين، أمرٌ كان من شأنه أن يُغضب روز أنطون (أخت فرح)، التي تعمل معه في المجلّة، لتحثّه على الالتزام بمواعيد الطباعة. صدر الجزء الثامن من المجلّة في حزيران وفيه المقال المنشود. لكنَّ ردَّ الفعل عليه أتى على عكس ما تمنّاه فرح. فصديقه ورفيق سفره محمّد رشيد رضا صاحب مجلّة المنار الإسلامية لم يستقبل المقال بصدرٍ رحب وقام باستكتاب مفتي الديار المصرية الأستاذ الشيخ محمّد عبده للردّ على مقال فرح في مجلّته.

بالتوازي مع ما يجري في الاسكندرية عاد في نفس العام من بيروت الكاتب والمفكّر نقولا الحدّاد إلى القاهرة حائزًا على شهادة في الصيدلة من الكليّة الإنجلية السورية. نقولا مهتمٌّ بالصحافة كثيرًا ولم يقبل التخلّي عنها رغم اشتغاله بالصيدلة. وفور عودته إلى القاهرة بدأ بالاتصال بالعاملين في مجال الصحافة فزار على التوالي إبراهيم اليازجي وجرجي زيدان ويعقوب صرّوف كلٌّ في مبنى مجلّته وعند الأخير التقى بالصدفة بشبلي شميّل الذي صدف حضوره إلى مكتب يعقوب صرّوف.

تناول نقولا مع المفكرين أعلاه مواضيع فكرية عديدة منها النهضة العربية نفسها. كما تناول أيضًا ما يجري بشأن المجلّة التي تصدر بالاسكندرية والهجوم الحاصل عليها.

في اللّقاء الأخير أيضًا أبدى يعقوب رأيه بشأن الجولة التي يقوم بها نقولا، وقال له إنّه يبحث عمّن يبهره. ورغم عدم ورود هذا في ذهن نقولا، نصحه يعقوب بالعودة إلى جرجي زيدان وطلب منه أن يقصَّ عليه قصّته كاملة.

امتثل نقولا لرأي يعقوب رغم عدم اقتناعه به وعاد إلى جرجي زيدان الذي قصَّ عليه، بتفصيلٍ أشعره بالملل، قصّة دخوله إلى عالم الصحافة استغرقت عدّة فصول من الكتاب أوصلت نقولا إلى أنّ الإبهار ليس لدى من عاشوا مغامراتٍ كثيرة بل هو يبحث عمّن لديهم تجارب طولية فردية.

بعد انتهاء سيل الهجوم الذي قام به محمّد عبده قرّر فرح أنطون إعادة بحثه عن ابن رشد وجمعه في كتابٍ يذيّله بردودٍ على الشيخ ممّا زاد وتيرة الهجوم الذي قام به محمّد رشيد رضا على شخصه ومجلّته. ومن دون معرفةٍ شخصية، حرّك هذا الهجوم محرّك الفضول لدى نقولا في القاهرة للذّهاب إلى زيارة محمّد رشيد رضا والاستفسار منه عن تصرّفه ليكتشف أسرارًا في عالم الصحافة تحرّك أصحاب المجلّات والناشرين تتعدّى الأفكار والمبادئ.

تلك الأسرار تكتشفها روز أنطون، بالتوازي مع نقولا، بحديثٍ مع أخيها لتكتشف جانبًا مظلمًا أيقظه فيه عالم الصحافة.

تؤسّس روز مجلّة خاصةً بها في الاسكندرية تثير اهتمام نقولا الذي ذهب إليها من القاهرة ليجد الإبهار الذي زرع يعقوب صرّوف فيه فكرة البحث عنه.

تخسر الجامعة كثيرًا من قرّائها فيضطر فرح إلى مغادرة مصر ويتبعه نقولا الذي أصبح صهره مع روز ليساعداه في إصدار مجلّته في نيويورك. لكن قبل ذهابهم يكتشفون أن خمسة أشخاصٍ كانوا مواكبين للأحداث جميعها قد اختفوا ولا ذكر لهم كما لو كانوا أشباحًا. وهم مراسل المجلّة وصديقه وصاحب المطبعة وابنه وصاحب مقهى كان يرتاده فرح. وتتبيّن شخصياتهم الحقيقية في ملحقٍ بعنوان “مفاتيح لا أقفال لها”.

******

فصل من رواية القرطبي: يستيقظ في الاسكندرية

تأليف: عمر زكريا

إصدار: منشورات مجاز، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف

الفصل الأول، ربما

 

كَتَبَ الرّاوي على لسان القصّاص أنّه في إحدى نواحي الاسكندرية، التي لا يرغب استذكار اسمها، كان يقع عنوان مجلّةٍ يقف منشؤها الشاب في مكتبه في نهاية العام متأمّلًا نفسه في مرآة دائرية صغيرة معلّقة على الحائط المقابل لطاولة مكتبه ومتناسيًا شواغله ومصاريف السّنة القادمة ويداعب شاربيه فخـرًا.

وباتجاه تلك الناحية وفي اللّحظة عينها كان يركض فتًى متوسّط الطول أسود الشعر والعينين وأطراف الأصابع. سواد الشعر والعينين يعودان لطبيعته الجسدية أمّا الحبر على أطراف الأصابع فذلك لطبيعة عمله، والركض لطبيعةٍ ثالثةٍ طارئةٍ كان مدفوعًا بها لإيصال دستة ورقٍ مغلفةٍ بغلافٍ ورقيّ بنّي اللّون ومربوطٍ بخيطٍ من القماش. ووجهة الركض كانت إلى المكتب ذاته ليوصل الدستة نفسها إلى الرجل ذاته الواقف أمام الحائط المذكور الحامل للمرآة الدائرية لا غيرها.

صعد أبو وليد، الفتى الراكض، الدرج ولهاثه يكاد ينفث نارًا. كلّ خطوة على الدرج لثقلها كادت تحطّم الخشب الرخيص المصنوع منه، الدرج أفلت من المصير المشؤوم، أمّا الشاب المُكنّى بأبي وليد الذي لم يعهد نفسه ثقيلًا من قبل وَجَدَ روز على باب غرفة المكتب تَهُمّ بالدخول فبادرها سائلًا:

  • “صباح الخير يا مادموزيل روز، هل فرح أفندي هنا؟”
  • “نعم يا عزيزي تفضل وادخل.”
  • “آمل ألّا يكون مشغولًا. لكنّ المعلّم يوسف أرسلني إلى هنا وقال لي أن أسرع وإلا غضب الأفندي.”
  • “يغضب؟ ولمَ عساه يغضب؟ أدخل وانظر إليه فقط، فهو إن كان سيغضب فهذا لن يحدث اليوم.”

دخلا ووجدا فرح لا يزال على وقفةٍ كانت مستمرةً منذ أن رأته أخته عليها قبل ما يقارب النصف ساعة. ذُهِل أبو وليد لما رآه من أناقة الرّجل الواقف أمامه. لفت نظره ذاك الشارب الممشوقان طرفاه. لم يره ممسّدًا وممشّطـًا ومرفوعـًا بهذا الشكل منذ أن دخل مبنى المجلّة للمرّة الأولى. وفَرَح نَفْسه، الذي كان يتضاءل في الأشهر الثلاثة الأخيرة ولا يبدو عليه إلا الضّمور المتزايد الذي لَحِظَهُ أبو وليد من صباح إلى صباح، بدا قويَّ البنية وممشوقًا مع أطراف شاربيه بكامل صحته.

التفتت روز مبتسمةً لحال أخيها ولحظت ذهول الفتى المتعرّق وقالت له ضاحكةً:

  • “أؤكد لَكَ بأنّه أمضى الصباح بأكمله أمام تلك المرآة الصغيرة يمسّد شاربيه. أنظر إلى المقص على الطاولة هناك، قد أمضى نصف وقته يقصّ أطراف الشعيرات التي رفضت الانصياع إلى هذا التمسيد.”

ضحك فرح على تعليق أخته وضحكت أخته على ضحكته في حين التفت أبو وليد إلى المقص أولًا، لم يكن يفهم، حاول استثارة ضحكةٍ يشاطرهما بها ولم يفلح، عاد فنظر إلى شارب فرح وأمعن به ورجع يمعن بالمقص ثانيةً، أمضى نصف النّهار أمام المرآة؟ لقد دفعه المعلم يوسف دفعًا خارج الباب وهو يصيح له أن يسرع ليجد أنّ القيامة لم تقم بعد؟ لا بل مازحه فرح:

  • “هل ترغب بمثله يا صديقي؟ مع أنّ شاربك ولحيتك لا تحتاجان إليه بعد ولكن من يدري قد يلزمك مستقبلًا.”
  • “لا، لا، مع الشكر طبعًا.. ولكن يا فرح أفندي كنت أتساءل ما سرّ هذا الانقلاب الكبير في حالك؟”

توجّه فرح نحوه وأخذ الرزمة من يده وسار بها إلى مكتبه. فتح عقدة الخيط ببطء شديد كما لو أنّ فيها زجاجًا. وضع الخيط برفقٍ على الطاولة إلى جانبيّ هذا الطرد الملفوف به. بدأ يُبعد أوراق الغلاف عن بعضها ببطء. لعق أبو وليد شفتيه. وترك فرح أطراف الغلاف الورقية، فهبطت برفقٍ على الطاولة فوق الخيط.

إنّها مجموعة ورق سميكة وحسب، فكّر أبو وليد، لكنّه كان يعلم ذلك فقد أخبره المعلم يوسف بشأنها مباشرة قبل دفعه خارج الباب. رفع فرح مجموعة الأوراق السّميكة عن مكتبه بكلتا يديه ونظر إلى محدّثه مبتسمًا وقال:

  • “هذه هدية رأس السنة إلى قرّائنا، إنّها أول نسخة تخرج كاملة من تحت المطبعة، لقد أوصلتُها بنفسي إلى مُرَتّبي الحروف ليجهزوها وطلبت منهم إرسالها إليّ فور طباعتها. ما زالت غير مخيطة بعد لكنّني أردت رؤيتها لحظة انتهائها. بقية النسخ سيبدأون بخياطتها في كراريس، أمّا هذه فسأحتفظ بها مجلّدة بغلافٍ جلديّ سميك لنفسي هنا في المجلّة.”
  • “ولكن يا أفندي ما هذا؟ ولماذا لم ترسلها معي إلى المطبعة وأخذتها بنفسك؟ ومتى حدث ذلك أصلًا؟”

وضع فرح الرزمة التي بيده على الطاولة وتناول الصفحة الأولى التي هي صفحة الغلاف. مدّ يده باتجاه الفتى المتلهّف فاقترب الأخير وتناول الورقة من يد فرح بحذر، أدارها باتجاهه وأخذ يقرأ ما عليها متمتمًا بصوت شبه مسموع…

***

هذه هي إذن نهاية قصة مقالٍ كان هدفه المبدأيّ أن يملأ بابًا في مجلّةٍ في منتصف عام ألفٍ وتسعمئة واثنان. لكنّ المقال مرّ بما لا يمر به أشباهه فكَبُر وأصبح كتابًا في نهاية العام. تداول رجالٌ هذا المقال وتناولوه لكنّهم كلّهم كانوا جزءًا من قصته وهو ينمو وليس هو جزءًا من قصتهم. كاتبه لم يكن فارسًا متوشحًا سيفه ولا زعيمًا سياسيًّا أو عسكريًّا مؤثرًا في المصائر، ولم يعش أيَّ مغامراتٍ أثناء تأليفه، بل على العكس كان رجلًا شابًّا، في الثامنة والعشرين من العمر، ضعيف البنية يجلس خلف طاولته فقط، ولأَشْهرٍ مارس فِعلين بالكاد أضاف فعلًا ثالثًا لهما؛ القراءة والكتابة.

كاد فرح أنطون أن يموت جوعًا وتعبًا لكثرة ما أسرف جهده في جلسته تلك على طاولته تيك وكرسيه ذاك مقابل ذلك الحائط الذي عليه تلك المرآة. وهكذا باختصار انتهت قصة كتابٍ كُتِب، أَجْهَدَ كاتِبُهُ نفسه إلى حدّ الإعياء لولا تدخّل أخته المستمر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This