(من وحي التّجربة)… رسالة إلى نوال السّعداوي

“ليست مصادفةً أنّكِ رحلتِ اليوم بالذّات. أنتِ أمّنا وأمّ جرحنا المفتوح، نحن نساء هذه البقعة التّعيسة من العالم. غضبكِ أبداً حيٌّ فينا. ومثله حبّك”.

  • جمانة حدّاد.

“التّونسيّون والتّونسيّات يبكون نوال السّعداويّ. الفايسبوك التّونسيّ التهب بوفاة هذه المرأة الشّجاعة الّتي واجهت، وحيدةً أحياناً، سلطة رجال الدّين وسلطة أصحاب المصالح، وسلطة العادات الّتي تشوّه أجساد النّساء. سأكتب عنها. طويلاً. سأكتب مثلها. بمثل شجاعتها”.

  • رجاء بن سلامه.

لا يمكن لهذا النّصّ أن ينتهي على الإطلاق.

إلى نوال الّتي زُرِعت في قلبي كبذرةٍ أبديّة.. لكِ وحدكِ دون غيرك.

 

العزيزة نوال

ربّما لم استطع أن أكتب عنك مباشرةً، لكن هكذا أنا أحتاجُ وقتاً لأتقبّل أهوال الفقد والفاجعات، فموتك ليس شيئاً عابراً تحتضنه قصيدة أو مقالة، أو يحيطه نصّ أو كتاب.. فأعذريني على قلّةِ حيلتي، وأعذريني على حدود العطاء.. فأنتِ أكبر من تُحاط بكِ المفردات، ولو أنّي أعلم أنّك عشت طويلاً دون الحاجة لكلّ المديح والإطراء.. دون أن تطلبي منّا شيئاً، فهل ما سأكتبه يوافيكِ حقّك قليلاً؟ رغم أنّي أشكّ في ذلك.

اسمي هو مجد حمشو، عرفتك في 2017م؛ لأنّي لم أولد في أسرة ثقافيّة على الإطلاق، لذلك لم أعرفك، فالكتاب لم يكن صديق أسرتي البسيطة.. هو بالنّسبة لهم اللّامفكّر به على حدّ تعبير ميشيل فوكو، فكانت تلك المرّة الأولى منذ أن قرأتُك بعيداً عن التّصوّرات الدّارجة والأحكام المُسبقة عنك.. عندها كان المخاض، كانت الولادة.. ولادةٌ جديدة، وكأنّي أتيت من رحم أمّي مجدّداً.. تصفعني كلماتك وتهزّني باستمرار؛ فمن الصّعب أن يرى المرء الحقيقة دائماً… فمناخ الحقيقة، كما يقول هاشم صالح، باردٌ جدّاً ولا يُمكِن العيش معه دائماً، فكيف وإن كان يصاحبني في كلّ سطر من سطور كتاباتك.

فمع كلّ ورقةٍ أقلّبها لا أشعر إلّا بلونٍ واحد… كرّرتها مراراً لطلبتي في الجامعة: الصّدق ليس له إلّا لونٌ واحد. نعم، هكذا علّمتني ماما نوال… أسمّيكِ أمّي لأنّي كلّما نظرتُ إليكِ أشعر أنّك تحتضنين ألمي.. أنّك تفهمينني.. وأنّني ابنك الّذي يتألم من عالمٍ كاذب من شرقه إلى غربه كما لم تستثني منه أحد، فكم صُدِمت بقوّتك وأنت تنقدين كلّ الأمم في محافل الغرب والعرب، وتشرّحين السّياسات الاستعماريّة والاحكتاريّة والرّأسماليّة… كيف كنتِ ترفعين صوتك عالياً في وجه عالمٍ هرميّ بطريّاركيّ طبقيّ رأسماليّ.

أذكر حينها، قبل أن تقرع كُتبك باب بيتي، كيف كانت نظرتي إلى المرأة بأنّها “نصف المجتمع”، أردّد هذه العبارة -أو الكليشيه- مراراً وتكراراً دون أن أعي أيّ ألم تعانيه النّسوة.. دون أن أشعر بهنّ على الإطلاق… دون أن تَحفُر كلماتك داخلي وتلامس روحي، فقد تلقّنت هذه الكلمة منذ طفولتي: “المرأة نصف المجتمع”، أكرّرها يوميّاً غير آبه بأيّ شيء.. لا بل حقيقةً جاهلٌ بكلّ شيء، فلم أفكّر أبداً في أنّ وضعيّة المرأة من الممكن أن تكون غير ما هي عليه؛ فهي الأمّ الحنونة المعطاءة المضحيّة لأولادها فقط… هكذا كنت أراها.. لا شيء سوى ذلك.. لم يخطر في بالي أيّ تساؤل بسيطٍ كهذا: لماذا لم يذكّر لنا معلّم الصّفّ عن رائدة فضاء أو فيلسوفة أو عالمة.. فالذّكوريّة كانت قد هيمنت على كلّ ميادين المعرفة وطردت المرأة في الحياة الدّنيا كما طُرِدت حواء الآثمة.. فهذه الوضعيّة كانت بالنّسبة لي وضعيّة أبديّة إلهيّة متعالية على النّقد والمساءلة.. هكذا أنا قبل أن تجرّيني بيديّك إلى عالم الحقائق.. إلى عالم لا يُفكّر فيما هو سائد باعتباره “زينة العقل”… لهذا كنتِ مشاكسة لا يأتيكِ نومٌ ضمن أَسِرَّة اليقين.. لا يني قلمك يضع كلّ المسلّمات على مشرحة النّقد وينزلق إلى أعماق الحقيقة.

نوال الّتي أحبّبت أن اسمّيها “بنت الشّارع”؛ كونها تكتب أوجاعنا… تتحدّث بلغتنا، كيف لا وقد ثُرتِ على الأكاديميا الّتي طالما نعتيها بأنّها تقتل العقل تحت مسمّى العقل نفسه، كيف لا وأنتِ الّتي لم تتلوّني أبداً ولم تستسلمي أبداً.. كنتِ تقارعين الألم بالتّحدّي، والقهر بالابتسامة، والجهل بالمعرفة.. كنتِ تكتبين عن الحبّ في عالم يعجّ بالحقد والكراهية. يتبجّح بهذه الكراهية ليلَ نهار على الشّاشات وفي الأسواق وفي الاجتماعات، يُنتِجها ويُصدّرها إلى كلّ أصقاع الأرض ويحارب الصّادقين الإنسانويّين الأنقياء.. أولئك الّذين لا يبيعون كلماتهم ولا أفعالهم لأحد.. الّذين لا يأبهون بحياةٍ مزدوجة.. من ليس لديهم إلّا وجهٌ واحد..  لقد كنتِ كمن يزرع وروداً في مستنقع جهل، ويُحفّر في أعماق التّربة ويُخرج كلّ قاذوراتنا إلى السّطح.. هل عرفتِ لماذا يخافون منك؟.. الحقيقة مخيفة عزيزتي نوال.. لا يُمكِن التّعايش معها، فكيف إذا كانت تُتلى على لسان امرأة!..

لقد قرأناكِ وقرأتِنا ببساطة مفرداتك، بكتبك الّتي تنقد كلّ شيء بأبسط التّعبيرات.. تعبيرات لا تَكلُّف بها تدخل إلى قلوبنا وعقولنا كنسمةٍ دافئة، فتنشّط خلايانا النّائمة وتوقظها.. كم ردّدتِ نوال: “لا يبقى في الوعي الشّعبيّ إلّا البسيط الخالي من كلّ التّعقيدات”.. وكم كرّرتُ قراءة عبارتك الشّهيرة: “إنّ الكتابة الّتي لا تغيّر كاتبها قبل أيّ أحد، ليست بكتابة على الإطلاق”.

وماذا عن فهمك الرّحب لله؟ الله هو العدل.. أليست هذه مقولة جدّتك الّتي وقفت في وجه العمدة المتعامل مع الاحتلال، والّذي نعتها بالأمّية وبعدم فهم الدّين، والّتي بدورها أورثتك التّمرّد كما أورثتك أوّل فلسفةٍ في الدّين.. أيُعقل أن يُكفَّر إنسان يُؤمن بأنّ الله هو الحبّ والعدل والخير؟ ألستِ أنتِ من شرّح ازدواجيّة هذه الثّقافة وعهرها وتناقضاتها الصّارخة الّتي تُعلي الذّكور على الإناث، والقوّي على الضّعيف، والدّولة الأقوى على الدّولة الأضعف؟… هذه الثّقافة الّتي تكيل بألف مكيال! أولستِ من جابه البطرياركيّين والبطرياركيّات وادعاءاتهم البيولوجيّة البهلوانيّة عن جسد المرأة وبدنها، داحضةً بيولوجيّاتهم –أو أشباه البيولوجيات- الرّثّة، التّمييزيّة، الإقصائيّة، الإملائيّة، الحاقدة، النّافرة، الكارهة، والمتعالية؟

لستُ هنا لأرثيكِ نوال، إنّما لأفرّغ ما في جوفي.. لأردّد مقولاتك: أليست جريمةً ثقافيّة أن يزوراكِ طالبا الطّبّ والهندسة في عيادتك عندما عُدتِ من جامعة ديوك المرموقة وأنتِ تدرّسين الإبداع والتّمرّد ليقولا لكِ: اخرجي الجنّي من أختي، ويتجادلان حول جنسيّة الجنّي؛ هل هو ذكر أم أنثى، وأنت كنت حينها عائدة من جامعة ديوك، حيث تدرّسين الإبداع والتّمرّد لطلّابٍ وطالباتٍ من جميع أنحاء العالم.. أولئك الّذين يدرسون البيولوجيا والهندسة والطّبّ والميكروبيولوجيّ وأتوا إليكِ لأنّهم متعطّشين إلى الأدب والفكر… وهل ننسى أستاذ اللّغة الّذي نعتك بالغبية البلهاء عندما كتبتِ له أنّ الحواس أكثر ذكاءً من العقل، وبعدها بأربعين عام كتبتِ الجملة نفسها في أروقة جامعة ديوك في فصل الإبداع والتّمرّد.. كيف لنا أن ننسى قصّصك وأخبارك وحكاياتك العالقة في أذهاننا؟ وكيف لنا أن ننسى كلّ هذه القوّة والشّجاعة والتّحدّي الّتي تملكينها؟

كيف أكتب عنك نوال، فالألم دامي. يا عزيزتي الّتي أستطاعَ معولها أن يُعمِل شرخاً في جدار البطرياركيّة الرّعناء… الّذي هزّها طيلة قرن من الزّمن وجعلها تخشى كلمةً منك… كيف لا، ونحن نرى فرحهم جرّاء موتك… كم هم جبناء وضعفاء! يدافعون عن بقايا أفكار.. كيف لا، وأنتِ أستاذةُ الإبداع والتّمرّد.. كيف لا وأنتِ تصيحين: الإبداع هو تحويل التّجربة السّلبيّة إلى إيجابيّة.. أردّد هذه الكلمة يوميّاً في كلّ موقف صعب، محاولاً أن أجمع هزائمي وانكساراتي أملاً في تحويل هذه الأحجار إلى جسرٍ للعبور.. كيف يُمكِن لي أن أنسى.. أو أتقبّل فكرة أنّك لم تعودي هنا.

أعذروني وأعذريني على تساؤلاتي وحيرتي وتكراري.. فهل يمكن أن نتقبّل أنّ وردةَ العصر قد ذهبت هكذا، وأن نستيقظ في اليوم التّالي ونذهب إلى عملنا وكأنّ شيئاً لم يكن؟ هل يُمكِن لامرأة، تجمع داخلها إيزيس وهيباثيا ومعات ونون ونوت، أن تغلق باب الكتاب ببساطةٍ وخفّة..

كيف ننساكِ يا بلسمَ ألمنا الشّافي وقنديل حاضرنا الّذي لا ينطفئ؟!

مخلصك.

مجد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This