الموسيقى عند “العرب”، أو ثقافة النّسيان

 إشكاليّات تعريف الموسيقى العربيّة

حين نستخدم عبارة “الموسيقى العربيّة”، علينا ألاّ نشعر بالاطمئنان التام، والأجدى أن نباشر في تفكيك هذا المُسمّى، بعيدًا عن ألفة الاستخدام، وبمنأى عن التكرار الآليّ، فنعيد بذلك فهمه فهمًا نقديًّا وعلميًّا، على نحوٍ يؤسّس لثقافةٍ موسيقيّة واعية ومواكبة لتطورات الزمان، ويرى إلى وجودها ومستقبلها بوصفهما تحوّلًا مستمرًّا لا يركن إلى الثبات، ولا ينغلق في توصيفٍ بعينه.

نتساءل أولًا عن معنى كلمة “الموسيقى”؟ فهل من تعريفٍ علميٍّ واضحٍ لها في اللغة العربيّة وفي الممارسة العلمية والفنية على المستويين النظري والعملي؟ وهل يُمكن اختزال الفوارق الكبيرة القائمة بين عمل سيمفوني ضخم وأغنية شعبية ريفية مثلًا، أو، في مثالٍ آخر، بين مؤلَّفٍ موسيقي إلكتروني يتحقق عبر خوارزمياتٍ محسوبة ومُحَوْسَبة “دون تدخلٍّ” بشريّ، وموسيقى جاز مُسترسلة في قبوٍ لا يملك سوى إنسانه وشعوره، أو المُعادلة بين “تلحين” كلام يفرض معانيه وأوزانه وشكله ومنطوقه على اللّحن الواحد المُرافق، وبين مؤلَّف موسيقي لا ينطقُ إلاّ بلغة الموسيقى، ولا يفكّر إلاّ بمكوّناتها الصّرف، خارج “الكلام” وخارج “المعنى”؟ هل يُمكن لأيّ تعريفٍ مُعجميٍّ للموسيقى أن يجمع ويختزل كلّ الفوارق في حدود مصطلحٍ واحد هو “الموسيقى”؟

والسؤال الثاني هو: ما معنى أن تكون الموسيقى “عربية”؟ فهل هناك “موسيقى عربيّة” واحدة يتّسق تعريفها مع مجمل الفضاءات الموسيقيّة العربية[1] المتنوّعة؟ أوليس “العالم العربي” أوسع وأغنى من إمكانية حصره في تعريفٍ موحَّدٍ لنوع محدّدٍ من الموسيقى، تُعرَّف “الموسيقى العربية” على أساسه؟ أليست الأنواع والأشكال الموسيقية العربية”، بوصفها شعبية وغنائية بالدرجة الأولى، هي أشبه باللهجات المتعدّدة في عالمنا العربي منها إلى اللغة الفُصحى المُوحَّدة؟

هذا من الجانب النوعي (أو الجانري[2]) للموسيقى، والذي يُمكن التعامل معه كتصنيفاتٍ متعددة لموضوعٍ واحدٍ جامعٍ هو “الموسيقى”، لكن ثمة جانب آخر للتعامل مع هذا المُسمى وهو الجانب التاريخي. وهنا نتساءل من جديد: عن أي موسيقى تحديدًا نتكلم عندما نستخدم عبارة “الموسيقى العربية” في شقّيها، الموسيقي والعروبي؟ وأين هو تاريخ هذه “الموسيقى” التي لا نجدها خارج الكتب التاريخية الإخباريّة، أو النصوص الأدبية التي تشير إليها بالوصف الكلامي؛ بمعنى أنها غير موثقة في ذاتها كنصوصٍ أو مدوّناتٍ موسيقيّة؟ وما هي الحدود التي يمكن فيها الاعتماد على الإخبار الكلامي والوصف اللّفظي، للحديث عن موسيقى عربية؟ وهل غياب التدوين الموسيقي عبر التاريخ الموسيقي العربي هو دليلٌ على غياب تاريخانيّة الموسيقى وغياب الموسيقى ذاتها، أم إننا نقف هنا أمام تحدّي من نوع آخر، ألخصه في نقطتين:

الأولى، لا تتعلق بإقرار غياب ما اعتدنا على تسميته بـ “الموسيقى العربيّة” وافتقاده لأي معنى حقيقي، ولا تتعلق بنقد المُسمى نفسه، أو التساؤل حول معناه بشقيّه: الموسيقي والعروبي، بل تتعلق بالإشارة إلى النقص الهائل في التعامل النظري العلمي المنهجي عبر قرون مع هذه التسمية، مما أفقدها محتواها الذي يُفترض أن يتضمن كل الطبقات التحتيّة لهذا المُسمّى، ليبقى موجودًا ومُستخدمًا بوصفه مظلّة لفظية رمزيّة جامعة وحسب، لنسيجٍ معقد متنوع من المفاهيم التحتيّة، مما يُكسب التّسمية معانيها ومضامينها وغِناها، ويفتح الأبواب أمام التفكير الحيّ المتجدّد في هذه المسألة.

أما النقطة الثانية، فهي، وإن انطلقت من الإقرار بهذا الغياب، قد تكون دافعًا أساسيًّا لدراسة هذا “الغياب” عينه، والانشغال الجادّ في سبر أغواره وتتبّع أسبابه، طبائعه، إشكالاته، فضائله وتداعياته، ثم التعامل معه بوصفه ثقافة نقل سماعي وبوصفه ذاكرة سماعيّة، لا بوصفه ثقافة نسيان ترتكز إلى ذاكرة التدوين أو الذاكرة “الورقيّة”؟ لكن، هل يُمكن فعل ذلك موضوعيًّا وعمليًّا مع غياب المصادر والراجع والوثائق اللازمة في حدّها الأدنى لأي مجهود بحثي جاد؟ أم إن بحث كهذا يظل أسير النّسيان، أو الاجتهادات الفلسفية التنظيرية، واستنباط الماضي التاريخي والجمالي والتِّقني من خلال “ما تبقى لنا” و “ما وصلنا”؟

هذه الأسئلة، وإن كانت تشير بالإصبع إلى وجود إشكاليات في التعامل مع المصطلح، إلا أنها تضعنا، في الوقت نفسه، أمام تحدياتٍ فلسفية وجماليّة ومفهومية مثيرة، يُمكن أن تشكّل مدخلًا ما، يؤسس إلى علم موسيقيّ “عربي” حديث (إن صح التعبير).

من هذه الأسئلة تتفرع أسئلة ومتطلّبات كثيرة سوف نتطرق إليها تباعًا في دراساتنا، بحيث تساهم، من وجهة نظرنا، في استدراك بعض النقص في دراسة هذا الموضوع على أوجهه المتعددة، التاريخية منها والاجتماعيّة، والفلسفية، والتقنيّة، وسواها. ولا ندعي إننا قادرين وحدنا على سدّ الثغرات المعرفية والبحثية التي قصرت بها العرب حِقباتٍ من الزمن، بل يتطلب ذلك جهودًا متضافرة ومتراكمة ومُستدامة. والحقيقة أننا هنا أشبه بمن يقارب حقلًا معرفيًّا أجدبًا، غيرَ مطروقٍ على نحوٍ جادٍّ إلا فيما ندر من بحوثٍ حديثة العهد، بعد انقطاعها لقرونٍ طويلة من الزمن. كما أننا نسعى في زمن عربيٍّ هو، ربما، الأكثر انحطاطًا في تاريخ العرب السياسي، مما يُضفي على مشروعنا نفسًا مُقاومًا وحالمًا.

إن الخوض في هذه الأسئلة يشكّل نوعًا من المحاولات العنيدة لتأسيس مدخلٍ نظريّ نقديّ “عربيّ” جديد يقوم على بعض المكوّنات الموسيقيّة التي تميّز الفضاءات الموسيقيّة المتنوّعة عن سواها، والتي نجد فيها خصوصيّاتٍ ما، قد لا تتوفر عند شعوبٍ كثيرة أخرى. وهذا الخوض لا يقتصر على سبر أغوار “المادّة” الموسيقيّة ذاتها وحسب، وفهم طبائعها الموضوعيّة والفيزيائية الصّرف، بل هو يتطرق إلى العلاقات المتشعّبة بين المُنتَجِ الموسيقيّ والمتلقّي، مما يقودنا إلى مُقارباتٍ تستدعي تقاطعاتٍ مع الأبعاد الاجتماعيّة للموسيقى على نحو ما، وفي غياب علم اجتماع موسيقي “عربي” نرتكز إليه، لا يبقى لنا هنا سوى أن نفتح قوسًا للراغبين في تأسيس وتطوير البحث في هذا الميدان.

ثمة قواسم مشتركة كثيرة في خصائص الأنواع والأشكال الموسيقيّة المنتشرة في العالم العربي، قد تغري البعض – تحت مِظلّة قواسم مشتركة أخرى كثيرة خارجة عن الموسيقى (كاللّغة والدين والعادات الخ…) – بأن يرى إلى “الموسيقى العربية” بوصفها شيئًا واحدًا جامعًا. وفي الحقيقة، فإن هذه القواسم الموسيقية المشتركة تتجاوز الفضاء العربي الذي أخذ الكثير عن غيره من الثقافات والصناعات الموسيقيّة، وهي ليست بالضّرورة خواص عربيّة وصناعة عربية بالمعنى “النقي” للكلمة، بل هي كذلك، إلى جانب الإبداعات “العربيّة”، وليدة هجاناتٍ واستنباتاتٍ وهجراتٍ عديدة ومتواصلة عبر تاريخٍ طويلٍ، قبل عربي وبعد عربي. وأبرز مثال على ذلك هو المقامات الموسيقيّة التي استخدمتها العرب منذ قرون، ولا تحمل، غالبيّتها الساحقة، أسماءَ عربيّة؛ هذه المسألة، وإن بدت للبعض، في بادئ الأمر، بأنها انتقاصٌ للدور العربي، إلا أنها على العكس ربما، وبنظرةٍ متأنية، فهي لا تنفي وجود مساهمات للعرب في تطوير أمزجة وأساليب وتقنياتٍ جديدة تفاعلت وأضيفت فوق هذا الموروث الإنساني الواسع وإلى جانبه، بل أكثر من ذلك، فهي، ربما، مؤشّر على انفتاح “العرب” (الدّولة “الإسلاميّة”) على الآخر واستيعابه والأخذ منه والارتقاء به.

لكن، إلى جانب ما نتتبعه من قواسم مشتركة، بغض النظر عن هجراتها الثقافيّة وهجانتها، إلا أننا لو نظرنا إلى الفروقات القائمة في الأنواع والأشكال الموسيقيّة المنتشرة في مدائن وأرياف العالم العربيّ، فإننا نجدها أغنى بكثير، وهي تظل، برأينا، الضّامن الأول لثراء النسيج الموسيقي العربي المتنوع والعريق، والبوابة الأعمق لأي دراسة موسيقية أنتروبولوجية جادة ممكنة. فمن خيوط هذه الخصوصيات والفوارق يتواشج هذا النسيج المتنوّع والمركّب والذي يجعلنا ننظر إلى قيمة هذا “المشهد” الموسيقيّ بوصفه واحدًا بصيغة الجمع؛ أي ليس بوصفه أحاديًّا، بل تعدّديًّا.

على ضوء هذا التمهيد الموجز، من الضروريّ إذن أن نوضّح محاور اهتماماتنا، في مستوياتها الرئيسيّة:

الأول يُعنى بأسئلة البدايات والنشوء، وفهم طبائع الموسيقى في مهدها وعلى المستوى الأتيمولوجيّ[3] لنشوء وتطور مُفردة “الموسيقى”، والتحولات التاريخية الفارقة وصولًا إلى زمننا الراهن. ويُعنى الثاني بفلسفة المفاهيم الموسيقيّة الجامعة في الفضاءات الثقافية الموسيقية العربية وممارساتها، كالارتجال، والطرب، والتأليف وغيرها من المفاهيم التي نتقاسمها دون أن نفقد معها خصوصيات المكان والزمان والتجربة الفردية أو الجماعية. أما الثالث فيُعنى بالعلاقة بين علم الاجتماع وصناعة الموسيقى. أي دراسة تلك العلاقات والقوى الفاعلة اجتماعيًّا ومعيشيًّا وظرفيًّا في تقاطعاتها مع الممارسات الموسيقيّة والغنائية على وجه التحديد، وفهم التأثيرات ومفاعيل القوى المتبادلة فيما بينها والتي تؤثر في هجانة الثقافة وبينيّتها بوصفها حقل تجاذب وتفاعل بين قِوى فاعلة متعددة، غير متكافئة في الغالب، وذات أبعاد “خارج – موسيقيّة”، سياسية، اقتصادية، كولونيالية، أيديولوجية، تِقنيّة وغيرها. والمستوى الرابع، يُعنى بصناعة الموسيقى ذاتها بوصفها علمًا مُستقلًّا يتعامل مع “الصّوت/ الصّمت” والسيرورات الصّوتيّة، اللحنيّة أو غير اللّحنيّة، المترتّبة عنهما بوصفهما مادة الموسيقى الأولى، بصرف النظر عن الأبعاد غير الموسيقيّة التي تشكل “خطاب” الموسيقى في سياقه الأوسع.

نعتقد أن هذه الأسئلة تؤرّق الموسيقيّ (المؤلّف الموسيقي، العازف، المغني) الذي يعيش ويُبدع داخل الفضاءات العربيّة في عصرنا، مما يدفعنا إلى التعامل مع هذه الأسئلة بوصفها أسئلة ضروريّة لفهم “ذواتنا” الموسيقيّة، جماعاتٍ وأفراد، وبوصفها، كذلك، أسئلة تتجدّد، وتتجدّد معها وبها الحلول والإبداعات الموسيقية، وتتنوّع مع تنوّع التجارب التي تتراكم وتتواشج، على اختلافاتها، منذ بدايات القرن العشرين تقريبًا، ومع تطور تكنولوجيات التوثيق والانفتاح على ثقافة التدوين.

سؤال “الصّوت/ الصّمت”

من الصّعب بمكان الحديث عن مادة الموسيقى الأولى، أي “الصّوت”، بمعزل عن “الصّمت”، لا فيزيائيًّا وحسب، بل فلسفيًّا كذلك. وبالتالي فالأجدى أن نتعامل مع المكوِّن (الفيزيائي) الأول للموسيقى بوصفه متلازمة مركّبة تجمع في جوهرها بين طبائع الصّوت والصّمت في آنٍ معًا، وفي هذا التعاطي المركب، منذ البداية، مع المُكوِّن الأساسي للموسيقى، يكون ممكنًا التعامل مع الموسيقى لا بوصفها “منطوقًا” فيزيائيًّا وحسب، بل بوصفها نظامًا رمزيًّا (لُغويًّا)، في مستواها الفلسفي الأنطولوجي، لا “يُفصح عن” إلا بمقدار ما “يصمت عن”. وبمعنى آخر، فإننا، منذ البداية، نعطي للموسيقى تعريفًا جدليًّا متحرّكًا ذا مجالين حيويين فاعلين، هما شرط توليد أيّ زخمٍ[4] ممكن ينتج عنهما.

نتساءل، إذًا، كيف نتعاطى وكيف نستفيد من مُركّبُ “الصّوت/ الصّمت”، موسيقيًّا، في السياق الموسيقي “العربي”، وما دلالاته؟ هل نسعى، في بحوثنا، إلى اقتصار فهم هذا الزخم في مستواه الأنطولوجي فقط، أم إننا نطمح، كذلك، إلى إحالة استنتاجاتنا إلى المساحات التي يتشابك فيها علم التأليف الموسيقى أو الارتجال الصوتي (الآلي أو الغنائي) مع علوم أخرى كعلم الاجتماع، والفلسفة، والفيزياء، وعلم الدماغ، الخ؟ أم إننا نكتفي بفهم العلاقات “الرياضيّة” المجرّدة، أو الخصائص الفيزيائية التراكبية المعقدة الممكنة لكلٍّ من الصوت والصمت، أو العلاقة بينهما، في سياق المحدود من علوم الموسيقى النظرية والتطبيقية وحسب؟ كيف يُشكّل مكوّن الصّوت/ الصّمت خصائصَه الاجتماعيّة عبر التوظيف الموسيقي الاجتماعي؟ كيف يتأثر بالتحولات والمفاعيل الاجتماعية، وكيف يؤثر فيها ويحركها؟ أو بكلمات أخرى، كيف لنا أن نسبر أغوار المساحة التي تلتقي فيها الممارسة الموسيقيّة، بوصفها ممارسة صائتة، مع صانعها الإنسان، بوصفه كائنًا اجتماعيًّا؟

للوهلة الأولى يبدو، للكثير منا، أن الموسيقى هي لغة الصوت وهندسته عبر محوريْ التردد الصوتي والزمن. لكن، كيف يمكننا فهم مكوّن الصّمت وطبائعه وطرق اشتغاله موسيقيًّا وفلسفيًّا وشعوريًّا/ ذهنيًّا بوصفه عنصر بناء أساسيّ في الموسيقى لا يمكن تجاهله، تمامًا كما يستحيل تجاهل مفهوم الفراغ في الهندسة المعمارية؟ فبين “فواصل الصّمت” الحاضرة بقوة وفاعليّة في التّجويد القرآنيّ، إلى مؤلّف جون كيدج الشهير الصّامت “بالمُطلق”، والمعروف باسم “4:33”[5]، مرورًا بالسّكتات الوسطيّة الخفيّة في مؤلّفات بيتهوفن الموسيقيّة[6]، (راجع: (Richards, 2013[7] وغيرها من الأمثلة، الكثير ليُقال ويُدرس حول مفهوم الصّمت.

التأليف والارتجال: سؤال العقلانيّة والغيبيّة

هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية، هل نحن هنا أمام طرح موسيقي هو بمثابة تجلّي ما للفكر العقلانيّ في سياق ثقافة سائدة تعزو الموسيقى والممارسات الموسيقية إلى الغيْبِ، وتنسبهما إلى “الوحي” و “الإلهام”، مما يحجب إعمال العقل والفكر والنظر، بل مفهوم التأليف الموسيقي نفسه لصالح مفاهيم أخرى كالارتجال الاسترساليّ أو الشطح أو الاقتصار على “التّلحين” بوصفه خطًّا مُرتبطًا بالكلمة في العموم، لا “التأليف” بوصفه تشابكًا طِباقيًّا وتواشُجًا نسيجيًّا؟

عن أيّ ماهيّة عقلية وفكرية نتحدث إذن حين نؤسّس لـ “علم تأليف موسيقيّ عربي”، (إن صحّ التعبير)؟ وكيف يتم إعمال “الصّوت/ الصّمت”، من حيث هو مادّة الموسيقى المحسوسة، داخل الحدث الموسيقي بوصفه حدثًا اجتماعيًّا؟

ومن الأسئلة التي تواجهنا مباشرةً في بحوثنا، هو شكل وطبيعة سؤال البداية في الموسيقى وعلومها. فإن كان سؤال البداية في العلوم يستدعي “الإلغاء” على شكل قطائع، وفي الفلسفة يستدعي إنتاج المفاهيم، فما الذي تستدعيه أسئلة البداية في ميادين الفن عمومًا، و”الموسيقى العربيّة” تحديدًا؟

 تاريخ موسيقيّ صامت 

اخترنا أن ننطلق من أسئلة بدايةٍ وضعناها لأنفسنا كافتراضٍ جدليّ يستدعي الموسيقى بوصفها صوتًا وصمتًا في آنٍ معًا، وفي حين أن التاريخ، “تاريخ الموسيقى العربيّة”، لا يمْثُل أمامنا بوصفه تاريخًا مُدوَّنًا، فلا تكشف موروثاتُه النادرةُ والشّحيحة التي وصلتنا من عصور ما قبل التوثيق الصّوتي (بدايات القرن العشرين)، ومع استمرار غياب فعل التّدوين وثقافة التّدوين، نعم لا تكشف الموروثات، ولا يكشف هذا التاريخ عن مساراته التي مرّ بها وصولًا إلى ما نعرف عنه اليوم، وإذًا فإننا نقف أمام أسئلة بدايةٍ كثيرة، ومنها: ما معنى أن ننطلق من تاريخٍ موسيقيٍّ “صامت”؟ كيف نوظّف هذا “الغياب”، وكيف نكتبُ الحاضرَ والمُستقبل بدءًا من هذا الموروث “المُناور” باستمرار؟ هل نحن أمام ثقافة نسيان لا تعرف التّدوين ولا توثّق، أم نحن أمام ثقافة ذاكرة، للسبب نفسه، وهو أنها لا تُدوِّن ولا توثّق، بل تعتمد على الذاكرة وحدها؟

من هنا، حين نريد الحديث عن “موسيقى عربيّة” بوصفها الفضاء الأوسع لما تنتمي إليه القوميات والإثنيات المتنوعة التي عاشت وتعيش تحت المظلة الثقافية العربية،  فإنه لا يكفينا النظر إلى تاريخ “الموسيقى العربيّة” التي لم يصلنا منه سوى القصص والحكايات والأخبار، كما نقرأ في كتب المسعوديّ والأصفهانيّ وسواهم، ولا من خلال المُحاولاتِ التنظيريّة اليتيمة على شاكلة “كتاب الموسيقى الكبير” للفارابيّ، و “الخُبْرُ في صناعة التأليف” للكِنديّ وغيرهما، والتي ظلّت لعصورٍ صوتًا يصرخ في برّيَّةٍ (لا يُعبّر عما هو موجود في الثقافة العربيّة على قدر ما كان يُعبّر عن طموحٍ ومحاولات تأسيسٍ لما هو غير موجود)، بل ينبغي النظر إلى التاريخ الموسيقيّ من زاوية النَّصِّ الحَقِّ والمُدَوَّنَةِ الأصليّةِ، والفكرة الموسيقيّة التي تُفصحُ عن ذاتِها بلغتها الصّرف، وقد يُضاف إلى هذا الأدبيّات المتعدّدة المصادر والوُجُهات التي تُرافقها وتدور في فلكها، هذا إن توفّرت، وهي غير متوفّرة، ولا من إشارةٍ حقيقيّةٍ على وجودها.

لكن، هل ينبغي علينا أن نُعلن إفلاسنا هنا أمام مَوْروثٍ غير مُوثّقٍ أم نرى إلى هذا “الغياب” بوصفه خاصيّة تضعنا أمام تحدّي فهم الطبيعة الشّفاهيّة اللا-تدوينيّة لهذه الثقافة وفهم جماليتها انطلاقًا من هذه الخاصيّة تحديدًا، وهل هذا ممكن؟

موسيقى أم غناء

كذلك، ينبغي الفصل التام بين مُصطلح “الموسيقى” بوصف الموسيقى لغةً حيويّةً بذاتها ولذاتها، وبين “الموسيقى” بوصفها أداةً ترتبط بالنصوص الكلاميّة، تلاصِقُها، تكسوها، تزيّنها، تنطلق وتنتهي عندها، والتي أطلق عليها الأصفهاني مُسمّى آخر، بحق، وهو “الأغاني”.

نحن إذن أمام تاريخ شعرٍ وكلامٍ مُغَنَّى لا أمام تاريخ موسيقي يُفصح بلغة الموسيقى وحدِها، يَصْمِتُ عن الكلام في جوهر اشْتغالِهِ وطبيعةِ مُنطلقاته الصّوتيّة. ومن هنا فإن هذا المُكوِّن يضعنا أمام سؤالٍ هام، يجعلنا نشكّك مجدّداً في مُسَمّى “الموسيقى العربيّة”، وهو مُثقَلٌ بعبء المُكَوِّناتِ غير الموسيقيّة أو ما قبل الموسيقيّة، يتقزَّمُ في حضرتها ويتحدّدُ دوره التابع لها، وتنحصر هذه المُكوِّنات في حدود اللّغة الكلاميّة، والشّعر منها تحديداً؛ فحتى لو وجد الشّعرُ سببًا شعريًّا لقول الشّعر بواسطة اللّغة، إلاّ أن الموسيقى (الموسيقى الصّرف) لا تنتهي إلّا إلى الصّمت الذي هو منبع “قَولِها” الأصيل ومآله.

هذا الفضاء الكلاميّ “اللِّجاميّ”، الذي تمتدُّ سُيورُه لتُمسِكَ بزمام اللغة الموسيقيّة إلى حدود تجعل من الموسيقى رداءً لجسد الشّعر وبُحوره على نحوٍ أو آخر، يتركُ للُّغَةِ الموسيقيّة الصّرفِ، والفكرة التي منبعُها ومُبتغاها الموسيقى، يترك لها هوامِشَ الصّمت؛ لا صمت الموسيقى، بل صَمْتهُ هو: صَمت اللُّغة الكلاميّة لحظةَ تستردّ أنفاسَها لتستأنِفَ النُّطْقَ. لكن يبقى هذا “الإفصاح الصّامت” للموسيقى خجولًا وهزيلًا، يدور في فلك تنهُّدات اللّغة الشّعرية نفسها، دون أن ينزاح إلى سرديّةٍ موسيقيّة؛ محض موسيقيّة.

هُنا، لا نجد أيّ حضورٍ للفكرة الموسيقيّة إلاّ بمقدار ما تسمح به طبائع الشّعر وبحوره وإيقاعاته؛ اللُّغةُ الشّعريّة هنا هي التي تستنطق الموسيقيّ فينا وتُفكّرُ عنها وباسمها؛ الموسيقى هنا فِعْلُ اسْتِلابٍ وظيفيٍّ يتبع لفعلٍ شعريّ آخر، لا فعل حضورٍ مُستقلٍّ مبادرٍ ومُبْدع بذاته ولذاته.

وهناك خاصيّة ثانية تتطبّع فيها الموسيقى التابعة للشعر من الشعر (العربي)، وهي خطيّة الشعر، مما يُعيق تطور الموسيقى بوصفها لغةً نسيجية قادرة على التحدث بأكثر من فَمٍ في آنٍ معًا.

الموسيقى كذلك، حين تكون محضَ لُغةٍ، وهي ليست كذلك في تاريخ “الموسيقى العربية”، تستَعيدُ هامشَ اللاّ-مُفكّر فيه واللاّ-مُفصَحُ عنهُ في لُجَّةِ اللُّغةِ الكلاميّة؛ الموسيقى، حين تكتفي بذاتها، تكونُ هناكَ، حيث تصمتُ اللُغةُ الكلاميّة لنتمكن من التحدّث مع أنفُسِنا، بعيدًا عن قوالب اللّغة وسطوةِ طبائعها وقواعدها وما شُحِنَتْ به من مخزوناتِ الأفكار القديمة والمُكرَّرة ومقولاتِ السياسة ومُلصقاتِ العقائد وغير ذلك الكثير.

هذا الهامشُ الذي تُتيحُه لنا الموسيقى، بعيدًا عن كُلّ المُكوّناتِ غير الموسيقيّة، ينفلتُ من الخطاب اللُّغوي بوصفه خطابًا سُلطويًّا استلابيًّا. ومن هنا، فإنّ الموسيقى، وهذا، كذلك، لا نجده في تاريخ “الموسيقى العربيّة”، تدفعُ بالفكر إلى الطّرف الأقصى حيث عليه أن يكشفَ عن كنوزه الأولى، لا بوصفها تواصُلًا وظيفيًّا وبراغماتيًّا، بل كشفًا، بلا وسيطٍ، عن حركة الوجود الإنسانيّ وتجلّياته داخل لُعبة هائلةٍ من “مَرايا التأويلات” و “بَلُّورات الشُّعور”، حيث تتفجّرُ إمكاناتُ التّعبير التي تضعنا دائمًا على عتبات “الصّمت” الذي لم يُفصح عن ذاته بعد.

احتجاب المصدر

 في ظلّ “التاريخ الموسيقي العربي” الذي نعرف الكثير عن مكوّناتِه غير الموسيقيّة، كالشّعر، والقليل عن مكوناته الموسيقيّة التي وصلتنا عبر الإِخبار والتوصيف، وفي ظلّ غياب “المُدَوَّنَةِ الموسيقيّة الأصليّة”(Urtext)  وانعدام التّدوين (Notation) من جهة، مُقابل هَرج وُسطاءِ الأخبار وناقلي الروايات ومرجِ قَصَصهم من جهةٍ ثانية، كيف للباحث في “تاريخ الموسيقى العربيّة” إذًا أن يُحسنَ الإنصات إلى لُغة الموسيقى وتأمّل طبقاتها وسبر أنفاسِها وتعابيرها وهمومها في سبيل التعرف على ملامح التجربة المحض موسيقيّة من خارج عباءة الوسيط الذي لا يفعل سوى الكلام والكتابة عن الموسيقى والإخبار عنها، لا بواسطتها؟ وكيف له التأكد من صحّة معلومات المصادر ومرجعيّاتها؟ حيث لا تحمل لنا الحكايات عن الغَواني والجواري والمغنّين والصّادحين أيَّ نصٍّ موسيقيّ صريح يتحدّث عن نفسه بلسان الموسيقى ذاتها؟ من أين لنا أن نجزم بأن هناك شيئاً حقيقيّاً في التاريخ العربي اسمه “موسيقى عربيّة” عبر الأوصاف التي تكاد تقترب إلى التجسيد في أحيانٍ كثيرة في دقّةِ وصفها وكثرةِ تفاصيلها؟ فهي تُبقي باب الاحتمالاتِ مفتوحاً على النتيجة النّهائيّة، لا من حيث النصّ الموسيقيّ الدقيق وحسب، بل حول الأساليب المتعلّقة بشيفرات الآداء وقواعد التّذوّق وقوانين الجمال ودروب الاستساغة، وهي غير منصوص عليها إلا في استثناءاتٍ لا تخدم أيّ بحثٍ جادّ.

أهميّة التّدوين الموسيقي

ثمة فارق جوهريّ يُحدثه فعل التّدوين في الفكرة الموسيقيّة وكيفيّة التعامل معها وتطويرها، هذا على مستوى التأليف نفسه. أما في البُعد التوثيقيّ للتدوين الذي يُثبّت الأفكار ويحفظ النُّسَخ الأصليّة (Urtexts)، بل وحتى المُسَوَّدات أحيانًا (أي سيرورة العمل ذاتها)، فهذا يسمح بعلاقةٍ مباشرة بين النصّ (المدونة) والعازف (المؤدّي)، أي علاقة مباشرة بين “المؤلف” في زمنه، وبين العازف في زمنه (الآخر)، مما يجعل من هذه العلاقة علاقة تأويل ممكنة لنص أصلي موثوق وموثَّق عبر الزمن وتداعياته الثقافية العامة والفردانية؛ ينظر العازف إلى “النقاط السوداء” على الورق، ويُعيد إحياءها من جديد في تأويلات الصّوت/ الصّمت التشابكيّة.

بالنسبة للمُستمع، أيّ مستمع، فإنّ التّدوين يمكِّنُ من الانخراط في تجربة الإصغاء للنصّ الموسيقيّ الأصلي من جهة، واستنباط تأويلاتٍ عديدةٍ في الأداء، تُكسبُ النصّ الأصليّ جماليّاتٍ متعدّدة الأبعاد وتُعيدُ إحياءه مراتٍ ومراتٍ عبر تجدد التأويلات وانكشاف النص الأصلي على عبقريات الأداء المتجدّد وعبرها، في كل زمان ومكان.

في ظل هذا، لا يُمكننا التعامل مع مُسَمّى “الموسيقى العربيّة” إلا من باب افتراض وجودها بوصفها ثقافة سَمْعِيّة، لا-تدْوينيّة، (قبل القرن العشرين) يستحيل ضبط إيقاع ذاكرتها ورصده، في نشوئه وتطوره، كما يصعب متابعة آليّات تناقلها ومصداقيّة ناقليها عبر الزمن والجغرافيا.

من هنا نقول إن “الموسيقى العربيّة”، رُغم اعتمادها على الذاكرة لا على التّدوين (الذي يحفظ الذاكرة)، هي بمعنى ما، “ثقافة النِسْيان”، في الوقت الذي يُجسِّدُ فيه التّدوين الموسيقي (الذي “يستبدل الذاكرة”)، ثقافةَ مُحاربةِ النِّسيان، أي “ثقافة الذّاكرة”. ولكن، هذا “النسيان” الورقيّ، لصالح “التذكّر” الشّفويّ، غير المضبوط أو الموثوق، والمنحرف باستمرار عن الأصل، هو، على نحوٍ واضحٍ، ابن “الخطيّة اللحنيّة” ذات المواصفات التي تمكّن من التذكّر، على مستوى ذوي الموهبة، إن كان الخط اللحني “مُعقّد”، وعلى المستوى الشعبي الواسع، إن كان سهلًا ومُستساغًا. ولو كانت الموسيقى، أو بالأحرى الغناء العربي متعدد الأصوات، لما تناسبت الذاكرة الشفويّة مع هذا التعقيد، الذي كان سببًا، كما يبدو، في تطور التدوين الموسيقي في الثقافات الموسيقية الغربية في طور متأخر.

وإن كان لنا أن نَخْلُصَ إلى نتيجةٍ إيجابيّة ومتأمّلةٍ ما من هذه المُقدّمة التي تبدو للوهلةِ الأولى سوداءَ مُعتمة، فعلينا أن نبحث عن مدخلٍ إبداعيٍّ ممكنٍ يُخلّصنا من إشكاليات “الغياب” و “الصّمت” التي تمهر تاريخ “الموسيقى العربيّة” ويضعنا أمام حُلولٍ فنيّة مُمكنة للحاضر والمُستقبل. أما البحث في الغناء العربي، أو “الموسيقى العربية” التي تقتصر على فن الارتجال، فيحتاج إلى أدواتٍ نقدية ومناهج بحثٍ من خارج ثقافة التّدوين، تسمح في فهم هذه الثقافة فهمًا موسيقيًّا أنتروبولوجيًّا مُنصِفًا، إن صح التعبير.

******

[1] أفضل، في كثير من المواقع، استخدام عبارة “الفضاءات العربية” وليس “العالم العربي، للتمييز بين العالم العربي الجغرافي، وبين الفضاء العربي الثقافي الذي يتجاوز الجغرافيا ويجد لنفسه الكثير من المتنفّسات في المنافي، أو في جغرافياتٍ أخرى.

[2] music genre

[3] علم أصول الكلمات وتاريخها Etymology

[4] بمعنى momentum، أي الطاقة الحركية الكامنة.

[5] “مؤلَّف موسيقي” شهير للبيانو، للمؤلِّف الموسيقي الأمريكي جون كيدج (John Milton Cage 1912-1992)، والمكون من ثلاثة أقسام لا يعزف عازف البيانو فيها ولا يُصدر صوتًا.

[6] في مقالته “بتهوفن والسكتات الوسيطة الخفية: دراسة في تحولات الأسلوب”، يُسهب مارك ريتشاردز في الحديث عن أهمية وفاعلية الفواصل الصامتة في تحولات موسيقى بيتهوفن، ويُسلط ضوءًا جديدًا على فهم دور الصمت في تشكيل أسلوبية الموسيقى والتأثير في تحولاتها. وبرأينا الشخصي، لا يمكن فهم أسلوب بتهوفن الأخير، وفهم معنى التشظّي فيه دون فهم فاعلية الصمت.

[7] Richards, M. (2013). Beethoven and the Obscured Medial Caesura: A Study in the Transformation of Style. Music Theory Spectrum, 2(35), 166-193

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This