هكذا تكلّم العبد (ج1)

(1)

لم يكن هناك شيء باعث على الفرح والحب والطمأنينة، كان للكراهية والحقد والعداء والعنصرية دور كبير في كفري بكل شيء. منذ صغري تسميت بعشرات الألقاب والأسماء القذرة التي تحط من قيمتي الإنسانية. كنت أقرب إلى ما دون خط البشر، في نظر كل هؤلاء الاوغاد الذين جعلوني أتعرف تاريخي البشع الغارق في مستنقع الاسترقاق والعبودية وأنا أتصفح أمهات الكتب الدينية والتاريخية التراثية بما في ذلك كتب الفقه والحديث الصحيحة والضعيفة. عندها عرفت محنة نبع تاريخ البشاعة النتنة التي تناسلت منها جذوري الوبائية في امتداد عدوى القهر والاحتقار والتبخيس والدونية التي تواطأت في خلقها السماء والأرض أبا عن جد دون أن تقوى سردية إيمان بلال على رد التهمة وافتراض البراءة في كوني إنسانا كسائر الخلق والعباد.

ولدت في حارة المرابطين بالجنوب الشرقي من المغرب، في سبعينات القرن العشرين ولا زلت ضيفا ثقيلا على هذه الأرض حيا أرزق، وهي حارة تسكنها قبيلة السود في بيوت طينية واطئة بأزقتها الضيقة المملوءة بعشرات الأطفال متفاوتي العمر، وكنا شبه عراة بدون سراويل، مما يسهل قضاء الحاجة، وتفادي الروائح العطنة التي تزكم الأنوف وهي تتلبس أسمالنا التي لا تغطي سوى نصفنا العلوي.  كانت منازلنا، الرخوة بحرارة هجير كل صيف قاتل بعنف صهده اللعين، تحاول الوقوف عارية من أية صلابة وسط حقول صغيرة تزينها عشرات من أشجار النخيل التي تمنحنا حلاوتها من عام لأخر بفرح كبير في تسكين هواجس الجوع والفاقة الشديدة الوطء والوجع. حقول لا تتسع ولا تتمدد، في وقت تتناسل عشرات الأرواح بين أم وأب يتألمون بين مخالب الاضطهاد العرقي والاجتماعي والأخلاقي والتاريخي الغارق في القدم، من الأمة والعبد الى إسمخ، أقبلي، أونكال، أسوقي، الحرطاني، القلاوي، عزي، العزوة، لوين…، (كلها أسماء تحمل معنى العبد الأسود القذر)

وحدنا الفقر المدقع، والنظرة العنصرية الاحتقارية لقبائل البيض التي تحيط بنا من كل جانب، حيث لم نكن نسمع منهم غير النعوت والأسماء القدحية، فمرة ينادي علي بعضهم بإسمخ، أو أونكال، بشكل عادي تلقائي كما لو أن الامر طبيعي جدا في التطاول والتجاوز لإنسانيتي، بل مع شعورهم بالفخر والشرف والوجاهة الاجتماعية، والمروءة والرجولة وهم يدوسون على كرامتي دون أن أقوى على أي رد فعل بسيط مهما كان شكله أو أسلوبه الخفي أما العلني فذلك من المستحيل تخمينه أو تخيل حدوثه. لكن السؤال كان يكبر معي وأنا أحاول مع العمر فك شفرة هذا الوجود الاجتماعي الباعث على التقزز والقهر والانفجار الداخلي المكبوت في أعماق مقهورة لا تملك فهما لسر لعنة قدر اللون الأسود المنبوذ، والحقير الكريه، والمعذب لروح النفس والجسد بألوان من الألم المفجر للعذاب الرهيب.

هكذا عرفت أسمائي التي لا تعد ولا تحصى، ففي كل منطقة أو مدينة من المغرب إلا وكانت تسبقني عشرات الأسماء القدحية الناجزة والجاهزة التي توارثها البيض في حق السود. فقد أسمى بالحرطاني، الأكحل، عزي، أقبلي…

وقد تميزت الكتب الدينية القديمة في التفرد بوسمي ووصمي بعشرات الألفاظ القذرة التي لا يمكن أن تطال قيمة الانسان بصفته إنسانا، الشيء الذي أثار رعب السؤال في داخلي حول سر القوة الأخلاقية الاجتماعية والدينية التي جعلت أجدادي جزءا من متاع السيد المالك لرقابنا كالحيوانات أو ما دون ذلك بكثير، مجرد متاع قابل للبيع والشراء والاكراه والاغتصاب، أو للقتل ببرودة الدم.

لم أنعم بطفولتي كأي إنسان حقيقي ولطالما كانت الوساوس والهواجس وأسئلة الاضطهاد تعذبني دون أن أتمكن من الوصول الى سر الرعب الذي تولد في جوفي حول حق وجودنا على هذه الأرض بين هؤلاء الناس ونحن نسعى بينهم بحثا عن لقمة العيش دون الحلم بذرة كرامة إنسانية. وكان للعذاب لحن الفجيعة وأنا أرى نفسي في منتهى الضعف والهشاشة لا أقوى على طرح أسئلتي على أصدقائي السود كلما تلقينا وابلا من العبارات العنصرية القدحية التي تحمل في داخلها ذاكرة تاريخية موغلة في الاسترقاق، معبرة عن حجم المأساة التي عاشها أجدادنا في التاريخ المنسي والمكبوت كمحرم لا أحد يقوى على خرقه أو انتهاكه اليوم ونحن نتعرض للسخرية والنفور والتعيير.

كلما تذكرت تلك اللحظات الرهيبة والمؤلمة وأنا أتصفح كتبي المدرسية، كل عام دراسي جديد من مستوى لآخر، بفضول كبير يشوبه الألم والعذاب اللامرئي في كياني الصغير. كتب مرعبة ومفزعة وهي غير قادرة على الإحساس بوجودنا الحي على هذه الأرض. ربما كنا مجرد فيروسات غير مرئية وغير مرغوب فيها ولا في حضورها المباشر على صفحات الكتب المدرسية التي كانت تحفل بالأطفال البيض. هذا الصمت المقصود كان بالنسبة لي كطفل مؤلما أشبه بالقتل الصامت في العتمة. أسئلة كثيرة كانت تجوب دواخلي، تحاصرني في الزاوية الضيقة للعرق القذر الذي لا يستحق أن يعلن حضوره الإنساني. كان بالنسبة لي حلما كبيرا أن أصادف في إحدى صفحات كتبي طفلا أسود، لكن خيبتي كانت تكبر من سنة لأخرى، دون أن أتمكن من الإعلان عن هذا الحلم الذي قد يبدو للكثير منكم مجرد هلوسة ساذجة، أو هذيان صبياني لا أقل ولا أكثر، لكن بالنسبة لي كان حلما جميلا لم أتحمل أن يخدش من أي كان لذلك لزمت الصمت، ودفنت الحلم لعلي أفاجأ يوما بحضوره الباذخ. هل حقا كنت أحلم في تلك الأيام البعيدة من طفولتي أم أن القهر والاضطهاد العرقي فجر في نفسيتي أنواعا من الجنون؟ هذا هو السر الذي لم تعرف أسرتي كيف تصل اليه لكي تتعرف سبب كراهيتي لكتبي المدرسية. ولحسن حظي كانت طرق التدريس تعتمد التلقين فكنت أكتفي بدفتر الملخصات، وهذا ما سهل علي التفوق في دراستي الى درجة كنت أثأر لنفسي من زملائي البيض بالتفوق عليهم في نتائجي الدراسية، داحضا كل تلك النكت الساخرة بالسود في وصفهم بالغباء والبلادة، الى جانب القصص والنوادر التي تشربوها في طفولتهم حول السود كجنس حقير أقرب الى عقول الحمير. كان زملائي في المدرسة جد مقتنعين أننا لا نصلح سوى للحرث والاعمال الشاقة الوضيعة انسجاما كما يقولون مع طبيعة وجود تميزنا كجنس منحط أشبه بالبشر إن تساهلوا معنا أحيانا.

ومع السنوات كنت أكثر ميلا الى الكتب غير المصورة لأنها تعفيني من الاستفزازات الرخيصة. إلا أنني كنت أتساءل عن هذا الفعل المقصود من واضعي الكتب المدرسية بهذا الشكل الغريب الذي يستثني فئة من الناس أقرب الى البشر في نظرهم.

كانت أمي تعنفني لفظيا كثيرا كلما أكثرت من الأسئلة المحرقة حول سر عبوديتنا التي نحملها كوصمة عار.

وكانت الفاجعة كبيرة حين رأيت جدتي المتطاولة في الزمن الأقدم العريق في هوامش الكتب القديمة. كانت مجرد طفلة قاصرة شبه عارية تقف في سوق النخاسة على مرأى ومسمع الرجال، وتُفحص من كل الجوانب بالأيدي النجسة والطهورة التي لا تزال على وضوء صلاة الفجر، وهي الآن تمارس حقها الشرعي في شراء الأمة للخدمة والمتعة وما بين ذلك حلال مبين. كانت تقف شاردة الذهن في المزاد العلني للعبيد، في سوق تجارة اللحم البشري. ثم هاهي هناك في منزل السيد رهن إشارته كملك حلال يتصرف فيها كما يشاء. هكذا كنت أتعرف جذور ما قبل تاريخي وأنا أغرق في الحزن والألم والبحث. يرميني كتاب الى كتاب آخر أشد وطأة منه على نفسي في الظلم والقهر، ويتملكني جنون بشع وأنا ألتقي جدتي وقد تزوجت بعبد غريب مثلها بعد أن شبع منها سيدها وأبناؤه. وبين صلاة وصلاة كانوا يغتسلون فرحة بلقاء الرب صاحب النعمة في الملك والملك وفضل سعة الرزق. كانت تدمع عيناها بصمت وهي ترى بوضوح جبار قاهر لسيدها الفعال لما يريد وهو يسوق أطفالها الصغار لسوق النخاسة كمورد رزق ساقه الله إليه، دون أن يرف له جفن الانسان على أنه يسلخ أطفالا من أمهم. يسوقهم مع الدواب كالحمير في الصباح الباكر بعد أن أدى الرجل الورع الوقور صلاة الفجر في مسجد القرية.

أكاد أنفجر من البكاء المخنوق في الأعماق وعيناي معلقتان في السماء وشفتاي تتمتمان ” (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). كما لو كنت أستفسر برهبة في النفس أقرب الى التوسل العبودي الى الله، خوفا من دسائس الشيطان من سم الكفر الممزوج برغبة السؤال الآثمة عن سر عدم تحريم الرق. كنت أكثر من قراءة القرآن خشية من السقوط في الجب العميق لوساوس الشيطان الرجيم، التي لا تفارقني، وتزداد قوة وغرابة وشدة في السؤال كلما تقدمت في عمري من طفل صغير الى شاب في مقتبل العمر. كانت أمي تخشى علي من الكتب وهي تراني مشغول البال. بينما كان أبي فقيها ذميم الخلقة، أو هكذا كنت أراه، قابلا ومتقبلا لتاريخه المنسي المسكون بالألم والفواجع، يضيق صدره من اهتماماتي التافهة في نظره حول وجودنا الغريب بين هؤلاء الناس، لهم مساجد مثلنا، وتجمعنا بعض التقاليد والعادات، ونتشابه في الطقوس والشعائر الدينية، ونصوم جميعا رمضان بفرح كبير، ويقولون أحيانا أننا إخوة في الله. لكن لماذا هذه النظرة والمعاملة التحقيرية يتوارثونها في القلب أبا عن جد، دون أن يقوى الزمان على محو هذا الفعل الشنيع؟ ولماذا دماء العبودية والرق لا تزال طرية في التواصل العمودي اليومي، وفي النظرة القاسية المفعمة بالشرر الهائج تصوب نحوي تبخيسا لكرامتي وإمعانا في إذلالي وإهانتي كلما فكرت في عيش سلوك الحر في الملاحظة والاعتراض؟

هل كنت أقرأ من كتب التاريخ والفقه، والفتاوي والنوازل، وغيرها من مظان القهر، أم أن ذاكرتي كانت تشطح بما تخشى من رهاب الرق والقهر واضطهاد الظلم؟ وأنا أرى نفسي مجرد لوثة عدوى يخشاها الناس في المناصب الجماعية والإدارية والإعلامية والحزبية…، احتراما لهيبة البيض في ألا يكون رجل أسود على رأس منصب مسؤول.

كانت القراءة عذابا أليما كلما ولجت بابها الملعون إلا وازددت حقدا وغبنا ومهانة وذلا، كانت صفحات تاريخي المطمور تحرقني دون توقف، وتحرك سيلا جارفا من الحمم الحارقة في نفسي وهي تضعني أمام سر لعنة العنصرية والاحتقار التي تطالني اليوم في وضح النهار في النبذ والقهر والسخرية والاستهزاء والاقصاء من دائرة الانسان، في وقت يعلو صوت البيض بالمطالبة بالمزيد من الحق في الحرية والكرامة والعدل… دون أن يقوى الواحد منهم في الإشارة ولو بالغمز الى ما نتعرض له من العنف اللفظي والعزل الاجتماعي ونكران الاعتراف ببشاعة التاريخ المنسي، والحاضر المغيب في تلعثم اللسان بالحق في الإقرار بما لحقنا من حقارة الظلم والقهر  في الأمس واليوم.

قيل لي، عبر محنة ملازمة تفحص الكتب بحثا عن الحقيقة والحق، أن أحد أجدادي، وهم بالمناسبة عدد لا يعد ولا يحصى، أنه قد رحل على الأقدام كغنيمة صيد من إحدى قرى وسط إفريقيا مسافة شهور كاملة من المشي والترحال من منطقة لأخرى، حتى تشققت قدماه ونال منه التعب والارهاق، في وقت تساقط فيه الكثيرون من بني جلدته بين كثبان الرمال وقد أدركهم موت الانهاك الطويل الذي لم يرفع يده عنهم منذ انطلاق القافلة من الوسط المجهول في اتجاه سجلماسة، كما دون ذلك أحد فقهاء التاريخ، محمد بن علي التلمساني المعروف بحبه لسلطة المال والنساء وتربية العبيد، خاصة الجواري الحسان،  في قرطاسه الملعون وهو يسجل خبر ارتحاله صحبة قافلة للغزاة على نية فتح سجلماسة الكافرة تبريرا لقتل الساكنة المسلمة وجعلها غنيمة شرعية لقبائل التمركز والانتشار لما عرف في التاريخ بالدولة المرابطية. وقبل شهر من اقتحام البلدة تم استعداد حربي وتخطيط جهنمي تم الإقرار فيه بوضع العبيد في مقدمة الغزو والقتال. هكذا تطايرت الرؤوس باسم الإسلام في حق أهل الإسلام. وكانت الغنيمة مخبأة تحت رداء الجهاد. وتحول الاحرار الى عبيد بجانب العبيد. وصارت النساء في رمشة عين مجرد جواري للفعل الحلال في البيع والهدي والوطء…

وفي إحدى صفحات هذا المخطوط قال الفقيه بعظمة لسانه دون أن يتبين ما يختفي بين الكلمات من أسئلة ومعاني هدمت كل مقاصد الرجل في الاخفاء والاظهار لحقيقة نصرة الدين وجعل كلمة الله هي العليا.” قبل بزوغ خيوط الفجر من ظلمة ظلماء انطلق المؤمنون انطلاقة رجل واحد، وقلوبهم مسكونة بحب الحق سبحانه، يبغون مرضاة الله في نصرة كلمة الله. لم تأخذهم شفقة ولا رحمة من أعداء الله الذين ارتدوا عن صراطه المستقيم، فأبلوا بلاء حسنا، تحقق لنا بفضل الله غنيمة عظيمة من المال والحلي والدواب والنساء والكثير من العبيد. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

هكذا خيل لي جدي العبد الأسود يهجم بعنف مروع على الرجال الأبرياء ليس دفاعا عن دين يجهله، وليس نصرة لرجال اختطفوه بالقسر والاكراه وجعلوا منه مجرد عبد لا يختلف عن دابة الله في أرضه، ومتراسا للمؤمنين التواقين الى الجنة في سبيل الله، لهذا يرمى جدي المنحوس الحظ في مقدمة المحرقة حطبا للموت نصرة لكلمة الله. تألمت في نفسي وأنا أشهد بأم عيني حروبا خاضها أجدادي العبيد بقوة وشجاعة في سبيل حماية النفس من موت محقق، ومن أجل البقاء، دون أن يكون هناك للشهادة والجنة أي معنى، ولا للبطولة والشهامة أي مقصد. وهو يقول في نفسه: عبدك مكره لا بطل.

كلما حاولت الهروب من صفحات هذا المخطوط إلا وتجاذبتني كتب أخرى في التاريخ المهمش المنسي، وهي لا تكف عن وضع هذا التاريخ الموبوء بين يدي حول سلطان كون جيشا من العبيد سماه دون خجل ولا حياء بعبيد البخاري في جمع لا يستقيم إلا داخل الثالوث المحرم: السلطة والدين والعبودية. هكذا كانت صفحات الكتب تتقاذفني. توبخني حينا، وتزجرني حينا آخر، خاصة حين تفضحني تقاسيم وجهي المعبرة عن استنكار صريح تجاه كل ما حدث من بشاعة بقيت طي التدليس والكتمان المبين.  وفجأة دون سابق إنذار تنفتح صفحات أخرى في وجهي غامزة ضاحكة بسخرية لاذعة وتضعني على عتبات القرن التاسع عشر قائلة بصوت فيه الكثير من اللوم العنيف لمن يجهل تاريخه العريق أن ينظر على الأقل الى أقرب صفحاته في هذا القرن حيث كانت بيوتات أغنياء المدن في مكناسة وفاس ومراكش…، مملوءة عن آخرها بالخدم السود، فقد كان الناس الميسوري الحال يتنافسون في امتلاك العبيد، أو على الأقل أثناء عقد قران. وكانوا بذلك مقياسا للثراء، ولم تكن أية زاوية دينية تخلو من العبيد بالعشرات، كما كانت تجارة الزنجيات نافقة. أي معسول هذا للمختار السوسي الذي أنا في حضرته أتألم بموازاة صراخ مقموع لا يتمكن من الانفلات من قبضة مرعبة مصرة على مواصلة خنقي وأنا أعاني عسر التنفس؟ أي معسول هذا وهو يخبرني في صفحاته بتفاخر الناس بامتلاك أجدادهم لعدد هائل من العبيد؟ أي تاريخ ملوث بالقهر والظلم والبشاعة هذا الذي يمتد في ذاكرة دمي أو جلدي الحقير وأنا أحلم بالمواطنة والانسان دون أن أقوى على رد النظرات العدوانية القاسية المشحونة بالعنصرية والاحتقار؟ وكيف يمكن جبر الضرر النفسي العميق الذي خرب جوفي؟ ومن أين لي القدرة على التصالح مع ذاتي المرهقة بحرقة الأسئلة التي لازمتني كل هذا العمر وحيدا في عوالم الغربة والتيه باحثا عن جواب يأتي ولا يأتي. الشعوب التي شردت من أرضها تحلم بحق العودة. وأنا الذي اقتلعت من نفسي أحلم فقط في آخر العمر بالعودة الى نفسي أو على الاقل التصالح مع نفسي في وسط هذا الدغل الذي لا يخلو من سم الأفاعي، حتى لا يتكرر ما حدث وهو لا يزال يطل برأسه الناعم المرن في حياتنا اليوم، حيث أينما وليت وجهي أجده غامزا ضاحكا، ساخرا من حلم العودة الى نفسي.

هل دخلت حقا باب الحكاية المحظور والمحرم؟ وعلي أن أتحمل مسؤولية هذه المغامرة المتهورة في الحكي وأنا لا أملك غير تجربتي المرة وارتحالي بين الكتب حافرا عما يضيء الطريق أمامي لمعرفة سر الحكاية وأفوز بالمفتاح الذي يمكنني من فتح الغرف المغلقة في دواخلي العميقة علّ نور الشمس يقتحم عتماتها الرطبة النتنة وتغادر العنكبوت زواياها المظلمة، فأتمكن من أخذ نفس عميق يشد أزري و يصلب عزمي على مواصلة درب الحياة خالي النفس من الضغينة والحقد، متبرئا من نزعة الكراهية التي استنبتت في قلبي ضد إرادتي  المقيدة الحرية في حب الناس وعشق الحياة. صحيح أن قلبي مدمى وجوارحي أشلاء ممزقة وتجربة العمر مرت تبعا لإيقاع الفجيعة في أن أعيش خارج الاعتراف بالذنب والإنسان لا أقل ولا أكثر وسط أناس يعتبرون أنفسهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وهم يحللون شرعا بيع وامتلاك الخدم والعبيد. وهاهم أحفادهم يحملون في عيونهم ذاكرة مثقلة بالعنصرية والكراهية والاحتقار فكيف لي أن أتعرف طريقي وسط هذه المفارقات اللئيمة الجارحة التي تنفذ الى الداخل كالسهام السامة. وأنتم الآن تنظرون الي بريبة وشك تنضح منهما رائحة التهم الفظيعة في المس بالأمة والدين والسلطة.. وأنتم مصرون على قمع صوتي الممتد في تاريخ العجم كالدواب يحق لها فقط أن تؤمن إن سمح السيد بذلك.

تقولون هذه ترهات، حقارات، كذاب مفتري يبغي الفتنة، وأنتم لا تكلفون أنفسكم عناء ومشقة قراءة تاريخ المدة الطويلة، ولا تاريخ الزمن اليومي المعيش. لعلكم تذكرون الحادثة التي يرويها الكبير للصغير في جو من الضحك الساخر من الحراطين السود الذين إذا شبعوا فسدوا وإذا جاعوا مكروا، تذكرون حين مر زعيم وشيخ قبيلتكم، وهو أحد قواد فترة الاستعمار، بجانب المدرسة فشاهد جدي الملعون يحلم بمتابعة الدراسة كباقي أبناء البيض.

  • أنت ماذا تفعل هناك أيها الحمار؟
  • سيدي أنا تلميذ في هذه المدرسة
  • كفى ما تعلمته لحد الآن، عد للعمل وسط الحقول، هناك مكانك الطبيعي.. غادر بسرعة…

هل هذه ترهات وحكايات من محض الخيال الرديء؟ هل هذه وساوس فتنة أم حقيقة محجوزة في دهاليز التاريخ المحظور؟ هل هذا تزوير للتاريخ أم محاولة للوقوف أمام المرآة؟

لا أريد منكم غير جلسة واحدة بحبكة قوية مكثفة المفاصل، لأن آلام الأوجاع لم تترك شيئا لذلك اللغو السردي الطويل المعقد. ولا أحتاج الى شخصيات غامضة تغرقنا في التفاصيل حيث يقبع الشيطان الفني اللعين وهو ينصب الفخاخ في نسيج الكلام هادفا الى توريط القارئ في اللذة والمتعة. اكتسح الألم كل شيء وفاض الواقع على الخيال.  كما لا أريد أن نغرق في تعدد الأصوات لديمقراطية الواجهة، أو أستأثر بالمبنى والمعنى. سأكتب القليل وأترك الكثير لكل قارئ عابر سبيل هزته حمى البوح الراغب في تحقق الاعتراف بإنسانية صورة عبد حقير مثلي قابعة وراء عيونكم بصمت فاحش، وهي تنظر ولا ترى إنسانا يشمله حق الانسان. قارئ ضاع مثلي بين حفر، المخطوطات، والمظان، والذاكرة الشفوية الموشومة بالخوف والصمت والنسيان، هروبا من هذا الكذب الجارف الذي شوه كل شيء، والصمت السادر الذي يترفع بغطرسة عن الإقرار بجريمة لا تزال آثارها تنفث الكراهية باستمرار في حق رجل أسود مثلي. قارئ ينشد الوصول الى الحقيقة العارية، وهو يقلب صفحات الكتب مزاولا حفرا عميقا في أدغال استرقاق الانسان، لعله يتبين شعاع أو بصيص ضوء يضيء تجاويف هذا النفق المظلم للكراهية الى حد خنق رجل أسود على قارعة الطريق. أرجوكم تحملوني ولا تصدقوني دفعة واحدة، هزوا رؤوسكم وتذكروا قصصكم إنها تتقاطع مع قصتي، فأنا لن أطيل عليكم تكفيني جلسة واحدة لرواية قصيرة ويمضي كل واحد الى حال سبيله.

(2)

لم يكن بودي يا حفيدي أن أبدأ معك هذا الحديث، أو الموال المؤلم الملعون الذي حملنا عبأه الثقيل طيلة قرون في تاريخ قهر الانسان، لولا إلحاحك الذي عكر صفو حياتي العادية في هذه الواحة الهادئة العزلاء. نأكل مما تنبت أرضها وما تثمره أشجارها ونحن نستعين على غوائل الزمان بما ننتجه من حرفتي الحدادة والخزف التي كتب الله لنا فيها لقمة العيش. لا تشغل بالك أكثر من اللازم ولا تسأل عن أمور قد تفقدك صواب الايمان والعقل فاحرص على آخرتك أكثر من دنياك وواصل حفظ كتاب الله. ولا تفارق زاوية الحاج عمرو ففيها الخير والبركة. والغني من استغنى عن حب العاجلة وجعل كتاب الله في جوف قلبه، محجة بيضاء تحميه من ظلمة الجهل والكفر. واذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين دون كلل ولا ملل. وعبوديتنا أمر قضى بها سبحانه وتعالى ولا مغير لقدر الله (قدر الله وما شاء فعل) (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).. فلم كل هذا الجحود والعناد والسؤال المحموم وأنت تلقي بنفسك الى التهلكة والى معصية الله؟

ولتعلم أن العبيد مراتب فقد حكى جدي عن جده أنه رآهم في أوضاع متباينة بين الفقر الشديد والرخاء والنعيم، وما بين ذلك كثيرون.  فأنا نفسي وجدتهم بالمئات والعشرات لدى السلطة في الجيش جنودا وخدما، وفي بيوتات أعوان السلطة والقواد الكبار، وعند علية القوم من الأغنياء. وجدتهم ضعفاء مضطهدين وغلاظ شداد تحمر عيونهم اليقظة باستمرار وهي تحمي السيد، الذي يعيش كالأمير، من كل مكروه أو غدر أو خيانة. كل حركة أو سكنة في البيوت يعلمون بها قبل حدوثها فهم لا يكفون عن استراق السمع وراء الأبواب والجدران.

فقد حكى جدي عن جده ذات مساء مرهق قاتل بحرارته الحارقة، بعد يوم عمل شاق في حقول الحصاد.

(في ذلك الزمن البعيد الذي أجهل تاريخه، وجدت نفسي ذات صباح أساق مكرها دون أن أقوى على الكلام، وأنا طفل صغير تجاوزت عقدي الأول بقليل، الى بيت إليغ قرب تيزنيت. حين رفعت رأسي، وأنا على وشك مغادرة دار سيدي، رفقة عبيد آخرين متفاوتي الأعمار، رأيت دموعا غزيرة جارفة كالسيل من عل في عيني أمي، كانت دموعها ترتد بصورة مرعبة نحو الداخل. ما أبشع حياة العبد وهو لا يملك حق البكاء، ناهيك عن الكلام. وبعد رحلة طويلة على الأقدام وصلنا بيت الحسين بن هاشم في اليوم الرابع متعبين يعذبنا ألم الطريق في الأقدام الحافية، يسري في كامل الجسد بشكل مرعب، مع تحالف رهيب بينه وبين البطون الجائعة التي ضاعفت من قوة الألم. لكن صدمة فخامة البيت المملوء بالحشم والخدم، وعدد لا يعد ولا يحصى من العبيد، أجلت أوجاع الجسد وآلامه. وفعل فعله منظر الطعام الشهي اللذيذ، الكثير الزائد عن الحاجة، وهو يحمل في الصحون الساحرة لكل ضيف جديد من علية الناس، وما تبقى من فضلات الخير للعبيد، عندها أدركت أن ذلك الصراط من العذاب الأليم الذي عبرناه طوال الطريق، كان ثمنا لدخول الجنة. هناك عرفت العجب العجاب. حياة سيد كالأمير جمع ثروة هائلة فسحت له الطريق نحو القوة والغصب فاستحوذ على الأرض بمن وما فيها بالمال والمكر والاكراه. وحين فكر أن يحيط البيت بالمزيد من العبيد كنت من بين الدفعة الأولى التي وصلت بيت إليغ. ومع الأيام والشهور تحول البيت الى بلاط كبير فيه أنواع كثيرة من العبيد الجنود والخدم والرقباء والمزارعين والجواري…، عدد يعد بالمئات، وتختلف فيه الوظائف والمهمات والأعمال. في هذا البيت المهيب بسطوة سيده ترعرعت كشاب قوي صلب متين، وعملي كان موزعا بين خدم البيوت حينا وفي الحقول القريبة حينا آخر، حسب مزاج الرقباء وهم بالمناسبة من العبيد. ولما تجاوزت عقدي الثاني بقليل ضمني الرقيب “سامبا” الى الجيش الى أن صرت يوما مع السنوات من بين مثقوفي المشافر أحمل حلقة من فضة هدية من الشيخ الجليل تعبيرا عن رضاه علينا حفظه الله من كل مكروه. ولم يكن هناك أي شك أو ريبة في علاقتنا بالسيد. هو سيدنا لا شك في ذلك ونحن ملك يديه لا نبغي غير رضاه وندعو له كل يوم بل كل لحظة بطول العمر والصحة والعافية. على الأقل لم أكن أرى الكثير من الشر في عيونه نحونا، فقد أحسن إلينا وعشنا في كنفه وتحت جناحه آمنين مطمئنين. ليس كتلك السنوات الملعونة عند سيدي السابق وأنا أراه مرارا وتكرار يعبث بأمي ويستبيحها متى وأنى شاء، والغريب في الأمر كان يحافظ على الصلوات في أوقاتها. بعد كل هذا العمر وسنوات خدمة السادة لا أستطيع نسيان تلك السنوات الرائعة وأنا في بيت الحسين بن هاشم. كان ذلك فوزا عظيما من الله وقدرا لا يرد. لقد عشت عمرا في النعيم، لكن للأسف دوام الحال من المحال، كما قال سيدي محمد بن عبد الوهاب المراكشي العالم الكبير، وهو يتجاذب أطراف الحديث مع أحد فقهاء البلدة سيدي مصطفى بن ميمون الفاسي. وأنا في ركن البيت أخدمهما وأستجيب لطلباتهما بإشارة من سيدي المختار بن نوح.

  • قال ابن خلدون في مقدمته الدول وأحوال الأمم أعمار، تولد ثم تكبر وبعد ذلك تشيخ فتسير نحو حتفها المحتوم المعلوم. نحن الآن في نهاية جيل وعلى مقربة من خاتمة القرن التاسع عشر، فالترف والرخاء الذي رأيناه هو أول علامات السقوط والانهيار. اللهم أبعد عنا الشرور والبدع ولا تجعلنا من أهل الأهواء وأحسن خاتمتنا واجعلنا من المؤمنين الصالحين الشاكرين.
  • لا أظن صاحبك ابن خلدون سوى رجل مصطنع يسعى نحو الجاه والملك والشرف. ولما تأكد له فشل كل دسائسه اعتكف بقلعة ابن سلامة وشرع يهذي ويخرف، وانتهى به الامر عبدا خادما عند تيمور لنك قبح الله سعيه.

لم يكلف الفقيه سيدي محمد بن عبد الوهاب المراكشي نفسه مشقة الرد عليه، ولا النظر إليه، فاعتذر بأدب طالبا الماء للوضوء. وبسرعة كبيرة قمت بخدمة سيدي العالم الجليل. وفي داخلي فرح كبير وانشراح عظيم في النفس ما عشت مثله منذ ذلك اليوم. وفي الليل كررت عشرات المرات على مسمعي ما سمعته من سيدي محمد بن عبد الوهاب المراكشي، دون أن أفلح في فهم المعنى. فقلت ربما هذه هي عادة الفقهاء كثيرا ما ينشغلون بكلام الألغاز الخفية التي لا يدرك أسرارها سوى المتبحر مثلهم في كلام الله.

فكلما رأيت الشرف العظيم والجاه الرفيع والقوة الرهيبة التي تحيط بسيدي الحسين بن هاشم أينما ذهب وارتحل، رفقة حاشيته من الرقباء العبيد، وحجابه المؤتمنين على سره، وهذا الغنى الى حد الترف الكبير إلا وتذكرت كلام العالم الجليل سيدي محمد بن عبد الوهاب ” الرخاء والترف هو أول علامات السقوط”. وسرعان ما أشرد بعيدا أتأمل في نفسي وفي الحال الذي أنا فيه في بحبوحة العيش وطمأنينة النفس وراحة البال، ونبع الرزق الكثير الذي يملكه الحسين بن هاشم، فأقول في تجاويف القلب: ما الذي جعل عالما كبيرا كسيدي محمد بن عبد الوهاب تنطلي عليه هذيانات هذا الرجل الغريب المسمى بابن خلدون؟

وما كادت سنوات تمضي على كلام الشيخ والعالم الجليل حتى بدأ الوضع يسوء في دار إليغ شيئا فشيئا الى درجة تم الاستغناء عن الكثير من العبيد الذين انتشروا في الأرض، بحثا عن لقمة العيش في الزراعة، أو خداما في بيوتات علية الناس في المدن. والكثير منهم هاجر الى بلاد الكفر والنصارى. وكان هذا المصاب الجلل من تبدل أحوال الناس من الأسباب التي جعلتني أغادر المنطقة صحبة تاجر وعدني بالعمل عنده في مراكش. هكذا صار عندي اسم هذا الرجل المعروف بابن خلدون لغزا محيرا وما استطعت إليه سبيلا. قلت في نفسي ربما هو ساحر كبير يستعين بالجن لمعرفة الغيب، وإلا ما الذي هداه لمعرفة وقائع الأمور وتبدلات الحياة والزمان وتغير أحوال الناس قبل حدوثها بقرون؟ ومرات كثيرة حسمت الأمر فقلت ربما هو عراف تخدمه الشياطن، أو يعرف قراءة أسرار النجوم.

وأخبرك أيضا بأمر جليل هو أننا نحن العبيد لم نكن عالة على السيد، وكنا يدا قوية في السلم والحرب، وكان لنا شأن محترم عنده، وعينا آمنة نحفظ السر، ونخوض غمار الحرب كالأسود بشراسة في وجه الأعداء، ونقضي على الدسائس، وخراب أهل الأهواء الذين يبغون في الأرض عوجا، فكان لنا فضل في جهاد الكفار بأمر من السلطان إلى ساداتنا، فكانت لنا بطولات يحكيها الكبار للصغار عند كل منام.

وبعد كل هذا العمر كلما تذكرت السادة الذين خدمتهم إلا وشعرت بنوع من الحزن الحالك على فقدانهم. كانوا لنا سادة وكنا لهم عبيدا، تلك مشيئة الله في خلقه فقد جعل الناس منازل يولد فيها الانسان ويموت وهكذا هي العاجلة (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This