“زيارات لجروح العراق”.. مرجع بتاريخ الأمس واستنطاق للوقائع الجارية / صقر أبو فخر

غسان شربل صحافي لبناني مرموق، بدأ حياته الصحافية في جريدة “النهار” اللبنانية، وصار رئيسًا لتحرير جريدة “الحياة” بين عامي 2004 و2016، ثم تولى رئاسة تحرير جريدة “الشرق الأوسط” منذ 2016 فصاعدًا. ومنذ سنة 2007 أصدر غسان شربل عشرة كتب حوارية مع شخصيات كان لها شأنها المهم في تقرير مصائر كثير من الأمور السياسية في بلدانها، وهذه الكتب هي: ذاكرة الاستخبارات (2007)، أسرار الصندوق الأسود (2008)، لعنة القصر (2008)، صدام مرّ من هنا (2010)، أين كنتَ في الحرب؟ (2011)، في خيمة القذافي (2013)، لبنان: دفاتر الرؤساء (2014)، وجميع هذه الكتب من منشورات دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت. وعلاوة على ذلك أصدر غسان شربل مجموعة من الكتب الحوارية الأخرى منها: جورج حاوي يتذكر (2005)، وخالد مشعل يتذكر (2006)، و”في عين العاصفة”. أما كتابه الجديد فقد وَسَمَه بعنوان زيارات لجروح العراق (بيروت: رياض الريس للكتب، والنشر، 2021، 396 صفحة). وعلى امتداد صفحات هذه الكتب العشرة لاحظنا أن جميع الذين حاورهم زميلنا غسان شربل هم من لبنان وفلسطين والعراق وليبيا فحسب. ويُلاحظ غياب السوريين والمصريين وحتى الفلسطينيين؛ فالحوارات الفلسطينية اقتُصرت على صديقنا الراحل أنيس النقاش (وهو لبناني ذو تجربة فلسطينية متشعبة)، ومع كارلوس (وهو فنزويلي ذو تجربة فلسطينية خاصة). أما أسرار وديع حداد فلم يكشفها وديع حداد لغسان شربل مباشرة، إذ إنه توفي في عام 1978، بل استقاها من ابنه الصديق الراحل هاني حداد، ومن بعض مساعدي أبو هاني. أما الفلسطيني الوحيد في هذه الحوارات، إذا استثنينا خالد مشعل، فهو جورج حبش. وفوق ذلك فقد استأثر العراق بكتابين من كتب غسان شربل هما: العراق من حرب إلى حرب: صدام مرّ من هنا وزيارات لجروح العراق. وفي كتابه الجديد هذا استنطاق محترف لكل من جلال الطالباني (أول رئيس للعراق بعد صدام حسين)، وهوشيار زيباري (أول وزير خارجية كردي للعراق)، ونوري المالكي (حزب الدعوة)، وحيدر العبادي (حزب الدعوة)، وعبد الغني الراوي وابراهيم الداود (مستقلان)، وحامد الجبوري (بعثي)، علاوة على عزيز محمد (الحزب الشيوعي العراقي). وهذا الكتاب مصدر مهم لمعرفة خفايا كثير من الوقائع التي عصفت بالعراق بين 1958 و2015، ولمعايرة تفكير هؤلاء “الزعماء” على الزمن ومجرياته، وهل كانوا فعلًا ثاقبي الرؤية أم حاسري النظر؟ وأين أصابوا وأين خابوا وأين عابوا؟ وعلى سبيل المثال ما قاله جلال الطالباني عن أن في إمكان العراق أن يتحول إلى نمر من النمور الآسيوية (ص90)؛ قال هذا الكلام في سنة 2010، وها هو العراق اليوم نمر كسيح تسوده الرثاثة والفقر، وتفتك به قوى طائفية ذئبية هائجة.
إن أفضل حوارات هذا الكتاب، بحسب ذائقتي، هما الحواران مع جلال الطالباني ثم الحوار مع حامد الجبوري، ربما لأنني ميال إلى التاريخ القريب، وهما من أَعلامه. وقد لاحظتُ أن غسان شربل كان يسأل باستمرار عن مكان وجود عزة الدوري، فأجابه جلال الطالباني مرة أنه في اليمن (ص37)، ومرة بالقول إنه يتنقل بين العراق وسورية (ص103)، فيما أكد نوري المالكي أنه يتنقل بين بعض الدول العربية والعراق (ص176)، ونفى حيدر العبادي وجوده في العراق (ص 212)، وهذا يدل على التخبط في المعلومات الموجودة بين يدي رئيس الجمهورية، وبين أيدي اثنين من رؤساء الحكومات بعد عهد صدام حسين.
بين عراقين
أسس الملك فيصل المدماك الأساس لدولة عراقية وهوية عراقية مبنيتَين على فكرة العروبة. وهذه الهوية كانت الوحيدة الممكنة لدمج العناصر التكوينية المتبعثرة للعراقيين. فالملك هاشمي يقبل به الشيعة، وسُني يقبل به السنة، وشبه علماني، كما ظهر في عهده القصير في سورية، فيقبل به الصابئة والأشوريون والكلدان والسريان والنساطرة والايزيديون والشبك والكاكائيون والصارلية على ضعف الأوزان السياسية لهؤلاء. وقد طوّر نظام البعث هذه الهوية إلى مؤسسات دولتية مركزية، وصار هناك شعب عراقي إلى حد بعيد مع نفور نسبي من العروبة لدى الأكراد والتركمان. لكن الاحتلال الاميركي أعاد فرط هذه الهوية إلى مكوناتها التي كانت عليها قبل الدولة الفيصلية. والمستغرب هو سرعة الانفراط وقابلية “الشعب العراقي” للانفراط في الوقت نفسه.

“أسّس الملك فيصل المدماك الأساس لدولة عراقية وهوية عراقية مبنيتَين على فكرة العروبة. وهذه الهوية كانت الوحيدة الممكنة لدمج العناصر التكوينية المتبعثرة للعراقيين”
نعم، أسّس الملك فيصل الأول مملكة وجيشًا ودولة، وقد قضى عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في عام 1958 على الملكية، وقضى بول بريمر في عام 2003 على الجيش، وقضى العراقيون الطائفيون على الدولة. والعراق الذي كانت الفكرة القومية فيه عالية النبرة، منذ فيصل الأول حتى صدام حسين، بات اليوم أحد أبرز صُنّاع الفكر الطائفي والخطاب المشيخي والتنازع المذهبي معًا. وفي هذا الميدان، لم يفرح لسقوط نظام البعث في العراق غير إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وعملائهم العراقيين. وهؤلاء تخلصوا من الأجهزة الأمنية القمعية لصدام حسين، ليُبتلى الشعب العراقي، على الفور، بالضباع المقروحة التي قتلت من العراقيين في الثلاث سنوات التي أعقبت سقوط دولة البعث أضعافًا مضاعفة من جميع الذين قُتلوا طوال أربع وعشرين سنة من حكم صدام حسين. والعراق الضعيف والمفكك هو الهدف المشترك لدول الجوار العراقي: إيران أولًا وتركيا ثانيًا، وإسرائيل في البداية والنهاية؛ لأن أكثر ما يخيف إيران وتركيا هو عراق قوي، وأكثر ما يخيف إسرائيل أن يتوحد العراق والشام. واليوم، في سبيل إدامة سيطرة إيران على العراق، يجب إبقاء العراق مفككًا ومتهالكًا وفقيرًا على الرغم من ثرواته الطائلة، ويجب إبقاء الشعب مغلولًا بحبال رجال الدين وعقائدهم الغيبية. والعراق الذي أنجب خيرة الشعراء العرب، وألمع المفكرين والأدباء ورجال المسرح والنحاتين والمغنين والموسيقيين، ها هو اليوم يصبح قاحلًا مهجورًا إلا من أشنان في هيئة كائنات بشرية على غرار مقتدى الصدر وهادي العامري وقيس الخزعلي وفالح الفياض ونوري المالكي وحيدر العبادي وإياد علاوي وابراهيم الجعفري ومثال الألوسي وموفق الربيعي وقبلهم أحمد الجلبي. وهؤلاء جميعهم، ومعهم آخرون كثر لا يؤبه لهم في الأحوال العادية، صاروا “قادة”، فالزمان قلّاب وسريع الدولاب. وكنا نعتقد أن المعارضة العراقية أسوأ المعارضات العربية جراء الروابط الاستخبارية لبعض رجالها، وجراء تهافت معظم قادتها على قبض الأموال من الدول الدافعة والنافعة، ولأن بعض شخصياتها بدأت معارضتها بالقتل والنسف والسرقة (مقتدى الصدر وحكايته مع عبد المجيد الخوئي، وإياد علاوي وتفجير صالة سينما في بغداد، وأحمد الجلبي وسرقة النسخة العراقية النادرة من التوراة وإهدائها إلى إسرائيل)، إلا أن المعارضات السورية، بجشع كثير من أفرادها وعمالة بعض قادتها وتفاهة معظم ساستها وثرثرة جموع من إعلامييها، جعلتنا نقول للمعارضة العراقية أحيانًا: “يا محلاكم”؛ فالمثل الصيني الذي يلائم هذه الأحوال يقول: “حين يصبح لأشخاص صغار ظل كبير فتلك إشارة إلى أن الشمس تغيب”.
الموّال الطالباني المعادي للأكراد
الحوار مع مام جلال هو الأفصح، وبقية المستجوَبين، في معظمهم، صغار إلى جانبه. وسيرة الطالباني مثقلة بالتطلعات والأفكار المشروعة، وهو الأقرب إلى فكرة التآخي العربي – الكردي، ومثقلة أيضًا بالحروب الكردية – الكردية. على أن مام جلال، خلافًا لكاكا مسعود، مشهور بصراحته وظُرفه وفكاهته، فلم يتردد في الكشف عن أنه تعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (ص43)، وأنه عمل مع وديع حداد الذي أرسله في مهمتين إلى أوروبا وكاد يفقد حياته (ص 49). غير أنه، لطول السنين على ما يبدو، اختلطت عليه بعض الأمور، فهو يقول إنه عمل في مجلة “الهدف” مع غسان كنفاني الذي لم يستمع إلى نصيحته؛ فكان يفتح رسائله بنفسه. وكان مام جلال يقول له إن ذلك التصرف غلط، ويجب إحضار آلة لفحص الرسائل. وفي إحدى المرات كان إلى جانب غسان في مكتبه، وهمّ غسان بفتح إحدى الرسائل، فما كان من جلال إلا أن غادر المكتب وهو يقول لغسان: أنا لا أريد أن أنتحر مثلك. لكن غسان لم يستمع إلى كلام جلال. وفي إحدى المرات “فتح [غسان] رسالة، وحدث ما حدث” (ص49-50). والحقيقة أن كنفاني لم يستشهد بانفجار رسالة ملغومة، بل بانفجار عبوة ناسفة ألصقت بسيارته، وانفجرت في مرآب منزله في بلدة الحازمية لا في أسفل مبنى مجلة “الهدف”. أما الذي انفجرت الرسالة المفخخة به فهو بسام أبو شريف الذي نسي، بدوره، أن غسان كنفاني استشهد في سيارته في الحازمية، وزعم أن الانفجار وقع في مبنى مجلة “الهدف” في كورنيش المزرعة في بيروت (أنظر: عوزي محنايمي وبسام أبو شريف، أفضل الأعداء، بيروت: دار الساقي، 2011، ص 130).
توهم جلال الطالباني في هذا الحوار الممتع “أن الديمقراطية والحريات التي نتمتع بها الآن لا مثيل لها في المشرق ولا في العالم العربي” (ص21). يا سلام!! وماذا عن الاغتيالات اليومية؟ وما حال حقوق الإنسان في العراق؟ لقد صارت تدعى “حروق الإنسان” فعلًا. وماذا تفعل الجماعات الطائفية الفاشية غير الاغتيال والنهب والسطو على ممتلكات الدولة و”السلبطة” على من يخالفهم الرأي أو المذهب؟ ومن العبث أن يعتقد أحدنا أن العراق قد سلك مسلك الديمقراطية؛ فالمجتمع المجرد من دولته، كالعراق وليبيا واليمن، لا يمكنه أن يُنتح أي ديمقراطية، بل الفوضى، لأن من شروط تحقق الديمقراطية وجود مجتمع مدني ومواطنين متساوين، الأمر الذي لم يكن متاحًا في العراق في أثناء إجراء هذا الحوار (عام 2007)، وليس متاحًا اليوم بالتأكيد. ولعل خير تعبير عن حالة الأسى هذه هو الموّال العراقي الذي ذكره الطالباني نفسه في هذا الحوار وهو: “لا قَصَبْ لا حُصْران لا عندنا بَردي، فوق القهر والضيم رئيسنا كردي” (ص107). وعلى الرغم من صراحة مام جلال، إلا أنه راوغ في الإجابة عندما سأله غسان شربل عن تعاون مصطفى البارزاني مع إسرائيل، وأنكر معرفته بهذا الشأن، وأرجع تلك المعلومات إلى مقالات صحافية تحدثت عن هذا الأمر (ص55)، ونفى أن يكون لمسعود البارزاني علاقات مع إسرائيل (ص56). ولو يا مام جلال! جميع العراقيين الأكراد المعنيين بالشأن العام يعرفون قصة التعاون البارزاني – الإسرائيلي مثلما يعرفون أن الله واحد، ويعلمون أن ذاك التعاون بدأ في عام 1951 عندما أقام رؤوفين شيلواح، وكان آنذاك أول مدير للموساد، صلات وثيقة بالملا مصطفى البارزاني. وفي عام 1958 أُسست منظمة “ترايدنت”، وضمت ممثلين عن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والتركية والإيرانية لمواجهة الحركة القومية العربية والحركة الشيوعية معًا. وكانت إسرائيل تعمل بقوة على إبعاد الجيش العراقي عن سورية حتى لا يتمكن من المشاركة في أي قتال قد يندلع بين سورية وإسرائيل. وكانت إيران تريد، في الوقت نفسه، إلهاء الجيش العراقي عن شط العرب والأحواز. وهنا كانت مجموعات مصطفى البارزاني المسلحة أفضل من يقوم بهذه المهمة. وفي عام 1963 أرسل البارزاني الأستاذ إبراهيم أحمد (الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني) إلى باريس للاجتماع إلى مناحيم نافوت (نائب مدير الموساد في ما بعد)، وحمل إبراهيم أحمد معه في طريق العودة عشرين ألف دولار من الموساد. وبعد شهر من عودته إلى أربيل وصلت الشحنة الأولى من الأسلحة الإسرائيلية، ثم تتالت شحنات الأسلحة والذخائر ودورات التدريب، وإرسال المستشارين والأطباء والخبراء الزراعيين. وفي عام 1964 زار عصمت وانلي إسرائيل، وهو كردي سوري انضم إلى البارزاني، والتقى يعقوب هيرتسوغ (المدير العام لوزارة الخارجية آنذاك) وشمعون بيريز وليفي أشكول. وشهد عام 1965 تطورًا كبيرًا في العلاقات على يدي الملحق العسكري الإسرائيلي في طهران يعقوب نمرودي.

“الحقيقة أن كنفاني لم يستشهد بانفجار رسالة ملغومة، بل بانفجار عبوة ناسفة ألصقت بسيارته، وانفجرت في مرآب منزله في بلدة الحازمية لا في أسفل مبنى مجلة “الهدف””
وفي عام 1966 أسس الموساد أول جهاز استخباري للبارزاني، ودربوا عناصره، وخضع مسعود البارزاني نفسه لدورة أمنية لدى الموساد. ودُعي ذلك الجهاز باراستين أي الحماية، وتولى قيادته مسعود البارزاني. وكان المستشار العسكري الإسرائيلي لدى البارزاني العقيد أوري ساغي. وبسبب المعونة العسكرية الإسرائيلية، علاوة على التدريب والتخطيط، تمكنت جماعة البارزاني في 12/5/1966 من إبادة لواء عراقي بالقرب من رواندوز. وفي عام 1974 نصب أوري ساغي كمائن مزودة بصواريخ ساغر للقوات المدرعة العراقية، وتمكنت تلك الكمائن من تدمير مئة دبابة عراقية (راجع: جوناثان راندل، أمة في شقاق، بيروت: دار النهار، 1997، ص 263). وفي عام 1967، وكانت دماء الجنود المصريين والسوريين والأردنيين والفلسطينيين ما زالت طرية في ميادين المعارك، وآلام الهزيمة قاسية جدًا، لم يتورع مصطفى البارزاني عن إرسال برقية إلى الجيش الإسرائيلي يهنئه فيها بانتصار حرب حزيران/ يونيو 1967. ثم زار تل أبيب في عام 1968 يرافقه محمود عثمان، وكانت صورته وهو يسير بين الأعلام الإسرائيلية مهينة جدًا، ثم كرر الزيارة في عام 1973. ومن بين ضباط الموساد الذي تقاطروا على شمال العراق في فترات متتالية مئير عميت وتسفي زامير ودافيد كيمحي وحاييم لافكوف.
هيئات وأشكال
الحوار مع رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي صار، بمرور الزمن، أقل من عادي، وكذلك الحوار مع نوري المالكي الذي كان يدعى “جواد” في أثناه وجوده في دمشق. ونوري المالكي هو أحد المروّجين “الأشاوس” لقانون “اجتثاث البعث” (لاحظ تعبير “اجتثاث” الفاشي). ويقول المالكي في هذا الحوار: “لا أحبّ شيئين: السلطة والمال” (ص192). الله الله يا حاج نوري، إنك من النوادر حقًا!! والحاج نوري هو الذي سلّم الموصل لداعش عندما أمر بسحب الجيش العراقي من تلك المناطق. ونوري المالكي إياه الذي لا يحب السلطة والمال ما برح يحتفظ بنحو أربعة آلاف شخص لحمايته وحراسة عائلته وأقاربه ومقار حزبه وممتلكاته. وهؤلاء ميليشيا خارج نطاق الدولة، لكن عناصرها يتقاضون أجورهم ونفقاتهم من أموال الخزينة العامة. ومع ذلك، فقد ركدتْ ريحُه وخَبَتْ مصابيحُه، وهذا أمر حسن. ويروي عزيز محمد أن عدد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي لم يكن ليتجاوز الألف قبل ثورة 1958 (ص 390). وإخال أن حتى الألف رقم مبالغ فيه. ولم يتردد عزيز محمد في استذكار قصة العداء بين الشيوعيين والبعثيين، وما فعله البعثيون بالشيوعيين في عام 1963 (ص362)، لكنه يزوغ ويروغ ولا يذكر ما فعله الشيوعيون بالبعثيين والناصريين في انتفاضة عبد الوهاب الشواف في عام 1959 وبعدها. فروايته، والحال هذه، عوراء، ولا تنفع كمصدر للتاريخ. أما عبد الغني الراوي فما برح متبجحًا بأنه هو الذي قام وحده بثورة 14 تموز/ يوليو 1958، وأنه هو الذي حكم بالإعدام على عبد الكريم قاسم في عام 1963. وفضيلته الوحيدة، هنا في هذا الكتاب الشائق، أنه اعترف بتآمره على بلده العراق في عام 1969 بالتعاون مع السافاك الإيراني ومصطفى البارزاني، وشاركه في التآمر سعد صالح جبر ومهدي الحكيم وحسين الصدر وطه جابر وصبّار عبد الجبار، علاوة على عبد الرزاق النايف وهلال بلاسم ياسين، قبل أن ينسحب النايف ويشتم الإيرانيين الذين كان ممثلهم في المؤامرة الجنرال نعمة الله نصيري، قائد السافاك. وعلى غرار عبد الغني الراوي في التبجح، فإن ابراهيم الداود مصرّ على الزعم أنه أول من خطط لإطاحة الرئيس عبد الرحمن عارف، وأنه هو الذي قام بانقلاب 17 تموز/ يوليو 1968، ولولاه لما نجح الانقلاب. ويبدو أن الداود يتناسى أنه نُفي إلى الخارج بعد أسبوعين فقط على نجاح الانقلاب بإشارة من أحمد حسن البكر، وإيماءة من صدام حسين.
ملاحظات لا بد منها
* ورد في الصفحة 42 ما يلي: “كانت هناك فئتان نشيطتان للمعارضة العراقية: فئة تسمى المنظمة الثورية لحزب توده الشيوعي، وفئة ثانية هي اتحاد الطلبة الإيرانيين. والصحيح: المعارضة الإيرانية لا العراقية، وهي من أغلاط السهو.
* في الصفحة 50 ورد التالي: الحركة التصحيحية التي قادها هاشم الأتاسي ويوسف زعيّن. والصحيح: نور الدين الأتاسي لا هاشم الأتاسي. ثم إن تلك الحركة لا تسمى الحركة التصحيحية بل حركة 23 شباط/ فبراير 1966. أما الحركة التصحيحية فقد حدثت في عام 1970 وتُنسب إلى الرئيس حافظ الأسد.
* ورد عدة مرات الاسم الخماسي التالي: سلام عادل حسين أحمد الرضي (ص358 مثلًا). والصحيح هو: حسين أحمد الرضي (سلام عادل)، لأن “سلام عادل” هو الاسم المستعار لحسين الرضي، ولا يجوز دمج الاسمين.
* وردت بعض الأسماء مجردة من اسم العائلة، فلم نتمكن من معرفة مَن هو الدكتور صادق (ص40)، ومن هو عبد الستار (ص51). ولعل الأول هو صادق قطب زادة، والثاني عبد الستار عبد اللطيف.

***

مهما يكن الأمر فإن هذا الكتاب الجديد للأستاذ غسان شربل، مثل كتبه السابقة، يشكل مرجعًا مهمًا لوقائع الماضي القريب التي تكاد، مع رحيل صانعي تلك الوقائع، تندرج في مندرجات التاريخ. والكتاب يعيد إحياء أولئك الراحلين وصنائعهم، وما لهم وما عليهم. وهنا تكمن فضيلته الأساس، علاوة على ما تتيحه قراءة هذا الكتاب من متعة وفائدة.

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This