مسوّدة “البحث عن الزمن المفقود”.. بروست يعود قاهرًا الزمن / بوعلام رمضاني

 13 أبريل 2021

مسوّدة "البحث عن الزمن المفقود".. بروست يعود قاهرًا الزمن

من المخطوط المكتشف لمارسيل بروست
الكُتَّاب الكِبار يَدخُلون التاريخ، ولا يستطيع أحدٌ إخراجهم منه، مهما طال الزمن، حتَّى وإنْ بُذلت جهود قصوى بحثًا عن كتَّاب بُدلاء. مقولة تنطبق منذ الأول من الشهر الجاري على مارسيل بروست، الذي لم يكن “سمكة أبريل” (نيسان)، كما يقول الفرنسيون، في مثل هذا اليوم عن حَدَثٍ وَهميٌّ يتسلى به عامّة وخاصَّة الناس.
صاحب “البحث عن الزمن المفقود”، أشهرُ الروايات الفرنسية على الإطلاق، عاد ليَصنع حدثًا داخل حدث ما زال يَدوي بصداه في كافة أنحاء العالم، برواية نادرة شَكلًا ومضمونًا، لما جسّدته من قوة إبداعية خلاقة، وتجلّ عالٍ لأحاسيس إنسانية متناقضة وخالدة تتجاوز وتخترقُ كلَّ الأمكنة والأزمنة، وتُجَسِّد الحدث الأدبي الفرنسي الجديد من خلال الحدث الأدبي القديم، في نشر دار غاليمار مسوّدة رواية “البحث عن الزمن المفقود”، بعد العثور عليها إثر وفاةِ النَّاشِر بِرنار دوفالوا، قبل ثلاثة أعوام، والذي احتفظ بها مدة سبعين عامًا.

جنون قصة أدبية
تحت عنوان “75 ورقة ومخطوطات أخرى غير مسبوقة”، صنعت الدار الفرنسية، الشهيرة هي الأخرى، حدثًا فرعيًا ثالثًا، بتأكيدها على ديمومة الرواية التي كتبها بروست في سبعة أجزاء بين أعوام 1913 و1927، بعد أن فشل في كتابة كلمة واحدة مُدّة عامين متأثرًا بوفاة أمه عام 1908.
العُثور على مسوّدة أشهر الروايات الفرنسية الأقرب إلى الأمر المجنون، على حد وصف معظم النُّقاد والدارسين لروايات بروست، كانت معروفة منذ عام 1954، غير أن لا أحد كان على عِلم بمكان تواجدها، وكَبُرَ سِرُّهَا وسِحرُها أكثر فأكثر، حينمَا تَبيَّن أنها كانت مسوّدة الرواية البروستية التي اكتشفت محافظة على شَكلها الآسر والناطِق بعَبقريةٍ دفعت صاحبها إلى الشطب مرات عدة، وإلى التَّردد والتَّشكيك في سلامة جُملِه الطويلة، وإلى الحذف بحثًا عن ما أسماه الكاتب ميشليه بـ”اللحظة المقدسة”، التي يتفجَّر خلالها إلهامُ الكاتب نهائيًا إلى غير رجعة.

المسوّدة الخالدة التي أعطت حياةً ثانية لبروست، عرفت طريقها إلى النور فِعليًا على يد ناتالي مورياك، أصغر حفيداته، التي كان لها شرفُ اكتشاف الأوراق التي لا تُقدر بثمنٍ في علبة كارتونية، بعد أن فتحتها في المكتبة الوطنية التي سلّمها لها الناشر دوفالوا قبل وفاته بقليل. حفيدته الصغرى التي تخصَّصت في أدب جدها كانت هي الأولى التي لمست أوراق مسوّدة الرواية الشهيرة، بجملها الواضحة، والمكتوبة بقلم لم نَعُد نحمِله اليوم، وبجمل أخرى غير واضحة من فرط الشطب والتحوير، وَبِمَيلِ صاحبها إلى الكتابة نحو اليمين. وقرّرت الحفيدة المتخصّصة أن تُسلِّم في دورها مسوّدة جدِّها إلى الدار الفرنسية الشهيرة، لنشرها كما هي، حتى يكتشف القارئ الوثيقة التاريخية بروحِ المبدِع أثناء رحلة بحثِه عن لحظةِ الإلهام المقدسة.

العبقري المريض
بروست، الذي وُلد يوم العاشر من تموز/ يوليو عام 1871 في باريس، وتُوفي فيها في الثامن عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1922، عن عمر يناهز الواحدة والخمسين، تربَّى في أحضان عائلة مثقفة وميسورة، وقَضى حياته مريضًا بسبب إصابته في سن مبكرة بمرض الربو الذي عجّل في رحيله. الأجواء والشخصيات الخمسمئة، والقضايا التي تَناولها في روايته الشهيرة، هي منتوجُ حياتِه الباذخة، التي أدَّت بِه إلى التردّد على الصالونات الأرستقراطية المخملية، الأمر الذي مكَّنَه من الاحتكاك بكُتَّابٍ وفنَّانين كُثُر، ومن اكتساب شهرة سريعة، كجنتلمان غني وذكي وموهوب إلى حد العبقرية، وصاحب مظهر جذاب.
كان موعده المبكر الأول مع الرواية عام 1895، في رواية “جان سانتاي”، التي نُشرت عام 1952، أي بعد رحيله بثلاثين سنة، وتوقف عن إتمام هذه الرواية بسبب إقامته بداية من عام 1900 في إيطاليا تحت وطأة ولعِه بالتشكيلي الإنكليزي، جون رسكين، الذي كتب عنه عدة مقالات، وترجم كتابيه.

بقي بروست حيًّا إبداعيًا من خلال روايات صدرت بعد رحيله، ومن بينها “من جهة أهل سوان”، ونال جائزة غونكور الشهيرة عام 1919 عن رواية “في ظل الفتيات الصغيرات بالزهور”. دفن بروست في مقبرة “الأب لا شاز” الباريسية، التي يرقد فيها كبار الفن والفكر، وحضر جنازته الآلاف من معجبيه، الذين اعتبروه خُرافة أدبية اخترقت الأزمنة والأمكنة، بشخصيات وأمزجة وسلوكات وتصرفات وانحرافات خارجة من صلب المجتمع الأرستقراطي الذي ولد وترعرع وكبر ومات فيه.

مؤسّس الرواية الحديثة وشاهدٌ من أهلها
يُجمع كل النقاد والدارسين لروايات مارسيل بروست على أنه لا يمثل مرجعية فلسفية وأدبية لمفهوم الزمن والذاكرة العاطفية ووظائف الفن فحسب، بل، أيضًا، لمفاهيم الحب والحسد والشعور بالفشل وبفراغ الوجود. توقَّف الدارسون لأدب بروست، أيضًا، عند المكانة التي احتلّها الشذوذ الجنسي في رواياته، واعتبروا أن “البحث عن الزمن المفقود” تعني رؤية بروستية لكوميديا إنسانية لعبت أدوارها عشرات الشخصيات التي رافقت طفولته في بيت عمَّته ليونيه في مدينة كابور (الواقعة شمال شرقي فرنسا)، وفي باريس التي دخل فيها الأوساط الأرستقراطية والبورجوازية، والتي تناولها بقلم لاذع في قالب أخَّاذٍ وساخر.
روايات بروست تمثّل في المُحصِّلة، حسب دارسيه، مسرحًا اجتماعيًا مثَّلتها شخصياتٌ حقيقية في معظم الأحيان، الأمر الذي جعل من رواية “البحث عن الزمن المفقود” مفتاحَ مرحلة تاريخية، ولوحةَ زمنٍ عاشه شخصيًا.

بروست، أيضًا، صاحب أسلوب يقوم على جمل طويلة يطارد صاحبها من خلالها دوامة وولادة الإبداع بشكل يسمح له بالارتقاء إلى أعلى درجات شمولية الواقع الذي يبقى دائمًا منفلتًا. يؤكد النقاد أن بروست هو مؤسّس الرواية الحديثة، بوضعه حدًا لنمط القصة، وبِبَحثه عن حقيقة الروح، وحركية الحياة، وتقلبات الذاكرة العاطفية، بأسلوب موسيقي وشاعري ساحر.

تهافت القراء
كما كان منتظرًا، راح القراء يَتهافَتون على كِتَاب “مسوّدة” أشهر روايات كاتبهم المُلهم والقاهر للزمن، مباشرة بعد وُصولها المكتبة التي تحمل اسم الدار الباريسية التي نشرته. فَفَور تَلقي مكتبة غاليمار الواقعة في شارع سان جيرمان دو بريه كتاب مسوّدة رواية “البحث عن الزمن المفقود” المكوّنة من 3000 صفحة ومليون و800 ألف كلمة، توافد على المكتبة الشهيرة عدد كبير من المعجبين بكِبار الرواية الفرنسية، بوجه عام، وببروست بوجه خاص، ومن بينهم تلك السيدة التي حاورتها قناة “فرانس 3” العمومية وهي تحمل كتاب مُبدعِها الأعظم في تقديرها، وقالت السيدة مبدية سعادة مفرطة: (قرأت بروست خلال الحجر الأول، واستمتعت به. هذه المرة، الأمر يختلف جذريًا، لأن مخطوط كتابه الجديد الذي يصدر بعد قرن على رحيله شيء أقرب إلى السحر والجنون). من جهتها، أكدت المسؤولة عن المكتبة آن غيسولي: (من الطبيعي أن يُعَدَّ صدور كتاب لبروست في شكل مسوّدة حدثًا ثقافيًا وتاريخيًا بكل المعايير).
بروست وحدَه الذي يستطيع أن يُحْدِثَ إجماعًا بين كل عشَّاق الأدب، بغضّ النظر عن درجات الإعجاب به، وبكُتَّابٍ كبار من طرازه، ولا أدلّ على صحة ذلك من تلقّي المكتبة مئات الرسائل الإلكترونية، والمكالمات الهاتفية، للحجز، منذ الإعلان عن مشروع طبع الكتاب الجديد في نهاية السنة الماضية.

الشهادة الأهم التي تُؤكد عَظمة صاحب أشهر وأطول رواية جاءت على لسان جان إيف تادييه، الاختصاصي في أدب مارسيل بروست. وقال تادييه، الذي كتب افتتاحية كتاب مسوّدة “البحث عن الزمن المفقود”، في حديث لإذاعة “فرانس إنفو” (فرنسا الإخبارية): (تعتبر المسوّدة المكتشفة مرجعية تاريخية وسيكولوجية واجتماعية في مسار ومسيرة بروست من منطلق السيرة الذاتية، وفيها نجد تعلّقه الشديد بعمته، وبجدته، وعمه، إلى درجة ذكرهم بأسمائهم الحقيقية، الأمر الذي يقضي على أدنى مجال للشك). وأضاف تادييه شارحًا أهمية المسوّدة التاريخية بقوله: (لقد انفجر بروست إبداعيًا في هذه المسوّدة التي أضحت رواية شاملة استنطق ووظّف فيها 500 شخصية ناقش من خلالها كل القضايا الممكنة، مثل الفن، والموسيقى، والفن التشكيلي، ومعنى الحياة والذاكرة، بطبيعة الحال). في هذا المخطوط التاريخي، والكنز الذي عثر عليه بعد قرن من رحيل العبقري بروست، أضاف الباحث تادييه: (نجد قصة تحوِّل الخبز القديم إلى مادلين بعد صبّه في مشروب شاي الأعشاب. هذا التَّحول يعني في منظور بروست أن كل شيء قابل بفعل الزمن إلى التَّحول والتَّغير، وأن لكل شيء أصلًا، والزمن هو الذي يفرض عليه مصيرًا جديدًا ومتجدّدًا يُسمّى ال

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This