بين أحلام الجنوب السّاخن وكابوس الشّمال البارد

كنت أجلس متكئا على أحد المقاعد الخشبية ضمن محطة قطار بلدة صغيرة في بافاريا، وعلى مسافة قريبة مني اختارت امرأة سمراء من أصول إفريقية مقعدا مجاورا حيث كانت تلاعب طفلتها الصغيرة ريثما يحين موعد وصول القطار الذي يربط بين عشرات القرى والمدن الأخرى في الولاية.

إنها ألمانيا الحلم، هكذا حدثت نفسي ساعة دخولها، وفي الأشهر الأولى التي تلت وصولي كنت لم أزل غير مصدق إني متواجد ها هنا؛ في قلب أوروبا، وتحديدا في البلد الذي وان صنع بعجرفته وحروبه ملامح قاسية في وجه التاريخ الحديث؛ إلا أنه وبذات الوقت لم يكل عن إنتاج الحضارة أو يمل من إنجاب المفكرين والفلاسفة أو يتنازل عن صدارة شتى أنواع الصناعات حيث تُنقش تلك الجملة السحرية التي يتحمس معظم البشر لاقتنائها: (صنع في ألمانيا).

في تلك الفترة كنت أخرج كل يوم إلى معهد تعليم اللغة مستمتعا بالطرقات الممهدة والحدائق المنسقة والسيستم المفرط بانضباطه، وقد هنأت نفسي بعد دخولي أحد المراحيض العامة عند قيام جهاز استشعار ما – في الوقت المناسب – بإرسال ماء غزير بشكل أوتوماتيكي دون اضطراري للضغط على ذلك الزر المخصص فوق المرحاض، إنهم يجّنِبون العامة احتمال الشعور بالاشمئزاز عند ملامسته. ولأن بلدية المدينة الصغيرة التي سكنت فيها كانت مكاتبها مفروشة بالموكيت الأحمر، ولأن الموظفة التي استقبلتني بعد تحديد موعد رسمي لتسجيل إقامتي كانت ترتدي أثناء دوامها الرسمي فستان قصير بلون أحمر، خرجت بعدها من مبنى البلدية عائدا إلى البيت بعينين شبه حمراوين شاتما أشكال البشاعة التي عشتها في بلدي المتخلف عن الركب الحضاري.

كان لدى الألمان خطة لإدماج اللاجئين والمهاجرين من القارة الإفريقية والآسيوية وأوروبا الشرقية وموظفين من كل أنحاء العالم في مجتمعهم الذي يحتاج للمد العمالي بعد انحسار كتلة الشباب، حيث كانت تُغلق العديد من دور رياض الأطفال بسبب قلة الإنجاب مقابل تزايد عدد دور العجزة والمتقاعدين، وكان عموم المهاجرين – خاصة الإفريقيين والآسيويين منهم – منقسمين إلى فئتين؛ فئة منفتحة على الغرب ضبطت إيقاعها بما يتناسب مع إيقاع الحياة الأوروبية في أسلوب عيشها وقوانينها وطرق تفكيرها، وفئة أخرى شبه منغلقة لم تستطع التأقلم مع نمط التفكير الغربي وعاداته التي اعتُبرت مختلفة أحيانا ومخالفة أحيانا أخرى لعادات بلدانهم الأصلية. أما بالنسبة لي فقد فضلت الانفتاح على المجتمع المضيف بنوايا طيبة على الرغم من رؤية الكثير من الأوشحة المطرزة بمشاعر الفوقية التي يلفها الألمان حول رقابهم لمواجهة البرد في تلك المنطقة من العالم، إذ كنّا كمهاجرين عموما أو لاجئين خصوصا نلحظ مع توالي الأيام كيف أن رجل الثلج لم تكن ابتسامته عفوية تماما مع جيرانه الجدد الذين يقفون بجانبه لالتقاط بعض الصور التذكارية، وقد اكتشفت فيما بعد ومن خلال الاختلاط مع السكان الأصليين بأن تعاطفهم يبتعد عن المسار الإيجابي المعتاد والمألوف متحولا إلى تعاطف (مقنّع) حيث يعمل بشكل خفي على إرضاء روح التكبر والغرور عندهم. كان باستطاعة معظم الألمان التعامل بمودة ولطف مع مختلف شرائح المهاجرين وخلفياتهم الثقافية، لكنهم يفعلون ذلك بشكل استعراضي داخل مجتمعاتهم وخارج أسوار حدائق بيوتهم التي أمست أكثر علو ومناعة في وجه إقامة علاقات اجتماعية اعتيادية تبنى على أسس إنسانية وطبيعية.

في أحد الأيام عقد فريق لمساعدة اللاجئين من سكان البلدة التي أقطن فيها اجتماعا توجيهيا، يومها تفاجأ أحد المتطوعين عندما دار نقاش جانبي بعد الاجتماع بمدى معرفتي عن الفلاسفة والمفكرين الناطقين بلغته الأم والذي كان بالمناسبة يجهل نصف عدد الأسماء المميزة التي تلوتها آنذاك على مسامعه، وقد أبدت زميلته الألمانية – التي شاركت في الحديث – دهشة أكبر عندما علمت بأننا نقرأ الكتب مترجمة إلى اللغة العربية!، حيث ظنت أن النخبة القليلة جدا من سكان بلادنا تقرأ ألبير كامو وكتب ايكهارت تول باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، ولأنني اقترحت عليها بعض العناوين التي تلائم ميولها في القراءة؛ ظهر على ملامحها بأنها باتت مهددة في سوية مكانتها التي حصلت عليها (بغير عناء) من عالمها الأول، حيث لم يكن من المعتاد فيما يبدوا التعامل بندية عفوية مع سكان مجتمعات يفترض بأنهم أقل درجة في التصنيف الأممي.

بعد انقضاء سنة على تواجدي في بلاد الأحلام، وفيما كنت أتنزه ضمن إحدى الحدائق العامة استوقفتني بالصدفة صحفية شابة تحمل معها كاميرا وآلة تسجيل حيث كانت تسأل أهالي المنطقة عن رأيهم في حجاب المرأة وفيما إذا كان يزعجهم مشاهدته، فقلت لها إنني في الواقع من منشأ عربي ولست ألمانيا، لكني أعتقد أن ارتداء الحجاب يبقى مسألة شخصية وحرية ذاتية ولا يصل بي عند رؤيته حد الإزعاج، وعندما سألتني إن كانت النسوة ضمن أسرتي تلبس الحجاب أجبت بالنفي، وقلت مضيفا أنه يوجد مناطق عديدة في معظم المدن العربية تحيا على مثال النمط الأوروبي حيث تلاحق الناس أحدث إنتاجات الموضة مستخدمة أدوات الحياة العصرية. ولأننا كنا نملك الوقت لتبادل وجهات النظر؛ تحدثنا عن تجارب السفر والهجرة وطبائع الثقافات المختلفة ثم توقفت السائلة عن كونها صحفية وحدثتني عن تجربة زيارتها لجنوب إفريقيا حيث بدت أمنيتها الوحيدة هي ترك ألمانيا والذهاب للعيش في مدينة (كيب تاون) أقصى جنوب القارة الإفريقية، فقلت ممازحا بان الناس تهرب من إفريقيا وتحلم بالمجيئ إلى أوروبا بينما كانت تفعل العكس، فأكدت لي حينها معرفتها بالعديد من الألمان ممن فضلوا الهجرة والعيش في بلاد كالهند وبلاد آسيوية أخرى وبأنها غير معجبة بأسلوب وطبيعة الحياة في بلدها، عندها أوضحت لتلك الصحفية بأن ما يشغلني حقيقة هو الفراغ العاطفي وحالة العزلة الاجتماعية والنفسية التي تبتلع الغرب عموما؛ ولم يكن الطقس بطبيعة الحال إلا عاملا مساعدا لتأكيد شكوكي حيث كانت الغيوم في تلك الأيام تزداد كثافة لتحجب الشمس وترسل بظلال كآبة تجتاح من غير رحمة معظم المناطق الشمالية من العالم.

في تلك المحطة الهادئة ضمن إحدى بلدات بافاريا، ثمة عدة دقائق متبقية لوصول القطار الذي سينقلني باتجاه بوابة المغادرة في مطار ميونخ، السيدة السمراء ذات الأصول الإفريقية تطعم ابنتها وتجلس على جهة اليسار من مقعدي باتجاه الجنوب، وعلى الجهة اليمنى وصل رجل ألماني بدا أنه غير مكترث بالمحيط حيث جلس بصمت ثم باشر بقراءة جريدته، في تلك اللحظات حضر رجل إفريقي آخر لينضم إلى السيدة السمراء التي رحبت به قبل أن ينهمكا سريعا بالثرثرة والصراخ مستخدمين لغة بلدهم الأم، كانت ضحكاتهم وصدى صوتهم المرتفع يخرج كدوي قنابل تسقط ضمن هدوء المكان حيث شكَّ المتواجدون لوهلة بـأن ثمة شجار قد وقع بينهم، ولولا جلوسي على المقعد المجاور لم أكن لاكتشف أنهم يتمازحان ويخوضان في نقاش عادي. إنها طريقتهم الحارة في الانفعال عند الكلام. عندها قفز إلى ذاكرتي كيف أن أحد ذوي البشرة السمراء ممن درسوا معي في معهد اللغة كان قد أخبرني بأن الحياة في إفريقيا مخزونة بالتوتر، وفي وقت ازداد معه زعيق الإفريقيين حدة؛ بدأ الألماني الجالس على جانبي الأيمن ينظر نحوهم بدهشة واستغراب حيث عكس بياض بشرته وبرودة ملامحه صقيع مشاعره التي تتماهى مع كتل الثلج المحيطة بنا. كنت أجلس لأجل الصدفة في الوسط بين طرفي نقيض، على الجانب الأيمن برودة الشمال وعلى الجانب الأيسر حرارة الجنوب، وحينها فقط راودتني فكرة أنني ربما كنت محظوظا لكوني ولدت في تلك المنطقة المعتدلة – في الوسط – ضمن حوض البحر المتوسط، ثم استحضر ذهني عفويا المثَل القائل بأن خير الأمور أوسطها. في تلك اللحظات كنت مستغرقا بتأمل ذلك الانطباع حتى سماعي لصوت صفارة القطار الذي أعلن عن وصوله، فهممت لركوبه حاملا حقيبتي التي حوت عدد من قوالب الشوكولا المصنعة بنسبة كاكاو ممتازة وأشكال مختلفة من الفرح.. وخيبة الأمل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This