هكذا تكلم العبد (ج3)

(5)

أنا واحد من الذين هاجر آباؤهم بعيدا بعد استغناء دار إليغ عن الكثير من عبيدها وتحولهم إلى مزارعين، أو خدام بيوتات علية الناس في المدن الكبرى حيث انتهى بهم المقام. فبعد سنوات طويلة كنت فيها مجرد طفل صغير بمدينة فاس، وجدت نفسي ألج باب الشباب بسنوات قليلة، كعبد وضيع ساقه الحظ إلى مشغل فرنسي أحسن اليّ رحمة الله عليه في هذه الجمعة المباركة. ففي البداية حينما أخبرني بقرار عودته إلى فرنسا وخيرني بين مرافقته أو البقاء في المغرب، كنت مترددا خائفا من المجهول الذي ينتظرني هناك، خاصة وأن الناس وأهل العلم من الفقهاء يصفونهم بالكفر، وأنهم مجرد حطب لجنهم يوم يبعث الله الأرض ومن عليها، ويبدأ الحساب العسير، بما قدمته كل نفس من سيئات أو حسنات. بالإضافة إلى الكثير من الشائعات المرعبة عن أنهم يقدمون الناس السود طعاما لكلابهم من حين لآخر، ويستغلونهم أبشع استغلال دون شفقة ولا رحمة. وأن لا شيء أحسن من بلاد الإسلام التي مهما كان الظلم فيها فلن يصل إلى ما يفعله هؤلاء الكفار الضالين بعبيدهم. هذا ما كان الناس يكررونه يوميا عندما يصل بهم الحديث إلى النصارى، وهم يقصدون في ذلك المستعمر الفرنسي.

كانت شحنة الخوف تشتغل بداخلي بقوة رهيبة يوم طلب مني سيدي منصور إن كنت أرغب في العمل في بيت جاك الفرنسي كطباخ ماهر في شؤون الطبخ، وهي حرفة ورثتها عن أبي في بيوتات فاس المشهورة بالإتقان في ميدان الطبخ. ولعل صيتها في هذا الباب قد بلغ المشرق، حيث كان بعض الأسياد في مصر يوصون التجار بشراء عبيد من هذا اللؤلؤ النادر، الذي لا يمكن البحث عنه في الأسواق. كنت خائفا من هذا القدر الملعون وجالت بخاطري الكثير من الأسئلة الرهيبة ، وقد رافقت نومي الكثير من الكوابيس المرعبة. لذلك كان واضحا على تقاسيم وجهي نوع من التردد الممزوج بالخوف المرعب. وعندما لاحظ سيدي منصوري ذلك، وقرأ عيوني التي كانت تستجديه وكأنها تطلب الرحمة والاعفاء من هذا الموت المحتم، حاول بكل ما أوتي من رزانة وتعقل أن يشرح لي بأن النصراني جاك سيعتني بي، وسأحظى برعاية جيدة. قلت في نفسي والله يسامحني على سوء نيتي ” لقد أغراك المال الوفير الذي أخذته أيها الملعون، ولا يهمك أيها الجاحد البشع ما سيفعله بي هذا الكافر النجس”. لكن مع الأيام حمدت الله على هذا القدر الجميل الذي انفتح أمام روحي وهي ترى النعمة الحقة والتعامل الإنساني الذي لا يمكن أن يصدر من رجل ملة قيل عنها زورا وبهتانا قوما كافرين ضالين. فعشت في بيته طباخا ماهرا، معززا ومكرما لا أشعر بأدنى نقص، وبعيدا عن الألفاظ الجارحة التي وصمت حياتي بالذل والمهانة والاحتقار، والقهر النفسي القابض على أوردة القلب، مانعا فرحة الحياة في هذه العاجلة. وهذا ما جعلني أتغلب على ترددي وحيرة الشك التي  كادت أن تهزمني، وأنا أفكر في قرار الرحيل والهجرة إلى فرنسا صحبة عائلة جاك. في فرنسا عشت وضعا خاصا، تحولات عنيفة وأنا أرى مجتمعا يختلف عشرات المرات عن المجتمع الفاسي. وكان من الصعب على عبد تربى على القهر والدونية والاحتقار، أن يفهم سر الحياة التي بدأت أعيشها كطباخ ماهر للأسرة غالبا، ولباقي أفراد عائلة جاك وأصدقائه أحيانا. كنت رهن إشارة الجميع في كل ما يخص المطبخ. ولأول مرة في حياتي يتم المناداة علي باسمي” مولود” الذي اختاره لي سيدي منصور. وهذه عادة معروفة بين العبيد فقد يسمى العبد بعشرات الأسماء حسب مزاج سيده الجديد. وعلى ما أذكر عرفت بأربعة أسماء خلال مساري العمري كان آخرها ” مولود”. وأنا في فرنسا غمرني فرح عارم إلى حد الدهشة والذهول إزاء الواقع الجديد في تطوره، وفي العلاقات المجتمعية، ونمط الحياة وأسلوب العيش، ومكانة المرأة وتحررها بشكل سافر مرعب ومستفز لعبد قادم من واقع العبيد المتخلف، المهووس بلقمة العيشة والجاه والشرف والسلطة. نوع من الجنون عشت ويلاته وأنا أحاول ترميم الشقوق التي تهز أجزاء كثيرة من ذاتي. ولم تكن لدي القدرة على خوض هذه المعركة التي فرضت علي، حيث كنت أعاني من تحولات عنيفة تهزني، وتزلزل كياني إلى درجة كانت الهذيانات والهلوسات تهددني بالجنون، أو الموت. فحواسي كلها انفجرت وكأني أتعرف على نفسي وجسدي، كما لو كنت أعيش مخاض الولادة من جديد، وأنا أتعرف على التشوهات التي طالت ذاتي، وفككت شخصيتي، وجعلتني أقرب إلى أي حيوان، تقريبا، أو بشكل مؤكد. سعادتي العارمة بالوضع الجديد رغم الزلزلة التي عشتها، كانت تفرض علي قمع الكثير من الرغبات الهائجة والعنيفة. وكان عليّ أن أمارس نوعا من القمع إلى حد الإلغاء والإعدام لرغبات الجسد الغريزية حفاظا على المكانة الرفيعة التي نلتها وسط هذه الكائنات الجميلة، خاصة النساء. ألف عبودية وعبودية هنا، أحسن عشرات المرات من أن تكون حرا في المغرب، ما عدا لو كنت سيدا تحيط بك الجواري والعبيد وأنت تتمتع بعشرات السراري، خليلات الفرح والمتعة.

هكذا كان رصيدي المالي يتضخم شهرا وراء آخر، سنة بعد أخرى، لأن تفكيرا جهنميا أخذ يستحوذ علي بعد سنوات من العمر، خاصة بعد مرور عشر سنوات على حصول المغرب على الاستقلال. في هذه الفترة بدأت هواجس كثيرة تسيطر علي، وكان للشيطان لعنة الله عليه دور كبير في نصب فخاخ الشر في طريقي، خاصة وأنني أحمل في قلبي العميق الكثير من الحقد والكراهية، وكانت الضغينة السوداء تمزقني إربا إربا، وتدفعني نحو الانتقام الرهيب. فقد عدت إلى بلدة قيل لي هي مسقط رأسي في الحكايات القديمة التي كنت أسمعها على طرف لسان أمي في بعض الليالي الشتوية الباردة وهي تحاول تسكين أوجاعنا التي خلفها البرد والجوع والحرمان، أنا وإخوتي. شيء في الأعماق كان يترسخ ويتراكم دون وعي مني لم يكن هذا الشيء في البداية واضحا بما فيه الكفاية، لكن مع سنوات العمر والنظرة الاحتقارية التي كانت تحيط بي أينما وليت وجهي، جعلت هذا الشيء يتشكل بشكل واضح  ليتخذ صورة الضغينة العميقة الجذور، والتي يستحيل اقتلاعها من جوفي الحي. لقد صارت جزءا من ذاتي تتحين الفرصة للهجوم إلى حد القتل والافتراس. طعمها في الذات كان يولد الرغبة في الانتقام فيما لو أتيحت لي الفرصة. وفي ظلمة الليل كانت قمرا وهاجا، بل بشكل أدق كانت نارا تلتهم كل شيء، وهي تحرقني باستمرار مخلفة الكثير من الحروق والندوب كما لو كنت أشتهي تعذيب نفسي.

عدت إلى بلدتي الصغيرة وهي محاطة بقبائل البيض، وبفضل الأموال التي راكمتها طيلة سنوات عملي بفرنسا اشتريت مزرعة كبيرة، وكنت أرفض تشغيل أي رجل أسود. فقد قبلت في مزرعتي عمالا فقراء بيض دفعتهم الحاجة للعمل. وكانت سعادتي كبيرة وأنا أراهم كالعبيد ينتظرون الدريهمات القليلة كأجرة يومية. كان يحلو لي أن أمارس نوعا من الاستعلاء عليهم،  وأنا أوجه الأوامر وأحدد طريقة ونوعية العمل، بلغة واضحة فيها الكثير من السيادة وعلو الشأن. هكذا كانت تستيقظ الضغينة المتجذرة في حكايات الآباء والأجداد، وما عشته وشاهدته بأمي عيني من قهر واستعباد وعنف بمختلف أشكاله من الرمزي إلى الجلد والتهديد بالقتل لأبسط الأسباب، وقد لا تكون متعلقة بالأخطاء، بل فقط حسب مزاج السيد. لهذا قالت نفسي المنفية في الأعماق آن الأوان أن أهين ” أولاد الكلب”، لذلك فكرت في البحث عن امرأة بيضاء للزواج. لدي الآن ما يكفي من الثروة للإغراء، وفرض الامر الواقع، عليهم أن يدفعوا الثمن الآن أضعافا.

هكذا وجدت فتاة جميلة، بيضاء بجمال ساحر أخاذ، من عائلة فقيرة، في منطقة لا تبعد كثيرا عن بلدتي. لقد وضعت الكثير من الأموال في يدي أسرتها، كما لو كنت أشتري جارية للذة والمتعة، تحت أسماء شرعية، المهر، الهدايا المختلفة لكل أفراد العائلة، المساهمة في ترميم بيت أسرتها، وتجديد واجهته، ليكون في مستوى حفلة العرس القادم، هدية الأثاث الجديد…

كلما مررت بسيارتي الفاتنة وزوجتي بجانبي، كانت العيون تقتلع من محاجرها، وهي تنتفض بشراسة، كما لو كنت أمزق أوردتهم بمدية حادة. وكان بعضهم يتجرأ على التلفظ بعبارات فيها الكثير من العداء والعنصرية القاتلة. شيء رهيب كان يسري في أعماقهم وعيونهم ترفض الاعتراف وتترحم على الماضي الذي لم يحسن فيه الأجداد التصرف في إبادة السلالة السوداء القذرة التي تنعم في الرخاء وتستفزهم بوقاحة العبد الوضيع. هكذا كانت تصلني كلماتهم، مرة بشكل مباشر، ومرات بطريقة مبطنة فيها الكثير من السخرية والاستهزاء. أحيانا يقول لي عمي ” العربي” وهو رجل أسود طاعن في العمر كلفته بمراقبة العمال في المزرعة ” لقد تهورت كثيرا يا ولدي في هذا الاختيار، لاحظ عيونهم تفترسك كل يوم، قد يفكر بعضهم في قتلك لأتفه الأسباب، ولا تستبعد أن يفتعلوا صراعا يسمح لهم بإطلاق نار الشر المتغلغل في الأعماق.”

بدأ ينتابني الخوف والتحسب، خاصة وأن العنصرية ماتزال يانعة صريحة في العلاقات واللغة اليومية. لم يستوعبوا أن نعيش أحرارا بعيدا عن العبودية والدونية والاحتقار. صحيح أن الكثير من حارات السود مهمشة وفقيرة، ولا تزال تعاني من النظرة التبخيسية والقهر النفسي باستمرار وهي تواجه علاقات اضطهادية في المعيش واللغة والتواصل اليومي المشحون بالحقد والكراهية. ورغم الخوف الذي بدأ يسري في جوفي، كان الشيطان الملعون يدفع بي نحو الأمام، كما لو كان ينصب لي قدرا مأساويا. وبعد أن صار لدي طفلين أخذت أفكر في امرأة ثانية، وأنا أقول في نفسي ما المانع مادام الشرع يسمح لي بذلك، فعلي أن آخذ نصيبي من الدنيا وأطيع أمر ربي في تحصين نفسي من الزنا والفساد. هكذا كنت أجد المبررات الحلال، التي كانت في متناول يدي ، لكل فعل شنيع نابع من حقد الضغينة، في داخلي، الذي لا يهدأ كبركان تحرقني حممه بشكل دؤوب، وهو يقول كجهنم هل من مزيد. كلما جرحني أحدهم بعبارات قدحية، أو نال من كرامتي بشكل فظيع في التواصل اليومي المشحون باستعارات مؤلمة بالغة الحقد والعنصرية، إلا وازداد لهيب الضغينة والكراهية في دواخلي العميقة، وبذلك الألم الفظيع كنت لا أعاني أية عقدة ذنب تجاه تفجير الضغينة الذي لا تهدأ حمم بركانه وهي تحرقني دون توقف. وبحكم الثروة التي حصلتها وكانت تزداد بسبب حرصي الكبير على استثمارها بشكل يعود علي بالربح الوفير، كنت أشتري نفاق هذه الكائنات الغريبة وهي تسمعني كلاما معسولا. أعرف أنه لا يخرج من القلب، بل رغبة في الحصول على بعض بركاتي وكراماتي، حيث كنت أتعمد توزيع الصدقات على فقرائهم، في الأعياد والمناسبات، وأنا أستمتع بدعواتهم التي لا تخرج إلا من اللسان أو هكذا كنت أتخيل. لم أكن أهتم لذلك إلا من باب شعوري بالسيادة وأنا أرى عيونهم مكسورة، وقاماتهم منحنية. صحيح أنني كنت أتذكر في هذه الأجواء نصائح عمي ” العربي” حين يقول” الضغينة تقتل صاحبها قبل أن تجهز على الخصم”. لكن لا حيلة لي في ذلك فقد تحولت إلى مجرد دمية في يد الشيطان يفعل بي ما يشاء. لهذا بالغت في الزواج، فتزوجت ثالثة ثم رابعة. وأنا في نفسي أتخيلني سيدا يتمتع بالجواري والسراري، كما لو كنت أعيد قرون الاسترقاق بشكل معكوس ليأخذ كل ذي حق حقه.

كان من الممكن أن تهدأ النار في داخلي لو أن أطفالهم ابتعدوا قليلا عن تعيير أطفالي بأنواع مختلفة من الوصم السيء، حيث يصفونهم بأسماء غريبة ” قهوة وحليب” دلالة على بين بين، لا هم من البيض ولا هم من السود. كانوا يشحنون أطفالهم بحكايات النظرة الدونية والاحتقار، وكنت أزرع في داخل أطفالي رعب الضغينة.

لكنني الآن لا أعرف لماذا حدث كل هذا، بدل أن نعيش في سلام، وأنا أرى أطفالي يكبرون في وسط غير مرحب بهم على الاطلاق، رغم أن سحنة بعضهم قريبة من بني جلدة البيض منهم. لكن الوصم السيئ حافر في الأعماق. هل أحسنت التصرف حين عدت إلى المغرب؟ ألم يكن من الأفضل أن أبقى في فرنسا وأتمتع بكل حقوق الانسان؟ عشرات الأسئلة كانت تطوف بعقلي، لكن الجواب الشافي ربما كان مخبأ في الضغينة التي رسمت هذه الأقدار.

ومن يضمن لي أن فرنسا خالية الآن من العنصرية حتى أندم على عودتي للمغرب، فأحد أبنائي يحدثني باستمرار عما جد في العالم من أخبار وغالبا ما يؤكد لي أن أوربا غير خالية من أنواع مختلفة من الكراهية تجاه الأجانب، خاصة السود والعرب والمسلمين. أنا الآن لا أفكر إلا في الحج مرة ثانية وغسل قلبي من كل البشاعة التي تجذرت في نفسيتي لعل الله يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، إن الله غفور رحيم.

(6)

عندما فتحت باب الحكاية المحظور لم أكن أعتقد أن هؤلاء جميعا ينتظرون ساعة هذا البوح الجنوني المتراكم في الأعماق، كما لو أن عبئا ثقيلا كان يجثم على القلب والنفس. وربما إذا لم تصبني الطلقة مباشرة فلن أفلت من الشظايا. ربما على الأقل واحدا من هؤلاء، إن لم يكن الامر يتعلق بهم جميعا، قد يشكك في نواياي ويسقط علي الكثير من التهم الباطلة. خاصة وأني ذلك الرجل الأبيض المتهم في الماضي المسكوت عنه، والحاضر المشؤوم. أذكر أنني استمعت مرارا إلى ما يحكيه جدي طيب الله ثراه من أن أباه كان قد اشترى عبدا صغيرا ناحية ” أوفوس” وهي بلدة في الجنوب. وكثيرا ما سمعت حكايات خرافية لتسلية الأطفال يكون فيها لشخصية العبد دور في قمة البلادة إلى حد تبعث على السخرية والاستهزاء والضحك، ونحن نرى كيف يتورط العبد في الكثير من المواقف المخجلة التي تحمل معاني الغباء والبلادة. هكذا تم غرس تمثلات سلبية إلى درجة الحط من القيمة الإنسانية للسود في أنفسنا. وكان الأمر جد عاد أن نقوم بتعييرهم بلونهم الأسود لأتفه خصام،” سرألكحل” ” الحرطاني”…، ونحن نشعر بنوع من الامتياز العرقي والأفضلية، كما لو أن الامر طبيعي حقا، وأن ذلك يمنحني الحق في حمل هذه النظرة التحقيرية، وتفعيلها في مواقف مختلفة، في المس بالسود واعتبارهم بشر من الدرجة الثانية، بحيث لا يمكن التسوية بيننا وبينهم. والغريب في الامر أن الآباء والأمهات عندما يصادفون أي خصام من هذا القبيل غالبا ما ينحازون ضد السود، حتى ولو كانوا في موقف المظلوم. والأكثر من ذلك غالبا ما يكون الاحتجاج وابلا من الألفاظ القدحية المشحونة بالتعيير العرقي، الشيء الذي كان يرسخ في نفوسنا هذا الازدراء البغيض في حقهم. والآن عندما أتذكر كل هذه العنصرية المفعمة بالكراهية والتي لا تزال تمارس بشكل مفضوح في النظرة والتواصل الاجتماعي اليومي، أستغرب كيف أن الفصول الدراسية هي الأخرى لم تكن رحيمة بهؤلاء، إذ سرعان ما تفلت أعصاب المعلم في الشتم والضرب لجميع التلاميذ دون تمييز في كل درس عسر علينا فهمه، أو لم نحسن إنجازه بالشكل الصحيح المطلوب، بحيث لم يكن من حقنا أن نخطئ. إلا أن التلميذ الأسود سرعان ما يناله بالإضافة إلى العنف الجسدي العنف الرمزي بسبب لونه العرقي المسؤول عن بلادته وغبائه. هكذا يتحول إلى كبش فداء شمت فيه الجميع، عندها ينقلب القسم إلى ساحة من الضحك المكتوم الذي لا تقوى تقاسيم الوجه، والنظرات المتبادلة بين التلاميذ على قمعه مهما كان رعب الخوف الذي يتملكنا من المعلم. لم نكن نعرف حجم الألم الهائل، والعذاب الكبير الذي كنا نزرعه بشكل ساخر مفعم بالاحتقار والذل في أعماق هؤلاء الأصدقاء الذي كنا نتقاسم معهم الكثير من الأشياء في اللعب والرفقة، في الشعائر والطقوس والأعياد، دون أن نعترف لهم بجدارة معرف الدين الحق والإيمان الصادق. كانوا دائما محط شك وريبة في امتلاك عقل التفكير السليم. فهم أقرب إلى بلادة الحيوان، أو قل ما شئت من حقارة دونية في حقهم فلن يختلف في قولك اثنان. هكذا كنا نشعل حرائق الضغينة والكراهية العميقة، فلم لا ترتفع اليوم الأصوات ضد هذا الاعتراف الخجول الذي لا يقوى على الجهر بخسة الانسان الأبيض فيما اقترفته يداه في واضحة النهار من الظلم والقهر واسترقاق.

وكان وضع هؤلاء السود من الميسوري الحال يثير في نفوسنا القرف والتقزز، ولعنة الحقد الممزوجة بلوثة عدوى الكراهية التي سرعان ما تنتشر بيننا كلما رأينا واحدا منهم بهندامه الأنيق. عيوننا كانت تتحول بسرعة البرق إلى أنياب وحشية لا تكتفي بتمزيق الثياب، بل تحاول جهد الإمكان تمزيق اللحم البشري أشلاء..  أشلاء. وهل يستطيع الواحد منا اليوم أن ينكر ذلك كلما رأى شخصا من هؤلاء على هذه الحال؟ ونزداد استغرابا واحتقانا كلما اصطدمنا بأحدهم موظفا مسؤولا، كما لو أن خللا ما حصل في الكون، ولم يتم الانتباه إلى الشقوق التي تسرب منها هذا الصرصور اللعين الذي لوث المشهد وأساء لصورة اليومي المعاش. تخدشه العيون بعنف واضح صريح يدركها بقهر قاتل يجبر الأعماق على الانفجار وهي ترمي على ذاكرته كل الاحتقار والدونية التي تشربها في دواخله من الطفولة إلى هذه اللحظة الملعونة التي ترفض فيها الكراهية أن تنجلي. تراقبه العيون وهي تتفرس بحقد رهيب مستنكرة هذا الوضع الجميل الذي يتمتع فيه هذا العبد الحقير. وبعد أن يمر تنقلب كل العيون الجريئة والمحتشمة لافتراس ظهره الأعزل. يشعر بالأنياب الحادة تمزق لحمه الحي. يسمع صمت الكلام القادم من أفواه هؤلاء الغاضبين من إخلال هذا الصرصور بمنازل الناس ونظام الحياة والكون. وتكبر المأساة إلى حد صب اللعنة على الدهر والزمان البائس الرديء، وعلى الآباء والأجداد الذي تهاونوا كثيرا. فتركوا خلفة لهذا النسل البغيض، تفسد الحياة، حين يمر رجل أسود في الشارع العام برفقة فتاة بيضاء وقد تكون غالبا شقراء. رغبة مكبوتة في القتل الهمجي تهتز في الأعماق. في لحظة صغيرة في الزمن تقطع الفتاة بسيوف العيون الحادة… يتحسرون، ويتألمون، ويلعنون الحاضر الذي يقف سدا مانعا لما يغلي كالمرجل في دواخلهم…  يستلذون صور خيالهم، وهم يرون رأس الرجل صار كرة تتقاذفها الأقدام وسط الطريق العام تحت وقع صرخات الفرحة الجنونية التي تعتلي الأبدان الهائجة الفاقدة لطبيعة الانسان. والحسرة الملتهبة تخرج من مناطق مجهولة في عش الضغينة والكراهية.

آه.. لو أمكن تأديب هذا الوغد، وقتل هذه الكلبة التي دنست وشوهت شرف العرق الأصيل. أكتب هذا وأنا على يقين تام أن لا أحد منهما ينظر اليّ بعين العطف والرضا، ولا القبول أو التقبل. فهذا يشكك في نوايا هذا الاعتراف، وذاك يستنكر ويدين هذا التجاسر في جعل الناس سواسية. أشعر بنوع من اللوم العنيف في كل العيون من البيض والسود. أتذكر عشرات المرات التي تورطت فيها رفقة أصدقاء لي في مثل هذه المواقف القذرة، ونحن نسخر بسخط واضح على الزمن الرديء الذي جعل هذا ” الحرطاني” يتزوج فتاة في مثل هذا الجمال الساحر الأخاذ. وكانت الأسئلة تمتد بنا في أدغال التفسيرات المسكونة بعشرات من المبررات الكاذبة، الشديدة الغموض في محاولة فهم ما كنا نراه من حين لآخر، كخرق لقوانين الحياة المعطاة في ترتيب الناس. مهما قلت أو صرحت واعترفت فلن أستطيع اجتثاث الضغينة من قلوب السود، ولا من داخل الجوف الحي لأصدقائي، وهم لا يزالون يسمعون هذه النعوت المقرفة والمحطة بالقيمة الإنسانية. كل القذارة والزبالة التي تربينا عليها منذ الصغر لا تزال سارية المفعول.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This